الثلاثاء 2022/07/12

آخر تحديث: 14:51 (بيروت)

"شرف": عيادات سرية لترميم البكارة.. وتكريس للذكورية

الثلاثاء 2022/07/12 نور عويتي
"شرف": عيادات سرية لترميم البكارة.. وتكريس للذكورية
تؤدي أمل عرفة دور "آسيا" التي تعمل ممرضة في عيادة نسائية
increase حجم الخط decrease
لطالما كانت الدراما السورية بعيدة من واقع المرأة السورية، تتناول قضايا المرأة ومشاكلها بطريقة ذكورية، لتكرس مفاهيم بالية تشجع على كراهية النساء والتقليل من شأنهن ولا تبالي بتعنيفهن. 

هذه هو العرف السائد في الدراما السورية، الذي لم تشُذ عنه سوى تجارب معدودة قدمتها كاتبات مسلسلات أنتجت قبل اندلاع الثورة السورية أو في أعوامها الأولى، حاولن فيها كسر الصورة النمطية التي اعتاد المشاهدون رؤيتها في الشخصيات النسائية في الدراما السورية، ليناقشن قضايا المرأة بشكل جاد، كما فعلت ريم مشهدي في مسلسلي "تخت شرقي" و"قلم حمرة"، والكاتبة دلع الرحبي في مسلسل "عصي الدمع". لكن هذه المحاولات الفردية انقطعت تماماً منذ أعوام، وزال أثرها سريعاً. 

اليوم تعود قضايا المرأة إلى الواجهة في الدراما السورية، لكنها تعود هذه المرة فاقدةً للحساسية الفنية والفكرية، لتلبي احتياجات سوق الإنتاج ليس إلا، فالهدف منها مجاراة المنصات العالمية التي تدعم وتشجع هذا النوع من الدراما، وكأن الأمر مجرد تريند لا أكثر.

فقدان الحساسية تجاه قضايا المرأة، يجعل المشاهد اليوم يشاهد عملاَ درامياً يسلط الضوء على جرائم الشرف، لكنه لا يعترف بوجودها على أرض الواقع، وإنما يدعي أنها حالة متخيلة من النادر حدوثها؛ كما هو الحال في مسلسل "شرف"، الذي عرض مؤخراً على منصة "وياك"، ويحرص صنّاعه على التنويه بأمرين قبل بدء حلقاته: أن المسلسل للكبار فقط (+18)، وأن أحداث العمل لا تمت للواقع السوري بصِلة: "هذا العمل يعبّر عن حالات خاصة جداً موجودة في الكثير من بلدان العالم الثالث، المكان واللهجة السورية للضرورة الدرامية فقط"!


مسلسل" شرف" من تأليف ديانا جبور، وإخراج ابنها مجيد الخطيب، ويؤدي أدوار بطولته كل من أمل عرفة، وصباح الجزائري، ودوجان عيسى، ووائل رمضان، وفراس ابراهيم وجوان خضر، وكان من المفترض أن يعرض في الموسم الرمضاني الفائت، إلا أن الشركة المنتجة أجّلت عرضه، وعادت بعد رمضان لتبرر ذلك بتصريحات مثيرة للجدل، إذ ادعت أن سبب عدم عرض العمل في رمضان هو محتواه الجريء والصادم، على الرغم من أن العمل لا يبتعد كثيراً بفكرته عما تم طرحه من أفكار في مسلسلات الموسم الرمضاني الفائت. فمسلسل "مع وقف التنفيذ" يبدأ أيضاً بمشهد جريمة شرف.

لكن أسوأ ما في هذه التصريحات أنها تتعاطى مع قضايا المرأة على أنها لا تناسب حرمة رمضان وأنها تخدش الحياء العام! وذلك يجعلنا نتساءل: كيف لعمل يدعي بأنه يهدف لتكسير التابو أن يكون الإعلان مكرساً للتابو ذاته؟

توقيت عرض المسلسل جاء في وقت حساس للغاية، إذ تزامن مع غضب الشارع العربي عقب الحوداث الأليمة المتتالية لقتل النساء في بلدان مختلفة، منهن الطالبة نيرة أشرف والمذيعة شيماء جمال  في مصر، والطالبة إيمان أرشيد في الأردن؛ لتغزو مواقع التواصل الاجتماعي مطالب نسوية بإضراب نسوي عابر للحدود احتجاجاً ورفضاً للجرائم ضد المرأة. 

استثمر مخرج مسلسل "شرف" هذه الحالة، ليصرح بأنه خلال كتابة العمل، غيّر الخط الدرامي وعدّل نهايته ليحاكي قصة آيات الرفاعي؛ السورية التي وقعت ضحيةً للعنف الأسري وضجّ الشارع السوري بقصتها في بداية العام، وارتفعت أصوات الناس لتطالب بمحاسبة القتلة. 

فعلياً لا حكاية المسلسل تشابه حكاية آيات الرفاعي، لا من قريب ولا من بعيد؛ ليبدو أن ذِكر اسمها هو مجرد ترويج رخيص للعمل.

يتألف المسلسل من عشر حلقات، وهو يروي قصة "آسيا" (أمل عرفة) التي تعمل كممرضة في عيادة نسائية، ووالدتها (صباح الجزائري) التي تعمل داية، بالإضافة الى قصص العائلات التي تتوافد إليها من أجل إجراء فحوص كشف العذرية، التي تؤدي إلى ذبح الفتيات أمام عيونهما في حال تبين أنهن لسن عذراوات. 

وتبدأ الحكاية عندما تتمرد "آسيا" على والدتها، وتكذب لحماية إحدى الفتيات، وتبدأ بعدها العمل بالسر لمساعدة الفتيات ليعُدن عذراوات ولتخليصهن من الحَمل غير المرغوب فيه، وذلك من خلال إنشاء عيادة سرية بمساعدة صديقها "صارم" (جوان خضر).

المشكلة أن المسلسل يتعاطى مع هذه الحالة بجدلية، وكأن القضية تحتمل التأويل ولا نعرف من المحق فيها. والأسوأ أن "آسيا" نفسها تدين كل الفتيات اللواتي فقدن عذريتهن، وأنها تقوم بهذا العمل من أجل جمع المال بالدرجة الأولى، بالإضافة الى إشفاقها عليهن من القتل؛ ليتم تكريس الأفكار السائدة في المجتمعات الأبوية في كل مشهد تطلب فيه امرأة إجراء عملية لترميم غشاء البكارة. 

كما أن العمل يصور البطل الخير والقدوة في شخصية "صارم" الذي تجمعه علاقة حب مع  فتاة قاصر بعمر 17 سنة ويقيم معها علاقة جنسية وتحمل منه، من دون أي ردّ فعل سلبي في سياق العمل اتجاه هذه العلاقة! فالمسلسل يسوّق أن الزواج من القاصرات هو أمر مقبول ومشروع ويكرس الفكر السائد الذي يعتبر أن ممارسة الجنس خارج إطار الزواج هو خطأ تقع مسؤوليته على الفتاة وحدها.

ومن ناحية أخرى، يُسقط العمل دور القانون في ما تعانيه المرأة ويغيبه بشكل نهائي، فالدولة هي من تشرّع وتسمح بإجراء كشوف العذرية وتبادر هي لاستخدامها في سجون النساء، إضافةً إلى أن القانون السوري يجرّم الإجهاض؛ الأمر الذي يفتح الباب أمام آلالف العيادات السرية التي تجري الإجهاض بشكل غير آمن، ناهيك عن عدم وضع قوانين تردع مرتكبي جرائم الشرف. ففي المسلسل تتم الإشارة إلى القوانين السائدة بوصفها الضامن لتحقيق العدالة وأنها الأمر المنشود الذي يجب أن نسعى لتحقيقه!
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها