الأربعاء 2022/07/27

آخر تحديث: 15:16 (بيروت)

"لماذا البنات أفاعي؟".. منصة "نيودوس" السورية والترفيه المريض

الأربعاء 2022/07/27 نور عويتي
"لماذا البنات أفاعي؟".. منصة "نيودوس" السورية والترفيه المريض
increase حجم الخط decrease
لا شك أن صناعة المحتوى في الداخل السوري أمر مرهق وخطير للغاية، خصوصاً في المناطق التابعة لسيطرة النظام السوري بشكل فعلي، حيث مازال التصوير في العاصمة دمشق من دون تصريح أمني، فعلاً يعرض صاحبه للاعتقال بشكل فوري. ولذلك تعمل غالبية صانعي المحتوى على الحصول على موافقة أمنية مسبقة للتصوير، وتتحاشى الحديث عن أي موضوع جدي، ولا تناقش الأوضاع المعيشية الخانقة، تجنباً للدخول في أي سياق سياسي قد يعرضها للملاحقة القانونية.


وليس من الغريب بالتالي أن يكون محتوى قنوات "يوتيوب" السورية المستقلة عن الإعلام الرسمي في الداخل، ترفيهياً بالمجمل، وكأنها جميعاً تصور مدينة دمشق من زاوية واحدة، هي الزاوية السياحية النظيفة. لكن في ذلك التوجه، مع التناقض الحاد مع الواقع الذي لا يمكن إخفاؤه، تبدو دمشق مدينة بائسة تلاشى فيها الجمال تماماً. والأسوأ أنها باتت وكراً للأفكار الرجعية والمتحجرة المنعكسة بشكل واضح في فيديوهات منصة "نيودوس" التي يديرها فادي الخضرا من مقرها بدمشق، وحققت شعبية ومتابعة كبيرة من قبل الشارع السوري.

محتوى المنصة غير هادف على الإطلاق، بل يعتمد في معظمه على لقاءات سريعة مع الناس في الشارع، وطرح أسئلة سخيفة عليهم، ليحاول إضحاك المشاهدين عبر التنمر على الناس البسطاء في الشارع! نسبة كبيرة من الأسئلة تبدو غير لائقة من الأساس، فهي مبنية على منطق ذكوري وتشجع على كراهية النساء! فتطرح أسئلة من قبيل: "ليش البنات حيايا؟" (أفاعي) أو "عدد خمسة أشياء بتحمد ربك عليهم لأنك مو بنت"؟

منذ ما يقارب الأسبوع، طرحت منصة "نيودوس" مقطع فيديو مختلفاً نوعاً ما، أشار فيه الخضرا في بدايته إلى أنه ليس فيديو ترفيهياً، وإنما هو فيديو يهدف لمناقشة مشكلة اجتماعية تواجه الشباب اليوم وهي "الإغراء"!


يبدأ الفيديو بمشهد تمثيلي رديء للغاية، حيث يتجول الخضرا في الشارع وتظهر له مقاطع فيديو قصيرة لفتيات من تطبيق "تيك توك" ويحاول الخضرا أن يهرب منهن لكنه يبقى محاصراً. ويقول في المقدمة التي تتلو المشهد، أن الهدف من الحلقة هو التوعية حول ظاهرة اجتماعية، هي رقص الفتيات ولباسهن "غير المحتشم" في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تؤثر بشكل سلبي على المجتمع، بحسب رأيه، وتضر بالشبان والمراهقين، ليمهد بهذا الكلام لطرح رأيه الصادم: لباس النساء في مواقع التواصل الاجتماعي لا يصنف تحت بند الحرية الشخصية!

الخضرا في هذا الفيديو، وفي الكثير من الفيديوهات السابقة التي يشذ فيها عن أسلوبه المتنمر ويدخل في نقاش "جادّ"، يقدم نموذجاً فجاً عن الصورة النمطية للشبان الشرقيين الذكوريين. للأسف، هذا الشاب يمتلك منصات متنوعة، مُتابَعة من قبل فئة واسعة من المراهقين والشباب، وتنشر يومياً أفكاره المتخلفة التي تعزز الخوف من الانفتاح على ثقافات الآخرين وتدعو للانغلاق على الذات وترفض الحريات الفردية، وتعزز الأفكار الرجعية حول تفوق الذكور البيولوجي على النساء، وكل الأفكار المشابهة التي تضع المرأة في مكانة أدنى من الرجل.

وللأسف أيضاً، فإن نشاط الخضرا لا ينحصر في الفيديوهات التي ينتجها وينشرها عبر قنواته في "يوتيوب"، وإنما يمتد ليشمل العديد من الصفحات والمجموعات التابعة للمنصة ذاتها في "فايسبوك" ليكون صوته حاضراً في كل مكان، ويساهم بمحتواه "الترفيهي" في اضطهاد النساء، في بلد مثل سوريا، حيث تعاني النساء والأقليات الجندرية، القمع والتعنيف.

المقابلات التي يجريها الخضرا لا تعرض سوى وجهة نظر واحدة، هي وجهة نظره التي سيجعلها تنتصر على كل صوت لا يعجبه، من خلال التنمر والسخرية المباشرة ومن خلال المقاطع الدخيلة التي يضيفها بالمونتاج لتمييع أي رأي لا يعجبه. ففي كل مقابلة، يحاول أن يفرض رأيه ويدفع الضيوف إلى الموافقة عليه بشتى الوسائل.

يلاحظ ذلك بشكل جلي في فيديو "ظاهرة الإغراء". فكلما يسأل فتاة إذا ما كان اللباس غير المحتشم ورقص الفتيات في وسائل التواصل الاجتماعي، يندرج تحت بند الحرية الشخصية، ويأتي الجواب بـ"نعم"، يقوم الخضرا بالضغط عليهن لتغيير الإجابة. فاستدعى والدة إحدى الفتيات للمشاركة في المقابلة عندما لم يعجبه جواب الفتاة، ليسأل الأم إذا ما كانت تسمح لابنتها بارتداء ملابس فاضحة، لينتصر بهذا الأسلوب الرخيص ويخرج بالإجابة التي يبحث عنها، إذ تقوم الفتاة بتغيير رأيها. وعندما أجاب شاب على السؤال ذاته بأن لباس المرأة هو حرية شخصية، راح يتنمر عليه بطريقة ذكورية تحمل معنى: "أنت لست رجلاً ولا تخاف على عرضك"!

وفي حال أصر أحد الضيوف على الرأي المخالف، ستزيد جرعة السخرية منه طبعاً. هذا ما حدث في الفيديو نفسه عندما أصرت فتاة على رأيها المختلف، وبدأت تناقش الخضرا بشكل جاد لتتحدث عن مفهوم الحرية الشخصية، فبدأ الخضرا يبرر ظاهرة التحرش الجنسي ويدافع عن المتحرشين ويناقشها بأن لباس الفتيات هو سبب ظاهرة التحرش، ويستشهد بنفسه بأنه يستثار بسبب تلك الصور، لترد عليه الفتاة بشكل منطقي وتبين أن المشكلة فيه فقط. ما دفع الخضرا للاستعانة بالمارة في الشارع، ليطلب منهم التصريح بأنه الشاب الطبيعي وأن هذه الفتاة التي لا تتوافق مع معايير المجتمع هي المشكلة، وكأن أفكارها تحمل بذور عهر يرفضه المجتمع! لكن، رغم هذه الأساليب الرخيصة، بقيت الفتاة مصرّة على رأيها، لينهي الخضرا مقابلته معها بقوله أنه من الممكن أن يتقبل هذا اللباس من فتيات أوروبا وليس من الفتيات في مجتمعتنا، وكأن مفهوم الحرية يتغير بتغير البقعة الجغرافية. وغضَب الخضرا من الفتاة دفعه للتنمر عليها بعد انتهاء الحلقة، ليضع صورتها على غلاف الفيديو الذي عنونه "حاولت أن تتحداني برأيها وخسرت".

اليوم تبرز خطورة الأشخاص المؤثرين وأصحاب المنصات، في الأجيال الناشئة، فبدلاً من توعية الشباب والمراهقين حول الحريات وتقبل الآخر وحقوق النساء، وتقديم أفكار تتحدى السلطة، كما هو الحال في بقية دول العالم، تقوم هذه المنصات ببث محتوى يكرس التطرف ويدعو للكراهية، ومنصة "نيودوس" ليست الوحيدة، فمعظم "اليوتيوبر" السوريين في الداخل يصنعون فيديوهات تكرس القيم الرجعية.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها