الإثنين 2022/07/25

آخر تحديث: 17:57 (بيروت)

ملكة جمال لبنان.. بطَعم الإنهيار

الإثنين 2022/07/25 قاسم مرواني
ملكة جمال لبنان.. بطَعم الإنهيار
العديد من الفتيات، عبر ظهورهن في الحفلة، تحدين البيئة المحافظة التي أتين منها (غيتي)
increase حجم الخط decrease
أرخى الانهيار الاقتصادي وما شهده لبنان من تبعات سياسية واجتماعية، بظلاله، على حفلة انتخاب ملكة جمال لبنان 2022. الكلمات الافتتاحية المتحسرة على لبنان سابق، تعليق الآمال على النهوض مجدداً، أغنية نانسي عجرم "لبيروت"، وجوه الحاضرين، الموسيقى، كلها كانت بطعم الانهيار.

تجر المرشحات للقب الملكة، بدورهن، آثار الانهيار. فتيات في أولى خطواتهن نحو الحياة، منهن من خسر والدها كل مدخراته في المصارف اللبنانية. أخريات فقدن عزيزاً بسبب انتشار فيروس كورونا أو انقطاع الأدوية. وبعضهن اضطرّهن الانهيار إلى مغادرة البلاد. اللواتي هاجرن يُعتبرن من المحظوظات في بلد يمتص دماء أبنائه ومغتربيه من دون أن يقدم لهم شيئاً.



حرص منظمو الحفلة على أن يكون كل شيء بالنكهة اللبنانية، أزياء الراقصين والمتنافسات على اللقب، المشروبات الموجودة على الطاولات، النبيذ والويسكي، كلها لبنانية الصنع، وكانت هناك كلمة لريما فقيه، ملكة جمال الولايات المتحدة من أصل لبناني.

يمكن الحديث طويلاً عن حفلات انتخاب ملكات الجمال، من ناحية تسليع المرأة وتقييمها بحسب منحنيات جسدها وتسريحة شعرها ومدى استحقاقها لارتداء ثوب صممه جورج حبيقة، وليس بحسب ما تمتلكه من معرفة وثقافة ومن قدرة على الريادة في المجتمع وما تستطيع تقديمه كامرأة للقضايا التي تحملها. بالإمكان أيضاً انتقاد الطريقة التي يتم عرض الفتيات بها، وإلزامهن بحركات معينة بعيدة من حركاتهن العفوية الحقيقية، وفي الوقت نفسه انتقاد مفاهيم الجمال التي تحاول هكذا مسابقات أن تثبتها.

لكن الوقت الآن قد لا يكون مناسباً لذلك، لأن الحفلة ليس حفلة انتخاب ملكة جمال لبنان بالنسبة للمنظمين، بقدر ما هي محاولة لإعادة بث الحياة في ما ينظر إليه البعض على أنه لبنان الجمال والفرح والمهرجانات والثقافة. وهو ما بدا واضحاً في كلمات المرشحات إلى اللقب. حفلة يراد منها الدعوة إلى مقاومة الانهيار، إلى إيجاد ثغرة في حائط مسدود من اليأس.

بالإضافة إلى لبنانية كل شيء، بعيداً من الطابع الغربي الذي أخذته في السابق كل الاحتفالات المشابهة، حاول القائمون على الحفلة إضفاء طابع من الوحدة الوطنية، تجلى في اختيار فتيات من مختلف المناطق اللبنانية، وحتى من مختلف الطوائف، من بسكنتا والقبيات وجونيه، إلى بيروت وصيدا والشوف وصولاً إلى الجنوب، صيدا، دير الزهراني، كفرشوبا وصور حيث كان وجود الفتيات الجنوبيات بارزاً، خصوصاً بعد الانتقادات العديدة التي وجهها سابقاً، جنوبيون لفوز إحدى بناتهن، ريما فقيه، بلقب ملكة جمال أميركا.

العديد من الفتيات، عبر ظهورهن في حفلة انتخاب ملكة جمال لبنان، تحدين البيئة المحافظة التي أتين منها، والتي لا تتقبل هكذا مسابقات لأسباب مفهومة، نتقبلها بغض النظر عن رأينا فيها إيماناً بحرية كل فرد واحتراماً لعادات وتقاليد المجتمع، طالما أنها لا تحد من قدرة الأفراد على الاختيار والعيش بحرية. تجر الفتيات خلفهن سنوات من التقييد والسلطة على أجسادهن، يخرجن على المسرح باحثات عن تقبل الآخرين لخياراتهن ولحريتهن.

وكانت دلال حب الله، ابنة مدينة صور، الفخورة بمدينتها ومجتمعها، من أبرز المرشحات الجنوبيات. تقول دلال، ذات البشرة السمراء، أن التنمر في صلب القضايا التي ستحملها في حال تم انتخابها، ونشر ثقافة الاختلاف كأحد أوجه الجمال بلا شك، في مجتمع لبناني مشهور بعنصريته ضد كل ما هو غريب، سواء ضد اللاجئ السوري أو الفلسطيني أو ضد العاملات الأجنبيات. ولن تكون دلال استثناءً بالنسبة لمجتمع خبز يومه التنمر. وبينما تتجول بين الطاولات في حفلة انتخاب ملكة جمال لبنان، لا شك ستسمع تعبيراً عنصرياً قالته سيدة (عن غير قصد؟) هنا، وتشجيعاً هناك.


(من اليسار: مايا أبو الحسن، جاسنتا راشد، لارا الهراوي، دلال حب الله، وياسمينة زيتون -غيتي)

أسئلة تافهة للجنة التحكيم، صعبة في بعض الأحيان، تجيب عنها بسذاجة فتيات لم يختبرن الوقوف على المسرح أمام عيون الكاميرات، بقدر ما أوتين من القدرة على استجماع أفكارهن. وإجابةً على سؤال وجهته مقدمة الحفلة لآغاثا صيفي، حول ما ستطلبه من رئيس الجمهورية المقبل، أجابت أغاثا، الزواج المدني، لأنه يعزز الميزانية المصرفية. لا شك أن الأمور اختلطت على أغاثا وارتبكت، ما لم تعرفه أن بانتظارها شعب بأكمله خبز يومه التنمر وسيجلدها من دون كلل.

أما الفضيحة فكانت في السؤال الموحد للفتيات الخمس المتبقيات من أصل 17 متنافسة: "ما رأيك بحملة أهلا بهالطلة" التي أقامتها وزارة السياحة مؤخراً. يحمل السؤال الكثير من التفاهة والسذاجة ولا تملك عليه الفتيات سوى إجابة واحدة وهي "حملة جميلة"، لن تقول إحداهن أن على الدولة قبل الترحيب بالمغتربين، أن ترد لهم أموالهم المسروقة في المصارف، وأن تهتم بأهاليهم العالقين في لبنان في ظروف صعبة، ثم أن تؤمن للمغتربين الآتين من بلاد بعيدة، مستلزمات قضاء العطلة في لبنان، من كهرباء ومياه وخدمات وأمن.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها