السبت 2022/07/30

آخر تحديث: 14:02 (بيروت)

السياسيون أدرَى... من جهنم عون إلى عصفورية ميقاتي

السبت 2022/07/30 فتات عيّاد
السياسيون أدرَى... من جهنم عون إلى عصفورية ميقاتي
increase حجم الخط decrease
فيما تتصدّر مفردات "الإنفجار الاجتماعي"، "الارتطام"، "الذهاب الى جهنم"، عناوين المقالات المتطرقة للانهيار اللبناني، يتساءل اللبنانيون: هل تكون العصفورية التي تحدث عنها الرئيس نجيب ميقاتي، هي النهاية لكل هذا الجنون الذي يحكم النموذج اللبناني! فالسياسيون هم الأدق في توصيف الأذى الذي تسببوا ويتسببون فيه لشعب برمته، على قاعدة أنهم "يدرون ما يفعلون". فمن "جهنم" الرئيس ميشال عون، إلى "عصفورية" ميقاتي تمعن الطبقة السياسية في تمهيد فصول الانهيار للشعب اللبناني، لعلّهم يتقبلون ما لا يقبله عقل ولا منطق.

"اللي مش عاجبه.. يهاجر"

وتمهد الطبقة السياسية للبنانيين، طريق جهنم، بدءاً من تصريح لرئيس الجمهورية ميشال عون، في 21 أيلول/سبتمبر 2020، حينما بشّر اللبنانيين بأنهم "ذاهبون إلى جهنم". ويعيش اللبنانيون في عهد جهنم شكلاً ومضموناً، منذ أن حلت لعنة احتراق مساحات واسعة من مساحات لبنان الخضراء العام 2019، وصولاً لمحاولة وزير الاتصالات محمد شقير في حكومة الرئيس سعد الحريري وضع ضريبة على تطبيق "واتسآب" المجاني، لتنفجر انتفاضة 17 تشرين، وتبدأ بعدها معالم الانهيار اللبناني بالتكشف.

"أهلاً بكم في جهنم". انهيار على كافة الأصعدة، مع فقدان الليرة اللبنانية 90% من قيمتها، وحجز أموال المودعين، وحلول ثلث الشعب "تحت خط الفقر"، ونوم 30% من اطفال لبنان ببطون خاوية، ورفع الدعم عن المحروقات وتقليص التغذية الكهربائية لحدودها الدنيا، وارتفاع نسبة الجريمة، وعرقلة التحقيق بانفجار المرفأ لصالح المتورطين بالجريمة.


اللي ما عاجبوا "يفلّ"، كان هذا ما قاله الرئيس عون في مقابلة له في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2020 رداً على سؤال بقوله "اذا مش عاجبن ولا حدا آدمي بالسلطة يهاجروا"، معتبراً مطلب الثوار بحكومة مستقلين ضرباً من الجنون بقوله "من وين بجبلن مستقلين... من المريخ؟". وعون الذي لم يوفق بزلّة لسان في 1 آب/أغسطس 2018 واصفاً عملية "فجر الجرود" بـ"فجر القرود"، لم يوفق أيضاً بتبريره عدم حمايته بيروت بعد علمه بوجود نيترات الأمونيوم في مرفئها، عبر قوله "trop tard" أي "علمتُ متأخراً".

كما أضيف وعده بإنجاز التحقيقات في 5 أيام، إلى وعوده المسجلة على "لوح الثلج"، وأبرزها وعده العام 2019: "سأترك لبنان أفضل مما استلمته". لكنّ من يسكن قصر بعبدا الذي لا يغيب عنه التكييف في عز تموز/يوليو، ليس كالشعب الذي فتحت عليه أبواب جهنم في عز أيلول/سبتمبر!

حكام الانهيار

رئيس مجلس النواب نبيه بري، بدوره، علّق في 31 آب/أغسطس 2020، على الأوضاع بقوله "حذار الاستمرار بهذا الأداء السياسي". مستنكراً إياه، هو الداعي للدولة المدنية، والمتمسك بالتوقيع الشيعي في وزارة المال، وهو الذي يرى أن "الضعيف يلجأ للقضاء"، ويرشح المطلوبين للقضاء في جريمة تفجير المرفأ، في لوائحه الانتخابية، وهو الذي انتُخب منذ 30 عاماً رئيساً لمجلس النواب، ومنذ ذلك الحين، لم يحظ غيره بشرف احتلال المنصب.

"بيضة قبان" المنظومة، رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط، حسمها في 18 أيلول/سبتمبر 2020، ناعياً لبنان بصيغته الحالية. وفيما يخشى اللبنانيون انفراط عقدهم الاجتماعي أمنياً في الشارع، تعيد المنظومة "تقسيم" الحكم وفق توازنات جديدة، على حسابهم وحساب أمنهم والدولة، فقال جنبلاط: "أخشى أن أقول رحمة الله على لبنان الكبير".

وفيما دعت الانتفاضة لإسقاط النظام وإلغاء الطائفية السياسية. نعى جنبلاط، لبنان، لا إرثه السياسي، موزعاً تركته السياسية في حياته، على ابنه تيمور.


أما سعد الحريري، رئيس حكومة الانهيار، فخرج على الثوار في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2019، بورقة اصلاحية تعالج الأزمة في غضون أيام، على حد قوله، هو الذي لم يكن يعرف العام 2018 سعر ربطة الخبز، "لقمة الفقير". وفيما حصّن شعار "نحنا الخرزة الزرقاء" الانتخابي "تيار المستقبل" العام 2018، فإن رياح التغيير والإرادة الدولية باعتكاف الحريري، غيّبت الشعار والتيار في انتخابات 2022 في بركة مياه في الطريق الجديدة تحت شعار "مقاطعين لعيونك".

"نحنا فينا وبدنا" شعار "القوات اللبنانية" الانتخابي، استُخدم ضدها في انتخابات اللجان النيابية الأخيرة، التي أظهرت محاصصة بين الأحزاب كافة. وهو شعار مضاد لشعار "ما خلونا" الذي يردده نواب "التيار الوطني الحر"، الذي هدد رئيسه جبران باسيل، اللبنانيين أخصام تياره، بأنه "سنجرفكم" قبل أيام قليلة من انتفاضة 17 تشرين، التي عاقبته بشعار الـ"هيلا هو".

"ازرعوا عالبلكون". عبارة مستوحاة من حلول أمين عام حزب الله حسن نصرلله للأزمة الاقتصادية المستفحلة، في كلمة له في 7 تموز/يونيو 2020، معلناً "الجهاد الزراعي". والحزب الذي لا يملك رؤية اقتصادية، استعاض عنها بدعوة أثارت سخرية اللبنانيين، ولم تسدّ جوعهم.


"نحنا ما مننهار"، ردّ جمهور نصرلله، الذي، بدوره، قام بتسخيف الموت في طابور للخبز، مهدداً بميتة -محرزة- في حرب مفترضة قد يخوضها مع اسرائيل.

وزراء الانهيار

لمرحلة الانهيار وزراؤها الذين لا ينامون، مع صفر إنجازات. تجلى ذلك في 16 آذار/مارس 2022 عندما لم يخجل وزير الطاقة وليد فياض من الامتناع عن أجوبة الصحافيين لأنه "تعبان... بدي روح نام".

ولطالما غرد السياسيون خارج سرب تطلعات اللبنانيين، لكن مرحلة الانهيار أظهرت أن الطبقة السياسية منفصلة عن هواجس اللبنانيين. برز ذلك في مرحلة رفع الدعم عن المحروقات في 6 حزيران/يونيو 2021، يوم قال وزير الطاقة ريمون غجر: "إن من لا يستطيع أن يدفع سعر الصفيحة بسعر 200 ألف سيتوقف عن استعمال السيارة" و"بدو يلاقي شي تاني يستعمله"، فيما اعتبر اللبنانيون أن الوزير يدعوهم للعودة لزمن ركوب الحمير.


وزير الشؤون الاجتماعية السابق هيكتور حجار بدوره، دعا لعدم شراء الحفاضات في 11 أيلول/سبتمبر 2021، فردّ عليه لبنانيون بمقولة لمارك توين "السياسيون مثل حفاضات الأطفال وجب تغييرهم للسبب نفسه".

لا الليرة بخير ولا اللبنانيون بخير!
"الليرة بخير" عبارة ظلّ رياض سلامة، حاكم ومهندس سياسات مصرف لبنان لعقود، يتظلل بها، قبل أن ينتقل في نيسان/أبريل 2020 للقول بأنه "بكرا بيتعوّدوا اللبنانيين" يومَ سُئل عن غلاء المعيشة.

عبارة سلامة تختصر كل شيء. فالسلطة تعتقد بأن اللبنانيين باتوا راضين بأن يكونوا وقوداً لجهنّمها. فيما حالات التمرد في جهنم "مكمّلة"، وآخرها، رد اللاعب وائل عرقجي الحائز على لقب أفضل لاعب كرة سلة في آسيا، على ميقاتي في تهنئة له للمنتخب اللبناني، بقوله "نحن ننظف هراءكم.. فمن الأفضل أن تصمت".

"ليست الوقائع في حد ذاتها هي التي تؤثر في المخيلة الشعبية، إنما الطريقة التي تُعرض بها هذه الوقائع، وإن معرفة فن التأثير في مخيلة الجماهير تعني معرفة فن حكمها"، يقول غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجيا الجماهير". والسؤال اليوم منوط باللبنانيين وحدهم: هل يتكيفون مع العصفورية التي بشّرهم بها ميقاتي، كما تكيفوا أو كُيِّفوا مع جهنم عون، أم أن جنون العظمة الذي يضرب الطبقة السياسية، قد ينقلب عليها ليجرفها ذات يوم؟

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها