حجم الخط
مشاركة عبر
موشاشو نحن عدنا..
سأمشي خلفك رغم أنني أكبرك.
سأدّعي أن كل السنوات الماضية لم تمرّ.
سأنتظر أبي كي يصل من بلادك و يكلّمني بالاسبانية:
"موتشاشا.. ها قد رجعت .."
لن يحدث كلّ ما حدث
سأحلم بوطني مرة اخرى
ببلادك.. بفنزويلا..
موتشاشو!
منذ قرابة الاسبوع، لم افعل شيئاً سوى مشاهدتك للمرّة الألف.. اكرّر الصّور والأغاني، ووجوه الملايين التي ركضت في ساحات بلادك. انه النصر وقد تمرّد. انه الاصرار، والنهاية حتماً سعيدة.. انه حلم كل العقود التي سبقت سنواتنا البائسة. انه فرح شعبك وقد قدّمتَ له فرصة جديدة للحياة. الانتحار وارد كل يوم فينا موتشاشو، لكنك احتمال معجزة.
لم يكن ليونيل ميسي بطلي انا. فأنا الصغيرة من عقود كثيرة ولديّ شقيقان مراهقان لطالما رقصت عضلات وجهيهما "تانغو" كلما سجّل دييغو هدفا بقدمه، برأسه، وحتى بيده.
كأن يد الله كانت حقاً تلوّح لهما من السماء وتعدهما ببطولات كثيرة في وقت كانت البطولات على أرض بلدي تتبدّد شيئاً فشيئاً، وربما وقع على عاتق "دييغو" مسؤولية إفراح ذلك الجيل المهزوم.
كان فريق "الضّيعة" كلّه مارادونا، مع استثناءات بسيطة بعضها برازيليّة، والقليل منها ألمانيّة، وحتى هولنديّة. وكنت لا افهم كيف يولد حبّ آخر في حضرة العملاق الأسمر الصغير. لم يهزّ شباك رأسي ولا قلبي أقدام أخرى سوى قدماه. وكنت أحبّ أشقائي فيه.
كم كان يشبهنا، نحن كذلك نتكلم الاسبانية. وربما شعرت بوصل جغرافي معه. أنا الجارة الفنزويلية المولودة داخل سياج وطن محتلّ، غائب، ومحروق. وكلما ازداد سعير الحرب، تباهيت بالجنسية الفنزويلية التي يحملها أبي وكل افراد عائلتي الا انا. انا المُبتلية بوطن لا زال يحترق.
كبرتُ قليلاً.. وحفظت تفاصيل أكثر عن دييغو. اشترى لي أخي فيديو توثيقي لمونديال الـ86، وما فاتني من ذكريات وملاحظات أثناء سنوات عمري الاولى قدّمه لي هذا التسجيل. فكنت مشجَّعة شرسة ألاحق خطوات مارادونا وهو يقفز بين لاعبي انكلترا من أوّل الملعب حتى آخره.. و"هدف.. هدف.. هدف..." يكرّر المعلّق واقفز انا.. أقفز أمام بطلي الوحيد.
"الأرجنتين هي البطلة" غنّى مارادونا وفريقه في غرفة تغيير الملابس، و لكَم ردّدت هذه الأغنية كأنها نشيد بلادي الوطني.
الأبطال لا يموتون. هكذا ظننت.. لا يخسرون المعارك لا يقعون أرضاً.. و لا يبكون. سيبكي عمّي البرازيلي كثيراً حين يخسر منتخب بلده أمام الجار الأرجنتيني المنافس.. وسيضحك عليّ اكثر ويرقص سامبا في وسط الغرفة من ذلك الليل الطويل في صيف 1990 يوم أحرقت ألمانيا أحلام أسطورتي. لكن الحكم كان غير عادل. كنت أردّد. وطبعاً هذا عزاء الخاسرين.
كل شيء تغيّر بعد ذلك التاريخ. سقط مارادونا تدريجيّاً في السنوات التي تلت، وتبدلت أحوال عالمنا من جديد. وصرتُ أسكن فكرة وطن جائزة، فنسيتُ قصص الأبطال في الملاعب الخضراء قليلا، وكانت استراحتي طويلة بين الشوطين بقدر أربع سنوات، أعود بعدها الى حماس المونديال واتعرّف على أشكال وأسماء اللاعبين، وأعتزل من جديد.
لم أكن اعرف بعودة مارادونا مثلاً الى الملاعب مدرِّباً في مونديال 2010، وما كنت قد سمعت بالشاب ليونيل ميسي بعدْ، حتى اتّصل بي أخي ومعه كل الأخبار تماماً مثلما كان يفعل. كنا نحتاج لبطل جديد.
في الوقت الذي تصرخ فيه صغيرتي أمام أوّل هدف لميسي، وتختبىء شقيقتها بعد تسجيل الهدف الفرنسي الاوّل، وأهرب انا من البيت كلّه مخافة الهدف الثاني، ويكتب أخي أشياء كثيرة على تطبيق "واتساب"، أبحث فيها عن اشارة "غول.. غول.. غول.." ولا اجد. أخاف أكثر.
أعود الى البيت في استراحة صغيرة، ثم هدف، وبعده هدف. أهرب مجدداً. لا يستغرب اهلي مني، ما زلتُ طفلتهم. سيضحكون عليّ بعدها كثيراً. وسيذكرون لي كل مرة هربت فيها. وسيرسل كل منا فيديو اللحظات الأخيرة، والأنفاس المقطوعة.. والفوز أخيراً.
لم أفرح هكذا منذ سنوات كثيرة. أما أبناء أشقائي وقد كبروا جداً، فقد كان هذا فرحهم الاول، وقد فاتهم الكثير. تأخر بطلهم قليلاً. همس لي ابن شقيقتي وهو شاب في العشرين: "أخيراً فاز بطلي". أجبته: "كذلك بطلي.. يداً بيد".
موتشاشو.. الأبطال لا يموتون.

التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها