الأحد 2022/07/24

آخر تحديث: 15:19 (بيروت)

"لعنة الأسد" تضرب ألمانيا: ما أكثر الشامِتين

الأحد 2022/07/24 عدنان نعوف
"لعنة الأسد" تضرب ألمانيا: ما أكثر الشامِتين
من تظاهرة في ألمانيا نفذها سوريون وأوكرانيون لرفض الحرب الروسية على أوكرانيا (غيتي)
increase حجم الخط decrease
" إغسِلْ هذه المناطق الأربع فقط، إذا كنت تريد أن تغيظ بوتين". تناقلَ مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي هذا الملصق باللغة الألمانية بما تضمّنه من دعوة لغسل أجزاء محددة من الجسم أثناء الاستحمام بهدف توفير المياه الساخنة، وبالتالي تقليل الحاجة إلى الغاز.
تغيب أي إشارة لجِهَة ناشرة تقف خلف الملصق، بينما يُجمِع معلقون على غرابة توصيات كهذه في حال كانت جدّية. حتّى أنّ بعضهم لا يتوانى عن وصفها بـ "الأخبار القادمة من مشفى المجانين"! فهل هي توجيهات حقيقيّة مخصصة لتوعية الأطفال مثلاً؟ وهل يُفهَمُ منها أن أزمات ألمانيا ستطول لسنوات أو أجيال؟ هل فبرك موالون لروسيا الصورة بهدف زعزعة ثقة الرأي العام الألماني بحكومته وإدارتها لتداعيات غزو أوكرانيا؟

يَصعُب التحقق من المصادر والخلفيات، ويَسهُلُ التأثر بالخلاصات النهائية في ظل حرب إعلامية بين الغرب وروسيا تستخدم المحللين والمنصات الترفيهية وغيرها من الأدوات. لكن أياً كان منشأ هذا الابتذال، فإنّ الأكيد هو وجود دعايتين سياسيّتين تتصارعان في ألمانيا وتقسمان المتابعين إلى مؤيدين للعقوبات على روسيا ومعارضين لها، والأهم هو وجود سياق عام يُحمّل المواطنين جزءاً من أعباء نقص إمدادات الغاز والتي تتجاوز موضوع التدفئة إلى قطاعات الطاقة والصناعة. 

وبرَزت معالم التوجّه نحو التأكيد على المسؤولية الشخصية من خلال تصريحات وزير الاقتصاد الألماني روبيرت هابيك، قبل أسابيع حين حذّر من شتاء بارد قادم، مؤكداً ضرورة الاستعداد للأسوأ، ومُقدِّماً نفسه كمثال يحتذى في توفير الطاقة، واتّباع عادات معينة بينها" تقليل الوقت المخصص للاستحمام" حسب قوله.

وتمثّل تصريحات هابيك جانباً بسيطاً من ضخٍّ إعلاميّ واسع يتضمّن توجيهات رسميّة وغير رسميّة وتحليلات توصي بتقليل فترات الإنارة للمباني الحكومية، وتتوقّع تحديداً لدرجة الحرارة المسموح بها شتاءً للمنازل، وتدعو لتقديم إعانات ماليّة إضافيّة للسكّان في ظل التوقّعات بتضاعف فواتير الغاز.

وشكّلت أزمات أوروبا أخيراً محور اهتمام كثير من العرب وخصوصاً السوريين الذين كانوا أصحاب الحصة الأكبر من المتابعة ونقل المعلومات والشائعات. ويعود ذلك لعدة عوامل منها التجربة السورية المريرة والقديمة مع ضبط استهلاك مستلزمات الحياة، وخفض الاحتياجات من كهرباء ووقود. 

وهناك عامل آخر يتمثل باهتمام أهل الداخل السوري وأهل الخارج في بلاد اللجوء برصد أحوال بعضهم البعض إما رغبة بتخفيف المعاناة، أو لعقد مقارنات بين أبناء بلد واحد فرزوا أنفسهم تبعاً لقرارات السفر والبقاء في مجموعتين: أصحاب الخيار الصحيح وأصحاب الخيار الخاطئ. وبناءً على هذا الفرز العاطفي غير المعلن، أصبح القياس الدائم لمظاهر الحياة حاجةً لا غنى عنها لشريحة واسعة تتنازعها أهواء التنافس والتعويض من جهة، والتضامن والدعم المعنوي والمادي من جهة أخرى.

وبالنظر إلى التراكمات النفسية لدى السوريين إزاء موضوع التقنين، فقد حوّلوا أي خبر ألماني جديد بهذا الشأن إلى مادة سخرية ركزت غالباً على "استحالة اجتماع الإنسان السوري وموارد الطاقة في مكان واحد"، و"احتمال نقل التجربة السورية كاملة إلى ألمانيا من تحديد ساعات القطع إلى استخدام البطاقة الذكية". وعكست تعليقات كثيرة مشاعر الشماتة والتشفي بـ "مغتربين كانوا يتباهون بتوفر كل شيء. واليوم تحققت عدالة السماء بدخولهم مرحلة الأزمات" على حد تعبير أحدهم.

ونتيجة لتحوّل الحدث الألماني إلى جزء من تجاذبات سوريّة، كان من الطبيعي والمتوقع أن يستغّل مؤّيدو نظام الأسد الموقف لإشاعة حالة رضا لدى سوريّي الداخل عبر تمرير فكرة مفادها أنّ "البلدان المتقدّمة لديها أزمات مشابهة رغم أنها لا تعاني من حرب وحصار"، وبالتالي فعلى السوري أن يستنتج أنّ ما يعيشه هو ظروف عادية!.
وجاءت الفرصة لإيصال الرسالة السياسية تلك بمجرد انتشار صورة إشعار قيل إنه من أحد ملّاك البيوت في ألمانيا يُخطر فيه القاطنين بتحديد ساعات تدفق الماء الساخن. وكان لافتاً أن صفحات وحسابات حوّلت الإشعار إلى" قرار حكومي ألماني يقضي بتطبيق تقنين يومي" دون تدقيق أو توضيح طبيعته (هل يخص الماء، الكهرباء، الغاز؟). 

لكن المفارقة أن ناطقين باسم محور الممانعة وظفوا الموقف لصالحهم أيضاً، إذ لم يقتصر الأمر على عزف سيمفونية "لعنة الأسد التي تحلّ على كلّ من يعادي سوريا"، وإنما تعدّاه إلى الترويج للعِبرة الأشمل: "خيبة من يسير خلف الولايات المتحدة الأميركية" والمقصود أوروبا طبعاً.

وإلى جانب الممانعين، ظهرَ هذه المرّة معلقون من مصر والخليج العربي أدلو بدلوهم في أزمات ألمانيا من باب تمجيد "النصر الروسي". وهو تطوّر يستحقّ التوقف عنده كونه يؤشّر إلى اتساع دائرة مواجهة الغرب من منطلقات متعددة، والانتقال من مرحلة" مقاومة الاستكبار" إلى مرحلة "اللعب مع الكبار، ومقارعة الحضارة الغربية بعد أن فقدت بريقها إثر هزيمة الربيع العربي وانتصار الثورات المضادة".

إنها البداية ربما بالنسبة لأوضاع أوروبية مرشّحة للتدهور. خبر سيء تزيده سوءاً حقيقة أن القارة العجوز تسقط بصفتها "النموذج" لتصبح المقارنة معها مبرّراً للأنظمة لسحق أبناء المنطقة العربية، وتجريدهم من أبسط احتياجاتهم بذريعة "واقع عالمي مأزوم اقتصادياً"، وبحجّة "حقوق وحريات مُزيّفة أنتجها الغرب ليتدخّل في علاقة المواطن بجسده، ويساومه على نظافته الشخصية".
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها