الخميس 2022/06/23

آخر تحديث: 13:49 (بيروت)

أنس جابر...لعبت مع سيرينا ويليامز ولم يحتفِ بها العرب!

الخميس 2022/06/23 وليد بركسية
أنس جابر...لعبت مع سيرينا ويليامز ولم يحتفِ بها العرب!
في المقابل احتفل الجميع بمحمد صلاح.. لكن ليس لأن كرة القدم أكثر شعبية من التنس (غيتي)
increase حجم الخط decrease
طوال الأسبوع الماضي، ضجت وسائل الإعلام ومواقع التواصل، بأخبار السبّاح التونسي نجيب بلهادي الذي قطع مسافة 155 كيلومتراً سباحة من إيطاليا إلى تونس من دون توقف، وهو الرجل البالغ من العمر 70 عاماً. إنجاز مبهر حقاً، لو كان حقيقياً، بعدما تبين أن القصة ملفقة ولا تتعدى كونها خبراً مضللاً احتفت به حتى وزارة الرياضة التونسية لفترة محدودة قبل أن تتراجع أمام انكشاف حقيقة "أكبر كذبة في تاريخ الرياضة التونسية" حسب وصف البطل الأولمبي التونسي أسامة الملولي.


ولم يكن ممكناً تصفح "فايسبوك" أو "تويتر" لأيام من دون مشاهدة صورة أو فيديو أو تعليق يتحدث عن ذلك الإنجاز الزائف، بشكل غطى على إنجاز حقيقي حصل على أرض الواقع كانت بطلته لاعبة التنس التونسية أُنْس جابر التي ضمنت الوصول إلى التصنيف الثاني عالمياً بين اللاعبات المحترفات، وهو أفضل تصنيف تصل إليه لاعبة، ليس فقط في العالم العربي والشرق الأوسط، بل في أفريقيا كلها أيضاً، مع حصدها ألقاباً متعددة كان آخرها بطولة برلين المفتوحة للتنس الأسبوع الماضي.

وحالة جابر (27 عاماً) التي اختارتها أسطورة التنس العالمية سيرينا ويليامز للعب معها في فئة الزوجي في بطولة "إيستبورن" هذا الأسبوع، استعداداً لبطولة "ويمبلدون"، ليست مفاجئة تماماً لأن النساء في المنطقة العربية لا يكافحن فقط من أجل الحصول على فرص للبروز بل يعانين التهميش، حتى عندما يحققن إنجازات مهمة، محلياً أو على مستوى عالمي، ليس فقط في مجال الرياضة بل في مختلف المجالات المهنية. وتشكل حالة جابر، بوصفها رياضية عالمية تسلط عليها الأضواء في أكبر وسائل الإعلام الدولية يومياً، مثالاً مبهراً على التمييز الجندري السائد في الشرق الأوسط عموماً والذي تعانيه نساء في مجالات أكثر تخصصاً من الرياضة، كالصحافة وعلوم الفضاء والدراسات الطبية والإخراج السينمائي.

وتتعدد الأسباب التي تجعل القصة الزائفة عن السبّاح التونسي جذابة للجمهور العربي ضمن محددات الثقافة المجتمعية السائدة، فهو رجل أولاً واختار السباحة من الشواطئ الأوروبية إلى شواطئ بلاده ثانياً، في لعب على مفهوم الانتماء الوطني لبلد يعاني أزمة سياسة عميقة أصلاً وباتت فيه الديموقراطية الهشة الناشئة بعد الربيع العربي مهددة بفعل الديكتاتورية الصاعدة للرئيس قيس سعيد. والأكثر من ذلك كله أنه رجل طاعن في السن، ما يجعل قصته المختلقة جذابة لسببين اثنين، الأول هو التعاطف الإنساني مع الأكبر سناً بوصفهم أضعف جسدياً، والثاني هو التصنيف الطبقي الذي يجعل الأكبر سناً في الدوائر الاجتماعية أعلى شأناً ويجب احترامهم وتبجيلهم بوصفهم أشخاصاً وقورين طالما أنهم يلتزمون بالحدود المرسومة سلفاً لتصرفاتهم وقف أعمارهم، وإلا اتهموا بـ"التصابي"، وهي تهمة تلاحق النساء أكثر من الرجال عموماً.

أما جابر فتشكل نموذجاً للنساء المستقلات، وهي نقطة يركز عليها الإعلام العالمي عموماً، لكنها تضاف لأسباب تمنع الاحتفاء بها ضمن وسائل الإعلام العربية التي يطغى عليها الصوت المحافظ ويهيمن عليها الرجال. وفكرة الاستقلالية تبقى خطاً أحمر عند الحديث عن حريات النساء. فجابر تلعب رياضة فردية وتلبس الملابس القصيرة وتتحدث مع الرجال وتنخرط في نقاشات مع شخصيات من ثقافات أجنبية وتسافر وحيدة، كما أنها مستقلة مادياً وقوية اقتصادياً بسبب نجاحها المهني. وتلك الخصائص تبدو غير مريحة في دول ما زالت حتى اللحظة تقيد حرية النساء في السفر والعمل، ويطلب بعضها شروطاً قاسية مثل موافقة "المحرم" للقيام بتلك النشاطات البسيطة.

نجمة البوب الأميركية مادونا، قالت في خطاب مؤثر العام 2016، خلال حفلة جوائز "بيبلورد" السنوي، عن التمييز الجندري، أنه وفق المنطق الذكوري السائد لا يجب على المرأة فقط أن تكون على الصورة التي يريدها الرجال من حولها، بل يجب أيضاً أن تتصرف بطريقة مريحة للنساء وفق المنطق السائد، بمعنى ألا تشجع على التمرد ضد النظام البطريركي. وإن كان ذلك الحديث خاصاً بصناعة الموسيقى ومفهوم النجومية، إلا أنه قابل للتعميم نحو مجالات أخرى، خصوصاً تلك التي تحظى بمتابعة جماهيرية واسعة. وربما يشكل سبباً أساسياً في عدم الاحتفاء العربي اللازم بجابر، وإنجازاتها المختلفة، اليوم.


وحتى ضمن الرياضة نفسها، حظي لاعب كرة القدم المصري محمد صلاح مثلاً بتغطية غير عادية في العالم العربي بوصفه نجماً عالمياً. لكن المستوى نفسه لا ينسحب على جابر. ولا يعود السبب إلى أن شعبية كرة القدم أعلى من شعبية التنس. بل يعود لأسباب التمييز الجندري أولاً، والصفات التي يتم التركيز عليها في صلاح بوصفه "فخر العرب" ثانياً، ولا تملك جابر أياً منها. فهو ذَكَر مسلم يرفض شرب الكحول ويتبرع بأمواله كزكاة شرعية وينقل صورة مشرقة عن العرب إلى الغرب الكافر وزوجته محجبة وابنته تدعى مكة. وحتى لو لم يتعمد صلاح نقل تلك الصورة عن نفسه، لأنه حر في حياته الفردية الخاصة، إلا أن الصفات التي يتم التركيز عليها عند الحديث عنه إعلامياً وشعبياً كمُلهم لأجيال شابة من بعده، تتمحور حول القيم الاجتماعية وليس حول نجاحاته المهنية.

بعكس ذلك لم تتحول جابر إلى نموذج مُلهِم، سواء للرياضيين عموماً أو للفتيات خصوصاً، رغم أن لاعبات أقل شأنها منها بكثير، في دول أخرى حول العالم، شكّلن لمجرد مشاركتهن في رياضة جماهيرية مثل التنس، إلهاماً للاعبات أخريات حصلن على ألقاب كبرى بعد سنوات. تبرز هنا اللاعبة الصينية المعتزلة، لي نا، التي ألهمت جيلاً كاملاً في شرق آسيا ككل، ولاعبات من أفريقيا ودول صغيرة في أوروبا، تم تسليط الضوء عليهن في بلادهن كنموذج يقول للفتيات أن بإمكانهن النجاح في بيئة تنافسية صعبة حتى لو كن وحيدات من دون دعم، لأن رياضة التنس ليست ككرة القدم مثلاً من ناحية الاعتماد على الزملاء من أجل الفوز، بل هي أشبه بلعبة رومانية قديمة يموت الخاسر فيها بمعنى أنه يخرج من البطولة، فيما يحافظ المنتصر على حياته ليوم آخر يتنافس فيه من أجل البقاء حياً.


وحتى عند الحديث عن الجوانب التي يراها الجمهور سلبية عادة، يتم توجيه الانتقادات للنساء أكثر من الرجال حتى عندما يقمن بالفعل نفسه تماماً. فجابر تعاني مثلاً انتقادات محافظة بسبب ملابس التنس القصيرة وشعرها الذي لا يغطيه حجاب، وبالمقابل تشكل اللقطة التي يخلع فيها محمد صلاح قميصه في الملاعب ويكشف عن عضلات معدته المحددة وجسده الرجولي، اللحظة التي ينتظرها الجمهور من أجل التعليق الإيجابي على تفانيه الرياضي للوصول إلى جسد مثالي.

وحتى في ميادين مهنية أخرى كالتمثيل مثلاً، تعاني الممثلات وصمة عار أكبر مقارنة بالرجال، خصوصاً عند لعب أدوار توصف بالسلبية واللاأخلاقية، كفتاة ليل مثلاً، يتوسع إلى تقديم فكرة بأن الممثلات أنفسهن هن فتيات منحلات أخلاقياً في حياتهن الشخصية بعيداً من الكاميرا، وهو ما تحدثت عنه الممثلة السورية رنا أبيض في لقاء صحافي مؤخراً. وفي المقابل، فإن ممثلين مثل تيم حسن الذي جسد دوراً سلبياً كتاجر أسلحة ومهرّب في مسلسل "الهيبة" لا ينال الدرجة نفسها من الانتقادات سواء من الناحية المهنية أو في حياته الخاصة.

وهكذا فإن جابر التي تلعب دور البطولة في حياتها، من دون أن تكون ممثلة مساعدة في حياة رجل ما حولها، لا تشكل قصة محببة للإعلام العربي، إلا عند محاولة اللعب على رومانسية الانتماء للوطن وتصدير الخطاب القومي (Nationalism). علماً أن الميديا العربية كرست لعقود فكرة الدور الثانوي للمرأة حتى ضمن الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية التي يحظى فيها الرجال بالتقدير الأكبر، كما ينسحب الأمر على صناعة الموسيقى، وكلها مِهَن تشكل حالات موازية لجابر، لأن أصحابها من المشاهير الذين تسلط عليهم الأضواء.

وأبرز مثال على ذلك هو المغنية المغربية سميرة سعيد التي تعتبر الصوت الأكثر تجديداً في الموسيقى العربية منذ ثمانينيات القرن الماضي، من دون أن تحظى بالتقدير اللازم لما قامت به، مقارنة بمادونا في الموسيقى الأميركية على سبيل المثال، فتنال أسماء مغنين رجال، أبرزهم المصري عمرو دياب، احتراماً اجتماعياً واهتماماً إعلامياً أكبر على اعتبارهم الأكثر تجديداً وتأثيراً ومكانة، رغم أن ذلك ليس دقيقاً تماماً، لأن سعيد قدمت أنماطاً موسيقية أشمل بكثير من نظرائها الذكور في الفترة الزمنية نفسها. وهي نقطة مؤسفة تحدثت عنها سعيد بشكل نادر في برنامج "مراحل" في وقت سابق من العام الجاري.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها