آخر تحديث:15:08(بيروت)
الخميس 12/05/2022
share

اسمها شيرين.."النصرانية التي لا تجوز الرحمة عليها"

جهاد بزي | الخميس 12/05/2022
شارك المقال :
اسمها شيرين.."النصرانية التي لا تجوز الرحمة عليها"
"شيرين أبو عاقلة نصرانية".
تكفي هذه العبارة في خانة البحث في "تويتر" حتى تندلع القذارة. لا شيء يشفع للنصرانية. لا يشفع لها أنها أفنت عمرها، حرفياً، في نقل الخبر الفلسطيني، حتى لحظتها الأخيرة. لا يشفع لها أن الرصاصة الإسرائيلية مزقت رأسها وحياتها. لا شيء يشفع لها. لا الرحمة تجوز عليها، ولا لقب "شهيدة"؟

مجهول بدأ هذه الموجة. مجهول مسلح بهاتف ذكي وفكر قَطعي، وبضع عبارات متداولة في شكل بطاقات الكترونية ملونة، كلها تعود إلى ألف وخمسمئة سنة مضت، إما أنه لا شيء فيها أكيد، أو أنها اقتُطعت من سياق ما، أو أن كل الأشياء تجاوزتها، حتى باتت بلا معنى. مجهول أطلق فتوى بحُرمة الترحم عليها، فطاف العالم الافتراضي بهذه الفكرة اللامعة: حرام الترحّم على نصرانية.

ليس أنهم، بوجوههم وأسمائهم الحقيقية أو تلك الوهمية، يرددون كالببغاوات. لا. كل منهم لديه واجب "ديني" بتنبيه أخوانه وأخواته إلى أنها نصرانية، مُشرِكة، كافرة، كي لا يقعوا في إثم الترحم على مثلها. فهذه آية واضحة، وذاك حديث صحيح. الحزن عليها مسموح، إذا ما اقترن بالفجيعة لأنها ماتت نصرانية. 

لم يجدوا في هذا الوجه الفلسطيني ما يعيبه إلا مسيحية صاحبته، فحزنوا لأن مصيرها جهنم التي كان في إمكان شيرين تفاديها، لو أنها أسلَمَت قبل أن تُقتل، لو أن الرصاصة أعطتها بعض الوقت الزائد لتعيش أياماً أخرى في المستشفى يدعون لها بالشفاء إذا ما اقترن بالاهتداء إلى الإسلام. 

على الأرجح أن هذا هو المنطق الحسابي في الدعاء بالشفاء للنصارى وغيرهم من الضالين، الشفاء متزامناً مع الإسلام، والأفضل أن يسبق الثاني الأول، وإلا، فهم محرومون من أقل ما في عبارة "رحمه الله"، من معنى، من اللطف والود الذي تحمله، من رقة التعاطف، من النبل، أقل النبل.

متى حل كل هذا الاغتراب عن الأخلاق؟ قبل وسائل التواصل أم بعدها؟ هل كان هؤلاء كذلك، ولم نكن نعرف بوجودهم؟ دعونا من القضية نفسها، من فلسطين والفلسطينيين وسيرتهم الطويلة التي لا أحد من هؤلاء المفجوعين بالترحم على كافرة ينكر أنه يناصر قضيتهم. هؤلاء يهينون معتقدهم نفسه. يتفاخرون بأنهم ينتمون إلى فكرة هي، في جوهرها، محض عنصرية، تجعل كل مسيحي، مهما كان خيّراً، حطباً أكيداً لجهنم.

هذا المسيحي الذي يحكي لهجتهم ذاتها، ويشاطرهم يومهم وفرحهم وحزنهم ويقاسمهم الهموم نفسها، أي حياة يعيشها معهم وهو يعلم أن هذا الذي في وجهه لن يطلب له، حين يموت، الرحمة من الله؟ كيف تطمئن الأقليات، ولو كانت بالملايين، كما الحال في مصر مثلاً؟ تحت أي شكل من الأفكار المسبقة والصور النمطية والنوايا الخبيثة المعلنة يرزح الأقباط، وقد هال على آلاف المسلمين رؤية راهبين في صورة، وأحاطوا الصلبان المرسومة على ثوبيهما بدوائر للدلالة على الحدث الجلل، على الخطر الداهم الذي يحدث، إذ يصلي رجلا دين مسيحيان على جثمان شيرين. في أي قرن نعيش؟

الهذيان الذي اندلع في وسائل التواصل الاجتماعي، لحظة أُعلن استشهاد شيرين، وما زال، هذا الهذيان إفراط شديد ومرضي بانعدام القيم. هؤلاء، فرداً فرداً، يجيدون استخدام الذي في أيديهم أكثر مما يجيدون استخدام عقولهم. هؤلاء ليسوا منتبهين أصلاً إلى شيرين وفلسطين والجار المسيحي. هؤلاء لا يعيرون كثير اهتمام لدينهم نفسه، ولا لربهم. هؤلاء هواتفهم المحمولة وسيلتهم الوحيدة المباشرة لعلاقة انتهازية مع الله. علاقة أنانية صرفة وفجة تقفز فوق الأنبياء والكتب المقدسة لتصل مباشرة إلى "تويتر" و"فايسبوك" حيث كل رأي قاطع وإن كان على كل هذه الخِسَّة، سيجد طريقه إلى السماء ويُسجّل نقاطاً في دفتر الحسنات، هذا الممنوع منه المسيحي، متى ولد ومتى يموت ومتى يبعث حياً في الجحيم.

السوشال ميديا التي فاضت بهؤلاء، فاضت بصور شيرين أبو عاقلة تبتسم. هكذا تنتقم الضحية حين تُقتل مرة ثانية قبل أن تُدفن. بالابتسام. تشييعها اختلط فيه الترتيل بالتكبير، بصدق، بفلسطينيين.. بناسها الذين ظلت تروي حكاياتهم حتى الحرف الأخير. يعرفونها وتعرفهم. ليسوا متوارين خلف هواتفهم. حملوها بقلوبهم وداروا بها أيقونة عالية لا يصعد إليها غبار. كانت اسمها وعلمها والكوفية التي لفت جبهتها. شيرين أبو عاقلة التي، لا شك، رحمها الله، فقد ماتت شهيدة على دِين فلسطين.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها