الجمعة 2022/06/17

آخر تحديث: 15:31 (بيروت)

مرضى السرطان المتروكين.. يسكّنون أوجاعهم في ما بينهم

الجمعة 2022/06/17 صفاء عيّاد
مرضى السرطان المتروكين.. يسكّنون أوجاعهم في ما بينهم
من اعتصام لمرضى السرطان أمام القصر الجمهوري (المدن)
increase حجم الخط decrease
إنه السرطان! الذي نعتقد أنه لن يدق بابنا، وكنا عندما نسمع عن إصابة إحدهم بالمرض، نقول الكلمة المتوارثة "هيداك المرض، الله يبعده عنا". تبدأ القصة في التشخيص الأوّلي، وتكرّ سبحة المعاناة مع الفحوص والصور والخزعات التي تنزل على المريضة دفعةً واحدة مع إستشارة عدد من الأطباء.

ليس من السهل أن تقصّ أو تكتب معاناة مرضى السرطان في لبنان منذ عام وحتى اليوم. فالعلاج مفقود، ولم تنفع صرخات المرضى في الشارع ومن المنابر الإعلامية لتحريك ساكن المسؤولين. وليس سهلاً أن تكتب وجع مرضى السرطان وأحاديثهم، وفي منزلنا مُصابة بالسرطان. فأمي شُخصت في أيلول الماضي بسرطان الثدي، وأنهت رحلتها العلاجية قبل أسبوعين... وإن كان الإحتفال بشفائها مُقنناً، فطبّياً "القول وداعاً للسرطان يأتي بعد 5 سنوات على التشخيص"، وخلال هذه الأعوام تتابع بشكل دوري فحوصها وصورها الدورية.

تُمازح أمي جميع الأطباء الذين أشرفوا على علاجها بالقول "أول 50 سنة صعبين، وفي أيلول أتُمّ الخمسين، ولقد رأيت وإختبرت كل القصص الصعبة، وآخرها السرطان". خلال رحلة علاج أمي، بين العلاج الكيميائي والجراحة والعلاج الشعاعي، على صعوباتها، كانت هي التي تبعث فينا الأمل بروحها الحلوة. في قسم العلاج الكيميائي، يعلو صوتها بالضحك والأحاديث عن حفيدتها يسمى، ويبادرها طبيب الأورام "خليكِ اضحكي، ستشفين بسبب طاقتك الإيجابية". بالطبع مرت أمي بلحظات ضعف وتوتر وبكاء. وكانت دائمة القول بأن ما يوجعها فعلاً هو إنتظارنا في طوابير البنزين لساعات، أو شراؤه من السوق السوداء بأسعار خيالية، للذهاب للعلاج، واستنفار العائلة بحثاً عن الدواء المفقود، حيث تأمّن جزء منه من السوق السوداء والجزء الآخر من الخارج.

خلال الشهر الماضي، خضعت أمي لمرحلة علاجية أخيرة، وهي العلاج الشعاعي الذي كان من المفترض أن تتلقاه في مستشفى النبطية الحكومية على حساب وزارة الصحة، إلا أن ماكينة العلاج طرأ عليها عطل تقني، ما دفع إدارة المستشفى إلى نقل المرضى إلى مستشفى الجامعة الأميركية.

تحولت ردهة الإنتظار في المستشفى إلى علاج نفسي جماعي، بقيادة المرضى، لا الكادر الطبي. فبعد السؤال الموحّد المتداول عن نوع السرطان الذي يُعانيه كل منهم، تأتي مشاركة الآلام النفسية والمعاناة لنَيل العلاج، والكلفة الباهظة، خصوصًا أن المرضى في غالبيتهم يُعالَجون على نفقتهم الخاصة، والعلاج الشعاعي متوافر في أربع مستشفيات فقط.

من يُجالس المرضى، يُخلص إلى سلسلة تقارير صحافية، وربما روايات وقصائد وأفلام ملحمية. لكل منهم حكاية تُروى، ونقطة إنطلاقها هي الأزمة الإقتصادية. ورغم معاناتنا جميعاً وحكاياتنا الصغرى بين أوجاع الآخرين، إلا أن ما شهدتُه وسمعتُه خلال شهر، جعلني أعيش تروما بعد الصدمات اليومية خلال فترة علاج أمي، وكانت فاتحة لأكسب معرفة كُثُر، ولأرى الحب الذي يوزعه المرضى على بعضهم البعض.. نعم، المرضى في ما بينهم.

الكل يُجمع على أن المستشفيات تحولت إلى مسالخ مالية، وبأن وزير الصحة "المختفي عن السمع، كأنه يتعمّد قتل مرضى السرطان!". في أول أيام علاج أمي، تعرفنا إلى السيد وسام خالد، الذي كان يقول أنه لولا وجود أولاده في الإغتراب، لما استطاع استكمال العلاج، ثم صُدمت بأنه دكتور في الجامعة اللبنانية في الآداب الفرنسية والفنون. يسرد الدكتور خالد، بأنه شهد على الإذلال الحاصل في مستشفيات عديدة، وبدلاً من أن يكون معززاً في أواخر سنوات عمله، ها هو ينتقل من مستشفى إلى أخرى، لتلقى العلاج الأوفر له. أخبرني أن هناك مرضى أوقفوا جلساتهم الشعاعية لعدم قدرتهم على دفع تكاليف المستشفى الخاصة، وينتظرون إصلاح الماكينة في المستشفى الحكومية، متسائلاً: كيف يُترك المرضى يصارعون السرطان هكذا، في ظل إستهتار المسؤولين؟ طوال الجلسات كان يقول لي: "نحن صرنا كبار، إحكوا عننا أنتم الشباب صوتنا الذي يجب أن يُسمع".

وهناك عائلة آتية من قب إلياس البقاعية، لمعالجة أختهم المصابة بسرطان الرأس. هذه العائلة نقلت سكنها إلى النبطية أملاً في تخفيف عبء التنقل اليومي، ولأن فيها المستشفى الحكومية الوحيدة التي تستقبل على حساب وزارة الصحة. وبعد تعطل آلة العلاج الشعاعي إضطروا إلى النزوح إلى بيروت وتكبد إيجار منزل آخر في الحمرا. وللعائلة هذه تاريخ مع الاستهتار، بدءاً من تأخر تشخيص الابنة المُراهقة، إذ اعتُبر ما تعانيه من عوارض وتقيؤ دائم وأوجاع، نتيجة توتر وأزمة نفسية، قبل أن يكتشف أحد الأطباء كتلة ورم خبيثة تضغط على وظائف الأعضاء في الجسم. الصبية التي بات جسدها نحيلاً، راحت تتحدث عن محبة أخوتها ومرافقتهم لها في جلسات العلاج، وأنه رغم تأخر اكتشافها السرطان، فإن المرض، كما تقول، جعل منها "فتاة ناضجة". ورغم تعبها، تحاول الإبتسام يومياً، وتقول بأن معايشتها للمرضى ساهمت في ترميم نفسيتها. إنها غرفة للعلاج الشعاعي.. والنفسي الجَماعي العفوي.

لم يتحدث أحد من المرضى عن وجعه أو تداعيات العلاج الكيميائي، أو تساقط الشعر. بل عن الأطباء الذين يتعاطون مع المريض كرقم أو ملف، وأيضاً عن الأطباء الأكفاء الذين هاجروا وخسر لبنان برحيلهم معياراً إنسانياً لا يبدو أنه سيُعوّض.

هنا أيضاً سّيدة من بلدة الصرفند جنوبي لبنان، تعاني سرطان الرحم. لم أتعرف عليها شخصياً، لكن زوجها كان مثالًا للحب الذي أصبح نادراً. كان ينتظرها حاملاً حقيبة يدها، وأخبرني أنه باع "مصلحته" وأصبح عاملًا لدى من اشتراها. طرق أبواب مسؤولين في منطقته، علّهم يساهمون في خفض كلفة العلاج، فأتي الرد بخفض بقيمة 3 ملايين ليرة من علاج كلفته 40 مليون ليرة. وقرر محمد "إن يهين فلوسه ولا نفوسه"، فباع أثاث المنزل ليستكمل علاج زوجته، وهي أمّ لثلاثة أولاد. ينقم محمد على الوضع الذي وصل إليه، "لكنني سأعوض كل شي حين تتماثل زوجتي للشفاء".

وإن كانت هذه الأحاديث خلال الشهر التحضيري للإنتخابات، فلم تخلُ من تعليقات المرضى على الوعود والشعارات الرنانة التي راحوا يتابعونها على شاشة التلفاز في غرفة الإنتظار. وفعلاً لم يتغير شيء قبل الإنتخابات أو بعدها، بل إن الأزمة إلى تفاقم، ومرضى السرطان يصارعون للبقاء على قيد الحياة، ومنهم من إستسلم ولم يعد في مقدروه البحث عن الدواء، ولا دفع فاتورة خيالية للعلاج.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها