الثلاثاء 2022/06/21

آخر تحديث: 14:56 (بيروت)

تحجيب #فتاة_المنصورة: البحث عن الضحية المثالية

الثلاثاء 2022/06/21 وليد بركسية
تحجيب #فتاة_المنصورة: البحث عن الضحية المثالية
increase حجم الخط decrease
في وضح النهار وأمام مدخل الجامعة وبين عشرات الأشخاص، قتل شاب مصري زميلته بعد رفضها الارتباط به، وذلك بطريقة مروعة وثقها مقطع فيديو انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي، ويعيد للأذهان مئات الشهادات من سيدات وناشطات مصريات صرخن مراراً وتكراراً طوال العقد الماضي بأنهن لا يشعرن بالأمان عند خروجهن من منازلهن إلى الشوارع حيث تنتشر آفات التحرش والعنف اللفظي والجسدي، وحيث تغيب القوانين ويسود التمييز ولوم الضحايا.

الفيديو المروع الذي أصدرت النيابة العامة بياناً بشأنه دعت فيه المواطنين إلى "عدم تداوله" كي لا يؤثر "في مجريات التحقيق"، التقطه طلاب تواجدوا بالقرب من مكان الجريمة حينها، ويظهر كيف ذبح محمد عادل صديقته نيرة أشرف بدم بارد. لتنتشر بعدها المعلومات حول "حب المتهم للضحية" وعرضه الزواج عليها أكثر من مرة ورفضها له مراراً وتكراراً، ووصل الأمر آنذاك إلى الشرطة التي أصدرت أمراً بوجوب تعهد الشاب (الذي أصبح القاتل) بعدم التعرض للضحية ومضايقتها. لكن ذلك كله لم ينفع في ردع الجريمة ومنعها، لأن النساء في دول الشرق الأوسط عموماً، ومصر خصوصاً، يعانين تمييزاً فاضحاً في القوانين يجعلهن دائماً معرضات للخطر، خصوصاً أن شكاويهن من ذلك العنف تقابل عادة بالاستهتار والاستهزاء.

والمروع أكثر من الجريمة نفسها، هي المبررات التي تم تسويقها، ليس فقط من قبل ذكوريين وإسلاميين وموتورين في مواقع التواصل الاجتماعي، ممن قالوا أن "لباس الفتاة الفاضح" كان سبب قتلها، رغم أنها لم تكن ترتدي أكثر من بنطال وقميص عاديين، بل أيضاً من إدارة الجامعة نفسها التي نقلت عنها وسائل إعلام مصرية بياناً تنصلت فيه من الجريمة لأنها حدثت خارج أسوارها، فيما كانت تصريحات إدارة كلية الآداب في الجامعة، حيث درس الطالبان، مروعة أكثر بتجنبها الحديث عن الضحية والتركيز على استغراب سلوك المجرم "لأنه متفوق ومهذب ومن عائلة محترمة"!


وتظهر التعليقات على الجريمة كيف تتعامل العقلية الذكورية السائدة في المجتمعات العربية مع النساء، في حياتهنّ ومماتهنّ كضحايا. فحتى في أكثر لحظاتهن ضعفاً، تتم محاكمتهن ومطالبتهن بأن يمشين على الصراط المستقيم المحدد سلفاً وفق الشريعة والعادات والتقاليد. فلم يكفِ نيرة أشرف أنها قُتلت بكل بساطة وهي تتجه إلى جامعتها، بل حظي قاتلها بتعاطف واسع من قبل أشخاص يمثلون قنابل موقوتة ويميلون لارتكاب مستوى العنف نفسه في حال توافر الظروف المناسبة له. وقال أولئك أن سبب قتل الفتاة هو لباسها وتمنعها عن الشاب الشريف وعدم إعطائه فرصة، وقال آخرون أن سبب قتلها هو "النظام العلماني الذي يسمح بتعليم الفتيات"، وتحدث آخرون عن الاختلاط بين الذكور والإناث كمدخل للجريمة، ولخص كثيرون كل ذلك بجملة واحدة "أكيد بنت غير محترمة".

ويشكل البحث عن الضحية المثالية، نمطاً سائداً في الثقافة العربية، يحدد التعاطف الإنساني في هوية الضحية أولاً، وانتمائها الديني والمذهبي ثانياً. وفيما يظهر ذلك عادة في الأحداث العالمية كوقوع حادث إرهابي في مدينة أوروبية على سبيل المثال، فإنه يشكل أسلوباً في التعامل مع النساء على أساس يومي، حيث تحدد الثقافة المجتمعية الشروط المطلوب توافرها كي تكون المرأة "محترمة" من أجل التعاطف معها عندما تتعرض لمأزق. وعند حدوث المأزق يظهر التشكيك فوراً في أخلاق النساء، بدلاً من الحديث عن القاتل أو المغتصب أو المتحرش أو المعنف. ويشكل التبرير إطاراً للتهرب من المسؤولية ولتكرار تلك الحوادث التي لا يمكن وصفها بالفردية بقدر ما هي الحالة السائدة في المجتمع.


ومهما كان سلوك المرأة أو الفتاة، فإنه ليس كافياً لنيل الرضى ضمن ذلك المنطق الأعوج، لأنه يصور المرأة دائماً طرفاً أضعف يتفوق عليه الرجل فكرياً بالدرجة الأولى ما يؤهله للوصاية والقوامة على النساء في محيطه الاجتماعي. ويتطور ذلك إلى علاقة الملكية التي تربط الذكور بالإناث، ومفهوم الشرف وتحديد ماهية الأخلاق وقيم العائلة. ويصبح العنف الموجه ضد النساء وسط ذلك، حقاً طبيعياً لأغراض التأديب والتقريع، كما تتم الاستفادة من حوادث العنف الأكثر تطرفاً، كجرائم القتل، من أجل توجيه الرسائل الرادعة لنساء أخريات من أجل تمكين السيطرة عليهن كل لا يلقين المصير المظلم نفسه، في حال لم يمتثلن للأوامر والحدود المرسومة، حتى لو كان العنف حالة قد تصدر من أي شخص في الشارع كما هو حال جريمة المنصورة. والأفظع من ذلك، أن حتى هذه الحدود القمعية لا تردع الجريمة في النهاية!

ولم يكتف أصحاب تلك العقلية بكل ما سبق، بل عمدوا إلى التلاعب بصورة أشرف عبر "الفوتوشوب" بإضافة حجاب قسري على رأسها، كمدخل للترحم الشرعي عليها، حيث حزن البعض على "أنها ستلاقي ربها وهي كاسية عارية"، ولم يحزنوا لأنها فارقت الحياة.. وقتلاً. وعمد آخرون إلى أخذ خطوة إضافية نحو إلباسها الخمار والعباءة أيضاً، علما أن تبريرات السلوكيات الإجرامية، من عنف وتحرش، وصولاً إلى القتل نفسه، تظهر الفارق بين الأخلاق المجتمعية وبين الأخلاق الفردية، وهو ما برز في تصريحات نقلتها وسائل إعلام مصرية حول الجاني الذي كان "رجلاً محترماً لا نسمع صوته سوى عندما يضرب أمه وأخواته البنات"!

جار قاتل فتاة المنصورة: محدش بيسمع صوته غير وهو بيضرب أمه أو أخواته

Posted by ‎القاهرة 24‎ on Monday, June 20, 2022


ولعل التعدّي على الصورة بهذه الطريقة، ثم انتشارها على نطاق واسع، يبرزان نوعاً مخيفاً من الداعشية المبطنة التي تنتظر فرصة للبروز والتي تفصل قواعد الإنسانية وفق مقاسات محددة سلفاً. واللافت أنه حتى مع وجود أصوات مستنكرة لتلك الطريقة المشينة في التفكير، فإن الحوارات الافتراضية دارت حول براءة الإسلام من تلك التصرفات بالدرجة الأولى، لتنحرف التعليقات عموماً عن مسارها نحو جدالات بيزنطية حول الحلال والحرام اللذين يحكمان العقلية الشرقية منذ الصعود الديني. وربما يشير ذلك الى حساسية الحجاب كرمزية دينية إسلامية ما زالت تشكل حاجزاً عقلياً وخوفاً مبطناً عند الناس.

وبالطبع ستكون هناك أصوات تقول أنه يجب التركيز على ردود الأفعال الإيجابية "التي تعد بالملايين" بدلاً من التركيز على الجوانب السلبية، لكن غرس الرؤوس في الرمال يتجاهل أن تلك الجوانب السلبية في الواقع تشكل نمطاً يتكرر مع كل حادثة تخص النساء في العالم العربي والإسلامي، وليس فقط في مصر التي ترتفع فيها معدلات العنف ضد النساء من قبل الأفراد والسلطة على حد سواء حيث تعتقل تلك الأخيرة الفتيات لمجرد نشرهن صوراً ومقاطع فيديو عادية في مواقع التواصل بتهمة "مخالفة القيم والتقاليد".

على سبيل المثال، انتشر جدل عربي مماثل العام 2015 بعد "غرق لاجئة سورية في البحر المتوسط" ليتم تحجيبها بـ"الفوتوشوب" أيضاً كمدخل لنيلها الرحمة! ويمكن رصد حالات مماثلة في دول عربية عديدة. وهي مشاهد غير صادمة بحد ذاتها بقدر ما هي واقعية، ولا تكشف فقط ثقل التأثير الديني ضمن الثقافة الاجتماعية السائدة، بل تعلي من شأن الطقس الديني فوق أي مشهد إنساني، وتضع الانتماء الطائفي الأضيق تحديداً كشرط مسبق لإعطاء التعاطف وإطلاق الأحكام.

والحال أن النساء في مصر يعانين عنفاً ممنهجاً وتمييزاً في القوانين المختلفة، ما يضع البلاد باستمرار في لوائح المنظمات الحقوقية والتي تضم أخطر الدول على النساء عالمياً. ولا شي أفضل من الإحصائيات للوصول إلى تلك النتيجة. ففي العام 2013 خلصت دراسة للأمم المتحدة إلى أن 99.3% من الفتيات والنساء في مصر أبلغن عن تعرضهن لشكل من أشكال التحرش الجنسي في حياتهن، وأن 82.6% منهن لا يشعرن بالأمان في الشارع.

وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي، قال مسؤولون مصريون أن حوالى ثلث النساء في مصر يتعرضن لأحد أشكال العنف الأسري. وذكرت وزيرة التضامن الاجتماعي، نيفين القباج، حينها، أن أكثر من 40% من النساء المتزوجات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 18 و64 عاماً، يتعرضن للعنف النفسي من الأزواج. كما صنفت دراسة دولية صدرت عن مؤسسة "تومسون رويترز" في تشرين الأول/أكتوبر 2017، القاهرة، كأكثر مدينة عدائية تجاه النساء في العالم.

وفيما تعترض الحكومة المصرية على تلك الدراسات بوصفها "مؤامرة تستهدف سمعة مصر"، تكررت حالات قتل النساء في الشوارع تحديداً، من فتاة المعادي إلى فتاة الإسماعيلية وصولاً إلى فتاة المنصورة اليوم، علماً أن السلطات المصرية أغلقت عشرات الجمعيات المدنية التي نشطت بعد الثورة المصرية في مجال حقوق المرأة. وفي نهاية العام 2014 منعت السلطات تصاريح العمل الميداني للجمعيات، وأصدرت جمعية مدنية محلية تقريراً العام 2015 أشارت فيه إلى تواطؤ عناصر الشرطة أنفسهم في العنف ضد النساء، بحسب تقارير ذات صلة.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها