الأربعاء 2022/07/20

آخر تحديث: 22:00 (بيروت)

معادلة جديدة: مال إيران مقابل أموال الأراضي المحتلة؟

الأربعاء 2022/07/20 نور الهاشم
معادلة جديدة: مال إيران مقابل أموال الأراضي المحتلة؟
قضية المطران موسى الحاج على مسطرة تقسيمات الحرب اللبنانية
increase حجم الخط decrease
لا تمثل النقاشات والمواقف السياسية المتصلة بملف المطران موسى الحاج إلا جزءاً من سياقات الحرب اللبنانية التي لم تنتهِ بسكوت أصوات المدافع، وتُستعاد عند كل منعطف، مرة بالصراعات الداخلية، وأخرى بالتقسيمات وصعود الخطاب الانعزالي، وأخيراً في سياق التمويل ضمن معادلة بدت واضحة: المال الآتي من ايران، يقابله مال آتٍ من الأراضي المحتلة.
 
والمعادلة الجديدة، يلمح اليها، إعلامياً على الأقل، مؤيدون لأحزاب مسيحية، في معرض الرد على مؤيدين لمحور الممانعة أيدوا الاجراء القضائي الذي اتخذه مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بالإنابة، القاضي فادي عقيقي، لجهة استدعاء المطران القادم من الأراضي المحتلة، والتحقيق معه لإيضاح مصدر الأموال التي يحملها، ووجهتها، وتبلغ قيمتها 460 ألف دولار، الى جانب أدوية ومساعدات غذائية مكتوب عليها باللغة العبرية. 

كانت الوزيرة السابقة مي شدياق، ـبرز من وضعوا هذه المعادلة، التي يُفهم منها "التوازن في التمويل"، و"كما أنتم كذلك غيركم"، بقولها: "دعم هؤلاء (الفارين الى اسرائيل في العام 2000) أهلهم في لبنان بالمال والدواء، ليس ذنباً، إنما إدانتهم كلائحة عملاء وتوقيف المطران موسى الحاج هو الذنب! التهريب يحصل من سوريا وإيران. بكركي خط أحمر".
 

ويتوسع النقاش الى مقاربة ملف "القرض الحسن" بملف المساعدات القادمة من اسرائيل، رغم أنه لا صلة بين الملفين من الناحية الوظيفية، وتقتصر المقاربة على الهوية السياسية للمال المتدفق الى البلاد، وكأن هناك مقايضة ضمنية بين المال الإيراني، كخيار شبه وحيد لحزب الله، في مقابل مال من أي طرف، بمن فيهم القاطنون في الأراضي المحتلة، كخيار أخير للقوى المعارضة للحزب. 


والحال إن الملف المتصل بهذا التوازن المالي المطروح ضمناً، المربوط حكماً بتوازن الهوية السياسية لهذا المال، يشبه الى حد بعيد تجربة تدفق المال والسلاح بين الأطراف المتحاربة في الحرب اللبنانية، من كل الجهات، بما فيها اسرائيل. وبررت الأحزاب المسيحية تلك التجربة آنذاك، بوصفها "الخيار الأخير لمواجهة الحصار بهدف الدفاع الوجودي"، في مواجهة ما كان يمثله الوجود الفلسطيني لـ"خطر كياني" في تلك المرحلة، حسبما يقول المسيحيون، وذلك بعد مساعدة سورية لحزب "الكتائب" في المرحلة الأولى من الحرب التي سبقت توقيع مصر لاتفاقية السلام مع اسرائيل، والذي كان (جيش النظام السوري) آنذاك رأس حربة قوات الردع العربية التي دخلت الى لبنان لمؤازرة المسيحيين بطلب من الرئيس الراحل سليمان فرنجية.
 

ولا تعد هذه المقايضة المطروحة بتبرير متصل بالأزمة الانسانية، إلا جانباً من سياقات الحرب اللبنانية وانقساماتها التي تم احياؤها بعد الأزمة المالية والاقتصادية والمعيشية التي تضرب لبنان. تتحدث الخطابات السياسية عن تقسيم مقنّع، ليس آخره ما طرح حول بلدية بيروت، رغم الشعارات التجميلية التي تحملها المقترحات، وتعرضت لرفض إسلامي عام من مختلف القوى السياسية التي تمثل المسلمين..

وتنسحب أدبيات الحرب اللبنانية على مختلف الاستحقاقات والأحداث، من واقعة الطيونة في تشرين الأول الماضي، الى ما سبقها من تعدي عناصر مؤيدين لـ"القوات اللبنانية" على مؤيدين لأحزاب يسارية، في ذكرى إحياء السنوية الأولى لانفجار مرفأ بيروت، وذلك بعد دخولهم الى الجميزة، وما سبق ذلك من شعارات رفعت في انتخابات الجامعة اليسوعية في الأشرفية، وغيرها من الأحداث التي تلتقي مع تصاعد الخطاب التقسيمي، على سبيل مواجهة الأزمة، مثل رفع شعار اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة، إلى فدرلة لبنان، وصولاً الى المقاربات المتعلقة بهوية ضحايا مرفأ بيروت المذهبية وطائفة المناطق المدمرة... 


تجري الأحداث، وتُعالج، على تقسيمات الحرب اللبنانية. تجد القوى السياسية المسيحية نفسها في موقف المزاودة، على سبيل الاضطرار، لمحاكاة تغير في المزاج الشعبي المسيحي. ويظهر ذلك واقعاً في تقسيمات قانون الانتخاب وشعارات خوض الانتخابات على أساسه، مروراً بالمزاودة على مواقف البطريرك الماروني بشارة الراعي الحيادية. وليست الاندفاعة المسيحية لتصعيد الخطاب الهوياتي والمناطقي، إلا سياقاً آخر من سياقات المرحلة الأخيرة من الحرب، المعروفة باسم "حرب الإلغاء" بين التيار العَوني و"القوات اللبنانية"، وهو ما يبرر، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، الانشقاق عن القوى الإسلامية، مثل "تيار المستقبل"، وإدانة العلاقات المتواصلة بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله"، ووصم التيار من قبل خصومه بـ"الذمية". 

ما ورد في مواقف اليوم، رفضاً لاستدعاء المطران والقول إنه "لن يمر"، لا ينفصل عن مجمل الوقائع التي تستدرج توازناً في التمويل والتحالفات، بوصفها "ملاذاً أخيراً" في مقابل ملاذ الطوائف الأخرى برُعاتها الإقليميين والدوليين.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها