آخر تحديث:12:43(بيروت)
السبت 14/05/2022
share

"لا" الانتخابية.. بصبر اليائسين وأملهم

نجلاء أبومرعي | السبت 14/05/2022
شارك المقال :
"لا" الانتخابية.. بصبر اليائسين وأملهم جبران باسيل وميشال عون في البترون (غيتي)
قلتُ حظاً موفقاً وخرجتُ... وضعتُ الورقة في الصندوق لتبدأ الرحلة بمليون سؤال. ما مصير هذه الورقة التي زاغت عيناي بحثاً عن المربع الأبيض فيها، وكانت المربعات كثيرة؟ ماذا سيحل بعد ذلك بصوتي، الذي أدلي به في الاغتراب، بعدما حبست أنفاسي حرصاً أثناء تدوينه على الورقة التي تضمّ اللوائح المتنافسة في دائرتي الانتخابية؟ هل ينقطع النَّفَس خلف العازل؟

سؤال مشروع لمن لديه قلق عتيق من تعبئة الطلبات الرسمية وغير الرسمية، وقلبه يرف بسرعة طَير صغير يرفع البلل عن جانحيه كلما أعاد مراجعة المعلومات المذكورة، خصوصاً عندما يقرأ خانة الإقرار بأن المعلومات الواردة أعلاه هي دقيقة وصحيحة بلا زيف. حاولت تذكر تمرين التنفس والهدوء.

لن أدع موجة التوتر الدافئة تجتاحني وأنا أحاول استذكار اسم اللائحة. أعرف الخطوات التي سأتّبعها لأختصر الوقت خلف العازل. وأعرف أن حيرتي بين مرشَّحَين أريد منحهما صوتي التفضيلي لا مكان لها هنا. فقد وفّر قانون الانتخاب الحالي عليَّ الحيرة والمفاضلة. لا أستطيع منح صوتي لمن أريد إذا نال نصيبه من المربعات السوداء. منعني قانون الانتخاب من ذلك.

ربما يقول جبران باسيل إنه يسديني خدمة من حيث لا أدري. هكذا منعني هذا القانون من الشعور بشكل صافٍ وكافٍ، بأنني بلا قيد أو شرط، أمنح صوتي لهذا المرشح أو ذاك. يقول لي قانون الانتخاب: لا مجال للحيّز الشخصي. لا مساحة لشعور الثبات بأنك تقترع لمن تعرف مفرداته تماماً، وتستطيع مساءلته ومحاسبته إن تخلّى عن تمثيلك في السعي إلى تحقيق مطالبك المنشودة. قانون الانتخاب يعطيني خياراً، لكن في مساحة محددة. أمام هذا القانون، أنا كالمقيم في غرفة واسعة لها نوافذ كبيرة، يرى منها الخُضرة، إنما ممنوع عليه الخروج منها لملامسة العشب بقدَمين حافيتين.

لكن، بما أن أوان مناقشة القانون قد فات، وقد حسمتُ قراري بالمشاركة، لا المقاطعة، قلتُ: لأحاول ترشيد صوتي، ما أمكن، ضمن مرشحي المربعات البيضاء في اللائحة التي اخترتها مرتاحة إلى موقعها المواجه. والمواجهة هنا مقصودة. أبتعد بها عن سجال القدرة التغييرية لدى المجموعات التي اختارت التموضع ضد لوائح السلطة. من دون كثير من الثورية، ولا القليل من الاستسلام، ما زلتُ أتمسك بفكرة التغيير التراكمي.

ربما هذا من عيوب المزج بين شيء من الواقعية وسذاجة الرومانسية، في آن معاً. لا أعلم. لن أنشغل بالتصويت التكتيكي، لن أحسب ما إذا كان هذا يأخذ من درب ذاك في لائحة السلطة، لا وقت الآن. وكنتُ قد درّبتُ نفسي على ذلك قبل أن آتي إلى مركز الاقتراع، كمن يستعد لامتحان. سأقرأ اسم اللائحة وأذهب إلى المربعات البيضاء وأضع العلامة، ولن أسمح للتردد ولمراجعات الذات بعد ذلك. وهكذا فعلت. أعدتُ التأكد مرة ثانية، قبل علامة الصح الأولى، والثانية، وخرجت.

هو استحقاق، وافيته بما تيسّر. حاولتُ أن يكون لصوتي صدى وسط فراغ اللامعنى، ربما، لكني فعلتُ ذلك لأنني ما زلت أشعر أنني أُخرِجتُ من لبنان، والآن لا أعرف طريق العودة إليه، لكني أعرف الفاعل، وأعرف من قتَل وسرَق وقمَع.

هل أدعو الذين في الداخل إلى الانتخاب من دون أي جرعات أمل زائفة؟ نعم، أدعوهم.
ليست المقاطعة هي التي ستسقط عن هذا النظام شرعيته وتحرم هذه السلطة مخالبها. وربما لن تفعل ذلك المشاركة أيضاً. وليست المشاركة مطلوبة لثقة في إمكانات الخرق الكبيرة. لكن، في المقابل، كتم الصوت الناقم، الرافض، اليائس والسئم، بحجّة أن مواجهة السلطة مشتتة، سواء بعدد الفرق أو بوسع الشقوق في برامجها، لن يجرح كبرياء وجوه السلطة، القديمة والجديدة منها، والمعاد تدويرها.

لن تُرفع سطوة "حزب الله"، لا بالمشاركة في هذه الانتخابات، ولا بعدمها. لكن ربما يكفي أن يخرج أحدهم لخوضها مترشحاً في الجنوب ليعطي للصوت معنى، ولعله بذلك يعطي للانتخابات جدوى في لبنان كله.

الـ"لا"، لا تحتاج إلى أمل أو قوة. بل إلى الكثير من اليأس لتكرارها في كل فرصة سانحة. وهذا ما نملك منه الكثير. بعد 17 تشرين، وبعد حِراك أزمة النفايات، وبعد 7 أيار. المهجرون المنفيون والمختطفون في الداخل، يكفيهم تكرار كلمة "لا". فقط للاتساق مع الذات. لا يهمّ الخرق بعشرة مرشحين، أو بلا أي مرشح على الإطلاق. هي فقط "لا"، تُدوَّنُ بشكل اقتراع لمرشح، وتُحتسب في قيد الأصوات، إنما في قيد المواجهين.

"لا".. يكفي أن تُسمع بينهم، هؤلاء الذين يعلمون أن النظام الطائفي لن يسقط بتظاهرات هاتفة، كالتي خرجت قبل نحو عشر سنوات لإسقاط النظام الطائفي. ويعرفون أن "حزب الله" لن يقول لهم: المعذرة، فائض القوة أصبح عبئاً عليّ أيضاً، وسئمتُ من حماية الناهبين والفاسدين، هيا بنا إلى الوطن. لكن، ربما بصبر وأمل اليائسين، يفتح باب الـ"لا" الكبيرة في وجه السلطة وحاميها بشكل مختلف بعد 15 أيار.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

نجلاء أبومرعي

نجلاء أبومرعي

كاتبة وإعلامية لبنانية

مقالات أخرى للكاتب

ابتسامات كييف.. لغة الثلاثاء 05/04/2022
عَلَم شادي الثلاثاء 07/12/2021