الخميس 2022/07/28

آخر تحديث: 16:36 (بيروت)

"خيمة 56".. ليس الجنس هو ما يسئ لحوران والثورة

الخميس 2022/07/28 وليد بركسية
"خيمة 56".. ليس الجنس هو ما يسئ لحوران والثورة
increase حجم الخط decrease
مسيء للاجئين، وصمة عار بحق أهالي حوران، عميل للنظام السوري، تافه، منحط، وضيع، وغيرها من عشرات الصفات السلبية وجهت إلى الفيلم السوري القصير "خيمة 56" والقائمين عليه، لكونه يعرض قصة بسيطة عن مجموعة من اللاجئين السوريين الذين يفتقدون للخصوصية في أحد المخيمات ولا يستطيعون بالتالي ممارسة الجنس بحرية بعيداً من العيون التي تتلصص عليهم أو الأطفال النائمين في أحضانهم. وبلغت الدراما ذروتها مع تبرؤ عشيرة الزعبي من بطل الفيلم علاء الزعبي، الذي اعتذر لاحقاً عن "الإساءة" متعهداً بحذف الفيلم من الإنترنت.


هذه المقدمة تلخص كمية الانغلاق في بلد حكمته الديكتاتورية لعقود وتحكمت فيه السلطة الدينية والأعراف الاجتماعية البالية لقرون. وحتى بعد الثورة على نظام الأسد، يتواجد شعور دائم في كل حادثة ترتبط بالحريات (سواء كانت حرية التعبير أم الحرية الشخصية) على جانب المعارضة، بأن كل مفرزات العقد الماضي لم تغير شيئاً يذكر في الموروث المحافظ الطاغي حتى على اللغة التي يتحدث بها السوريون مع بعضهم البعض وبالطريقة التي يفرض بها المجتمع المحافظ وصايته على الأفراد، ما يطرح سؤالاً مكرراً: هل قامت الثورة السورية كحركة تمثل صراعاً على السلطة فقط من أجل استبدال حكم علوي بآخر سني ضمن مفهوم الهويات الطائفية لا أكثر؟ لأن خطاب الجماعات المعارضة يفتقد إلى ما يعتبر من المسلَّمات في أي دولة عصرية منشودة، بغض النظر عن وجود أصوات فردية تتحدث عن قيم مثل الحريات بمفهومها الأشمل.

والفيلم الذي لعب بطولته الممثل علاء الزعبي والممثلة صفاء سلطان، وآخرون،  كتبته سندس برهوم وأخرجه سيف الشيخ نجيب، وعُرض في مهرجان الإسكندرية لسينما دول البحر المتوسط العام 2018، ونال شهرة واسعة، سلبية في معظمها، بعد توفيره للعرض مجاناً عبر الإنترنت هذا الشهر. وتدور قصته حول أزواج في مخيم للاجئين لا يجدون مساحة ولا خصوصية لممارسة الجنس أو التعبير عن حبهم لبعضهم البعض، من دون عيون تراقبهم. ليجدوا الحل في تخصيص خيمة لذلك الغرض، يتناوب عليها الأزواج بالدور.


والفيلم نفسه لا يستحق كل ذلك الاهتمام من الناحية الفنية لولا الجلبة المثارة ضده، والتي تنطلق من ثلاث محددات. الأول له علاقة بالجنس بوصفه أمراً غير ضروري مقابل وجود حاجات أكثر أهمية للاجئين كالطعام والمأوى، رغم أن الجنس في الواقع أحد الحاجات الأساسية ضمن "هرم ماسلو" للاحتياجات الإنسانية، والثاني مرتبط باللهجة الحورانية المستخدمة في الفيلم ما اعتبر إساءة لدرعا بوصفها مهد الثورة، والثالث يتقاطع مع الجانبين السابقين بالقول أنهما الطريقة المستخدمة من قبل النظام السوري لتشويه سمعة أهل حوران لمعارضتهم للنظام قبل عشر سنوات، على افتراض مبهم أن الفيلم من إنتاج شركة موالية للنظام.

المحددات الثلاثة تفصح مجتمعة عن السبب الوحيد للشعور بالإهانة، وهو الرغبة الذكورية في التحكم في أجساد النساء اللواتي يجب ألا يمتلكن أي حاجات جنسية كي يكن فاضلات وعفيفات ويندرجن تحت مسمى "الحرائر" الذي أعيد تدويره مرة أخرى! علماً أن النساء في الفيلم يظهرن وهن يتحدثهن عن حاجتهن للقاء أزواجهن بخصوصية، بالتلميح معظم الوقت، وبالإشارات في وقت آخر، وبالكلام الصريح نادراً. كما أن الخطاب القائم على فكرة العشيرة/القبيلة أيضاً تحيل إلى فكرة المجتمع الأبوي الذي تشكل فيه النساء كائنات أقل شأناً من الرجال من جهة وأقرب إلى الممتلكات الشخصية من جهة ثانية، ما يخلق بدوره مفاهيم العار والشرف التي يجب أن يشعر بها الرجل ضمن هذه المنظومة كي يكون رجلاً يستحق اسم العائلة/القبيلة، والتي يجب أن تصونها المرأة كي تكون "محترمة".

ولو كانت قصة الفيلم عن الرجال أو الشباب الذين لا يستطيعون ممارسة الجنس في المخيمات من دون أي ذكر للنساء اللواتي يجب أن يقمن فقط بواجبهن الزوجي فقط، لما كان هناك، على الأرجح، رد فعل مماثل. والأكثر من ذلك أنه لو كان الفيلم يتحدث، بالأسلوب الفني نفسه وطريقة العرض ذاتها، عن صعوبات الشباب اللاجئ في "إكمال نصف دينهم"، أي الزواج، لكان التصفيق والتهليل حاضراً. لكن طرح الفيلم من ناحية "التلصص" على ما يجري في الغرف المغلقة هو ما يستفز العقلية الشرقية، لا أكثر، وكأن تجاهل الحديث عن تفاصيل معينة بوصفها "عيباً وحراماً" في الفن يعني أنها غير موجودة في الواقع توازياً.

وفي ما يخص الجنس تحديداً، تظهر كافة تناقضات المجتمعات العربية القائمة على مفهوم العفة. الكل يرغب فيه ويتلصص عليه بدليل نسب مشاهدة الأفلام الإباحية العالية في المنطقة العربية، ولا أحد يتحدث عنه علناً إلا "المنحطون أخلاقياً".



وبالطبع انتشرت نصائح لما يجب أن يكون الفن عليه كي يكون صالحاً وجيداً ومقبولاً. تلك النصائح الأقرب إلى التوجيهات من أجل صناعة "الفن النظيف"، مستفزة. فمن قال أصلاً أن الفن والإعلام يجب أن يكونا مرآة للمجتمع بدلاً من أن يكونا دافعاً له نحو مستقبل متقدم؟ ومن قال أنه يجب احترام خصوصيات معينة من أجل تقديم "فن لائق"؟ ومن يمتلك أصلاً الحق في تحديد تلك المعايير التي تختلف من شخص إلى آخر؟ ومن هم أولئك الأشخاص الذين يتحدثون باسم المجتمع. ومن كلفهم بمهمة الوصاية على الفن الذي يجب أن يتمتع بحرية مطلقة كي يكون فناً أصلاً؟

الأكثر استفزازاً هنا، هو الاعتذار الذي قدمه الممثل الزعبي عن "الإساءة". يشبه الأمر "السحسوح" في لبنان، وهو تسمية للضغوط يتعرض لها الناشطون والفنانون والصحافيون، أسوة بفيديوهات الاعتذار التي ظهرت قبل سنوات إثر قيام مجموعة من سكان حي السلم بشتم ومهاجمة أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله، بعدما هدمت الدولة مخالفاتهم، ليخرجوا بعد يوم واحد فقط للإعتذار من "كعب صباط السيد" ويعلنوا ولاءهم للقضية والنهج. لا فرق هنا سوى في نوعية السلطة التي تمارس الترهيب، عشائرية قبلية واجتماعية أم سياسية ودينية.



في العام 1909 أصدر الكاتب الروسي ألكسندر كوبرين روايته "الحفرة" التي دارت في أحد مواخير مدينة كييف، وأثارت جدلاً وصل حد وصفها من قبل روائيين روس مشهورين، مثل ليو تولوستوي، بأنها "قذارة غير صالحة للنشر". لم يعتذر كوبرين بل أكمل كتابة جزئين من الرواية حتى اكتملت رغم الإحباط من ردود الأفعال. اليوم تعتبر "الحفرة" عملاً أدبياً كلاسيكياً يتناول نفاق الطبقة الثرية في روسيا مطلع القرن العشرين وتناقضات المجتمع الروسي من باب الجنس في بيوت الدعارة. وبالطريقة نفسه، قدمت المغنية الأميركية مادونا العام 1994، ألبومها "إيروتيكا"، القائم على كتابة أغنيات تمثل خيالاتها الجنسية، ولم تعتذر عنه رغم ردّ الفعل المحافظ الذي وصل إلى الفاتيكان نفسه، بل قدمت بعد أعوام أغنية "Human Nature" لتقول أنها لن تعتذر عن ذلك الألبوم الذي بات كلاسيكياً اليوم.

لا يعني ذلك طبعاً أن "خيمة 56" سيتحول إلى عمل كلاسيكي مع مرور الوقت، لأنه رديء فنياً. لكن المقاربة تعطي لمحة عن المدى الذي يجب أن يذهب إليه الفنانون والأدباء والصحافيون عند رغبتهم في تقديم فكرة حقيقية يؤمنون بها لكونها تتحدى أحد التابوهات في لحظة زمنية ما، مع الإشارة إلى أن الفيلم ككل لا يعرض شيئاً سوى أياد تلتقي وشموع تُشعل وعيون تنظر من ثقوب الخيم وأصوات تماثل القبلات بطريقة هزلية من شدة رداءتها. ذلك فقط أثار كل هذا الغضب فكيف لو كان الفيلم هو النسخة العربية من فيلم "Nymphomaniac" للمخرج الدنماركي لارس فون تراير الذي يعرض طوال أربع ساعات قصة امرأة مهووسة بالجنس وتبحث عن مغامرات شبقة بلا توقف؟

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها