الثلاثاء 2022/06/07

آخر تحديث: 13:46 (بيروت)

"إلا رسول الله": أزمة الإسلام في شعاراته

الثلاثاء 2022/06/07 وليد بركسية
"إلا رسول الله": أزمة الإسلام في شعاراته
مسلمون في الهند (غيتي)
increase حجم الخط decrease
لا يمكن القول تماماً أن حملة "إلا رسول الله" عادت لتصدر مواقع التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط، لأنها لم تختف يوماً بل كانت دائماً حاضرة بدرجات متفاوتة خلال العقد الماضي مع تصويب سهامها على من يجرؤ على نقد الإسلام بكلمة، من صحافيين وناشطين وشخصيات عامة في المنطقة، أو على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بسبب دعمه لصحيفة "شارلي إيبدو" التي أعادت نشر رسوم كاريكاتورية للنبي محمد مرات، قبل أن تتركز في الأيام القليلة الماضية على حزب "بهاراتيا جاناتا" الحاكم في الهند والذي يتزعمه رئيس الوزراء ناريندرا مودي، بسبب تغريدة لسياسي في الحزب تحدث عن زواج النبي محمد من "الطفلة عائشة".

وبغض النظر عن شعبوية الحزب اليميني المتطرف في الهند الذي تتهمه منظمات حقوقية مثل "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية "أمنستي" بالتساهل مع خطاب الكراهية ضد المسلمين في البلاد، ما يقود إلى هجمات ممنهجة عليهم من قبل متطرفين هندوس، فإن الرد الذي تقدمه الحملة لا ينظر إلى تلك الانتهاكات بقدر ما يقدم نظيراً لها في مستوى العنف على الأقل، حيث انتشرت صور كاريكاتورية لرؤوس يفترض أنها لهنود، قطعت بالسيوف مع أحاديث نبوية تقول "من سبّ نبياً فاقتلوه"، إلى جانب تغريدات من أشخاص من جنسيات عربية مختلفة قالوا أنهم طردوا العمال الهنود الذين يعملون لديهم في وظائف مختلفة احتجاجاً على السياسات الهندية، رغم أن أولئك المساكين لا علاقة لهم بالقضية من قريب أو من بعيد، إلى جانب أنهم يتعرضون لانتهاكات حقوقية ممنهجة في دول خليجية حسبما أشارت المنظمات الحقوقية مراراً، خصوصاً ما يتعلق بعمال البناء.


بدأت القضية، مطلع الشهر الجاري، عندما نشر المتحدث باسم حزب "بهاراتيا جاناتا"، نافين جيندال، تغريدة عبر حسابه الشخصي في "تويتر" متسائلاً عن سبب زواج النبي محمد بزوجته عائشة التي لم تبلغ العشر سنوات حينها، حسبما تذكر كتب التراث الإسلامي المختلفة، ما اعتُبر على نطاق واسع "تجاوزاً للخطوط الحُمر". ولم يصل الأمر إلى حد إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية، مثلما كان سائداً قبل سنوات، مع تحرك جهات إسلامية مختلفة من بينها الأزهر ووزارات خارجية دول إسلامية للتنديد والإدانة، فيما نشرت صفحة "الهيئة العالمية لنصرة نبي الإسلام" تغريدة قالت فيها: "المتحدث باسم الحزب الحاكم في الهند بهاراتيا جاناتا يسب رسول الله ... فهل من رادع له؟" داعية المسلمين إلى التدوين "نصرةً للنبي".

المخيف هنا أمران، الأول شعور المتدينين باهتزاز في مشاعرهم عند سماع آراء مختلفة من قِبل أشخاص لا يمتلكون المقدسات نفسها، والثاني أن الخط الأحمر الذي كانت المؤسسات الإسلامية تحدد به متى يشعر المسلم بالإهانة، بات يتخطى الرسوم الكاريكاتورية والروايات الأدبية والمقالات الصحافية والأفلام السينمائية ومسلسلات "نتفليكس"، إلى مجرد طرح أفراد لأسئلة لا إجابات لها في الواقع.

وفي ما يتعلق الحدث اليوم بالهند، فإن الأسوأ من ناحية الحريات هو أن تلك الحملة ونظيراتها تحد من حرية الأفراد في دول المنطقة عن ممارسة بديهيات مثل اختيار العقيدة التي يريدون اتباعها حتى لو كانت عدم اتباع أي عقيدة أساساً. وعلى أساس أسبوعي تنتشر أخبار عن اعتقالات لأفراد بتهم ازدراء الأديان في دولة من دول المنطقة، كمدونة تونسية أعادت نشر نصوص أدبية تحاكي القرآن أو لأفراد مصريين أفطروا جهراً في رمضان أو لأنهم بكل بساطة أعلنوا أنهم لم يعودوا يؤمنون بالإسلام أو خالفوا المتعارف عليه إسلامياً، ويعزز ذلك حقيقة أن دساتير وقوانين الدول العربية عموماً مستمدة من الإسلام كمصدر وحيد للتشريع.

وسواء كان الحدث محلياً أو دولياً، يرفع المحتجون شعار "ازدراء الأديان" كتهمة جاهزة ضد من يطرح الأسئلة بخصوص التراث الديني، وهو بحد ذاته أمر يحتاج إلى نقاش معمق، ليس لأن تلك التهمة الجاهزة تحرم طرح الأسئلة التي تخص الدين فقط، بل لكونها تبرز التناقض في العقلية الإسلامية الراديكالية التي تنظر إلى الأديان الأخرى، خصوصاً غير "السماوية"، كالهندوسية والبوذية، على أنها زندقة وهرطقة، ما يرتقي إلى مستوى الازدراء الفعلي لكونه يحاكم قناعات الأفراد وخياراتهم الشخصية، بناء على قناعات شخصية مضادة فقط تضع أصحابها فوق بقية البشر.


ولعل حملة المناصرة بشكلها الحالي تجيب عن أسئلة كثيرة تطرح أكاديمياً حول منابع التطرف في المنطقة التي قدمت للعالم نماذج "مبهرة" من الإسلام الراديكالي مثل تنظيمات "القاعدة" و"داعش" من دون أن تثير حفيظة المؤسسات الدينية الكبرى في المنطقة كـ"الأزهر" الذي رفض مراراً وتكراراً تكفيرها لأن الدموية التي طبقتها لم تكن مجرد اجتهادات شخصية أو عنفاً مجانياً، بل كانت تطبيقاً للنصوص الدينية بحرفيتها، كما صرّح سابقاً.

ويعني ذلك أن الأبحاث التاريخية التي تخص الإسلام والفكر الديني، على قلّتها، تبقى مغيبة وبعيدة عن التداول، لتظل حبيسة زوايا الإنترنت هنا وهناك، كما أن تهم ازدراء الأديان والكفر تلاحق كل من يتجرأ على الحديث علناً عن قناعات مختلفة، فيما يتحكم "العلماء" بالسردية الدينية، والمقصود بالكلمة هم الشيوخ والفقهاء في المؤسسات الدينية ممن يعملون عموماً بالتنسيق مع السلطات في الدول العربية بشكل لا يخفى على أحد، ولا يختلف الحال بين دول تدعي المدنيّة كسوريا ومصر، أو دول دينية كالسعودية. أما الشيوخ المعارضون فهم عموماً سلفيون يقدمون خطاباً أكثر صرامة ورجعية.

ومن المروع حقاً أن الشيوخ ورجال الدين ممن يضخون خطاب الكراهية على أساس يومي في القرن الحادي والعشرين، ما زالوا يحملون لقب "العلماء" ضمن الثقافة الشعبية، وكأن الكلمة بحد ذاتها تشكل السخرية المطلقة من الوعي والتفكير كخصائص إنسانية يجب أن تكون متفوقة على الغيبية الدينية التي يقول مفكرون أنها باتت عائقاً أمام التطور البشري بعدما كانت في يوم من الأيام عاملاً دافعاً للحضارة الإنسانية.

ووسط ذلك كله، فإن الغضب الإسلامي المتكرر تجاه أي حدث يمس النبي محمد تحديداً بوصفه شخصية مثيرة للجدل عندما ينظر إليها بعيداً من هالتها القدسية، يصبح طبيعياً بسبب نقص المعلومات وتحريم النقاش. وفيما لا يملك المسلمون الغاضبون إجابات عن أسئلة منطقية تخص أساس عقيدتهم التي تختصر سبب وجودهم، وفق المنطق الإسلامي، وبالتالي فإن الغضب والعنف يشكلان ردّ الفعل الوحيد المتاح الذي تستثمره دكتاتوريات المنطقة عموماً من أجل تكريس شرعيتها كسلطات تقول عموماً أنها تمثل الإسلام وتحميه.

ولا يختلف الأمر مهما كان السؤال المطروح، مثل زيجات النبي محمد المختلفة، بما في ذلك من عائشة، أو عدم تحريم العبودية، أو قصة "الغرانيق" التي ذكرتها كتب التراث الإسلامي واقتبس منها الكاتب البريطاني سلمان رشدي عنوان روايته "آيات شيطانية" التي طرحت أسئلة حول التراث الإسلامي لا إجابة لها سوى بتحريم الحديث عنها أو تصدير الإرهاب والدعوات للقتل وفتاوى سفك الدم.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها