الأربعاء 2022/06/22

آخر تحديث: 18:58 (بيروت)

كيف تصف لبنان لأصدقائك الأجانب؟

الأربعاء 2022/06/22 يارا نحلة
كيف تصف لبنان لأصدقائك الأجانب؟
من معرض "ذاكرة مدينة من ورق" للفنان ألفرد طرزي في هنغار "أمم" - حارة حريك - بيروت (غيتي)
increase حجم الخط decrease
أحتار كيف أُجيب حين يسألني صديقي التركي عما يشتهر به لبنان؟ أصفن طويلاً ولا يتبادر الى ذهني سوى الكليشيهات التي لا تعبّر فعلاً عن حال بلد، بل عن سردياته التي أضحت بائتة. عن ماذا أحدّثه؟ عن شجر الأرز، أم عن التمدّد الأحمق للإسمنت؟ هل أخبره عن انقطاع الكهرباء أم عن حفلات الدبكة في محطات البنزين؟ عن ديموقراطيتنا التي لا مثيل لها في العالم العربي، أم عن نظام الكفالة؟ أم عن برلمان يرأسه رجل واحد منذ الأزل أو إلى الأبد؟

ثمّ هناك المطبخ اللبناني، أكبر صحن حمص وأكبر جاط تبولة، فخرنا الوحيد ربما، إلى جانب زراعتنا الوطنية لنبتة غير شرعية. لكن لا، فلندع "كرش" الشعب اللبناني وكَيفَه جانباً، لا بدّ أن أجد شيئاً أعمق للحديث عنه. التسوّل مثلاً؟ يمكنني أن أخبره بأننا، كلما وجدنا أنفسنا في مأزق، نركض إلى "الدادي" الخليجي، أو خلافه، ونمدّ أيدينا متسولين. أو أننا ربّما البلد الوحيد الذي يتفاخر بضعفه؟ هل أخبره عن شعارنا الشهير "لبنان قوته بضعفه"؟ تستدعي هذه الحالة تحليلاً من فرويد نفسه. لا داعي لإرباك صديقي بمعضلات من هذا النوع.

أجد مهرباً من السؤال بالركون الى السخرية: "يشتهر لبنان بالشعب اللبناني وهذا صنف نادر من البشر،" أقول. يلتقط سخريتي، لكن ذلك لا يمنعه من طرح المزيد من الأسئلة. كيف؟ يسأل مطالباً بمزيد من الوصف. أسترجع في تلك اللحظة مشهداً أرى فيه مدخلاً مناسباً لفهم الحالة اللبنانية.. "ليبانون 101" أقول له، إذ أعرض له فيديو يظهر فرقة زفة تحتفل بافتتاح مركز تجميل فيما يظهر على بعد أمتار رجال من عراة الصدر يشعلون الإطارات احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية.

أثار هذا المشهد حشريته فبات يطالب بمعرفة المزيد عن بلد "الانهيار" والزفّات المتواصلة. أشرع في السرد، أنتقي أحداثاً ومشهديات عشوائية، وإن كان لا بدّ من ايجاد رابط مشترك بينها، فيمكنني القول بأن ما يجمعها هو سمة السوريالية. وكي لا نفتح علينا أبواب التراجيديا من قصص الحروب والانفجارات والمجازر، أرى أن الكوميديا السوداء هي الخيار الأنسب لتلخيص قصة لبنان كاملةً.

أقصّ عليه حكاية شعبٍ كان يستعبد عاملات أجنبيات لقاء 100 دولار في الشهر، إلى أن أصبح فجأةً عاجزاً عن تأمين هذه الدولارات المئة كمدخولٍ شهري. أصف له مشهد صديقتي في السكن، وهي تتلقى دروس اليوغا في البيت، وسط الضجيج وأصوات الشجار والرصاص المنبعث من محطات البنزين المحيطة بمنزلنا البيروتي. أخبره ماذا تمثّل مفردة "ديجونتير" في ثقافتنا. أخبره عن عشائي الأخير في بيروت، الذي تناولته في مطعم فاخر على ضوء الشمعة. ولتمرير قصة "سعيدة" بين الآونة والأخرى، أخبره عن مصادرة الشعب لشاحنات الوقود.

أخبره عن سياسي لبناني اسمه جبران باسيل، هو أكثر رجل مكروه في البلد لدرجة أن أجزاء حميمة من جسد أمّه كانت على كل شفةٍ ولسان، في وقت من الأوقات، من دون أن يعتريه أي شكل من أشكال الخزي والعار. أقول له أيضاً أن هذا الرجل ما زال نائباً ممثلاً عن الشعب.

في يوم من الأيام، أتاني الصديق معاتباً: "لماذا لم تقولي لي أنكم من وضعتم الأبجدية واكتشفتم اللون الأرجواني؟".. من المضحك أنه اضطر إلى الرجوع لأسلافنا الفينيقيين من أجل إيجاد إنجاز بجبر به خاطري. "آه أجل، وإبن بلدتي- حسن كامل الصباح- اخترع الكهرباء أيضاً"، أقول ممازحةً. بالفعل، هذا ما علّمونا إياه في مدرستي في النبطية. وبالعودة الى الجِدّ، أشرح له عن المكانة السياسية التي تحتلها أسطورة الهوية الفينيقة، وما يترتب عليها من صراعات هوياتية مرفقةً بشوفينية وعنصرية اتجاه من نتقاسم معهم الهوية العربية.

أجالس صديقة تركية أخرى تُعدّ رسالة الدكتوراه في الحقوق عن النظام الانتخابي اللبناني. تطلب مني بعض الإيضاحات حول نظام الطوائف، وآليات تقاسم السلطة بين الأفرقاء الكثر. وفي كلّ مرّة أعطيها إجابةً على سؤال ما، أراها تقطّب حاجبيها محتجةً: "لكن هذا ليس منطقياً!"، فأقول لها إنها جَنَت على نفسها باختيار النظام اللبناني موضوعاً لبحثها. تستغرق في التفكير وتظهر على وجهها علامات الهمّ. أسألها ما الأمر، فتجيب بأن مشروعها يتطلّب تقديم مقترح لحلّ أزمة النظام اللبناني. أتمنى لها حظاً موفقاً.

أتشارك مع أصدقائي الأتراك تجربة الأزمة الاقتصادية والانحدار المستمر في قيمة العملة الوطنية، مع اختلاف في الحدة والسرعة. في هذه الأمور، أطرح نفسي كخبيرة. أحاول تسكين غضبهم، علماً مني بعدم جدوى هذا الغضب، وبأن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بكثير. يشتكون من ارتفاع أسعار المواد الأساسية، فأخبرهم بأنه أصبحت لدينا سوق سوداء للخبز، يصل فيها سعر ربطة الخبز إلى عشرين ضعف ما كانه سابقاً. تتسع عيونهم ذهولاً. يتذمرون من رفع إيجارات المنازل بحوالي الضعفين، فأحكي لهم أن السكن في بيروت أضحى بالدولار حصراً. أقول لهم أن نظامنا الاقتصادي نكتة، لدرجة أننا اخترعنا عملة جديدة هي اللولار. في لعبة السقوط والتهاوي، أخرج دوماً رابحة.

في النهاية يسألني أحد الأصدقاء: "هل الشعب اللبناني سعيد؟"، وأحتار مرة أخرى كيف أُجيب. وفقاً للأمم المتحدة، إنه ثاني أتعس شعب في العالم. يستغرب صديقي، خصوصاً أنه سمع عن حياة الليل في بيروت، والتي تتجاوز بصخبها ومرحها ما تقدّمه مدينة ضخمة مثل اسطنبول. أعترف له بأني لا أجد تفسيراً لهذا الخليط من التعاسة والمرح. "الشعب اللبناني يهتمّ كثيراً لأمر السعادة.. وربما لذلك هو تعيس".
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها