image
الإثنين 2022/11/07

آخر تحديث: 10:52 (بيروت)

علاقات جلديّة

الإثنين 2022/11/07 ريتا باروتا
علاقات جلديّة
(اللوحة: غوستاف كليمت)
increase حجم الخط decrease
جِلدي ينبّهني بأن هناك خطراً يحدق بي. جلدي يخبرني بكل شيء. له ما له من لغة. هو اللغة، التي منها تمتد لغات الكون. لغات استحدثت منه، لإعطاء الأشياء بُعداً ومعنى. لإعطاء الناس، كياناً. إسماً. ومكاناً.

لا أفهم ولا أفقه اي شيء، إلا من خلال جلدي. لا علاقة لي بما يحيط بي. ولا بمن يحيطون بي. علاقتي جلديّة. علاقاتي كلها، جلديّة.
لا أذكر تحديداً متى تعرّفت عليه. هناك أحداث تتخطى اللحظة، فتخرج من الزمن، براء منه.
جلّ ما أعرفه، أنه يحدد لي المسافات. والأماكن. والناس.
أُحبُّ إن أَحبَّ. فالحب قشعريرة، جلدية، كمقطع موسيقي يوجع الجلد، فينتصب.
ككلمة. ككل الكلمات. لا معنى إن لم يشعر به جِلدي. كل القصص أتخيلها عليه.
حتى الموت. وموت من أحب. هو جلدي الذي فجأة يتقدّد. يوجعني. فأغرز فيه أظافري، أُدميه قليلاً. كثيراً. وأستكين. الموت ليس سوى مساحة جلدية، ترشح دماً.

يتمدد جلدي ليلاً. يسيح. يسيل على مساحة السرير. يأخذ السرير ويلتحف به. وأصبح أنا السرير، أغمض عيني على مساحة مختلفة عن مساحة جسدي الصغير. صغير جسدي، وجِلدي لا حدود له. وحين أتقوقع، يكون جلدي قد قفز فجأة، وأحتضن الجدار. ويعمّ الدفء فجأة.

مساحات شخصية، يقول لي البعض، حين نتحدث عن الحميمية. وعن اغتصاب المساحة.
غالباً ما ابتسم لهم. لا لأني أوافق على ما يرسمونه من هندسة تقيس المساحة والمسافة بالأمتار. وأدوات القياس: متر. متران. نصف متر وبضعة سنتمرات.
جلدي هو وحدة القياس. ولا يقيس إلا كما يحلو له. تارة يصرخ لكي يلتصق بي أحد ما. وتارة، يهزّني كي أطرد آخر.
أحياناً، الشخص نفسه تقع عليه مقاسات جلدي غير المنطقية، سوى بمنطقه هو. وأنا لا أوقفه عن شيء، كأمٍّ تسمح لابنها أن يفعل ما يشاء، متى يشاء، وهي مدركة بأنه ذاهب الى هلاكه، وهلاكها معاً.

لا علاقة لجسدي بجلدي، سوى بأنه يحمله بضع ساعات يومياً. ولا علاقة لي بجسدي. جسدي يكون، حين يلفّه جلدي، وينتهي حين يتركه.
وكم كثيرة هي المرات التي يهجر فيها جلدي جسدي. أحياناً يتسلق الأشجار، ويلعب مع الغيمة البيضاء على سفح جبل ما. وأحياناً، يزحف على التراب، يستلقي قرب حبات المطر، ويدخل في أحاديث فلسفية مع نملة.
جلدي قاموسي.
حروفه تسمح بالحب. باللمس. وبالقتل والبتر والتعرّق.
ومَن يلمس جلدي، يسمع أولاً شهقة صغير، تخرج مني عنوةً، ومن ثم صرخة أعمق، تأتي من أحشائي. وأتصلّب. جلدي حينها يلف حلقي، يخنقني وأنا أتوسل الهواء.
جلدي غاضب، إذن. وأفهم حينها بأن مَن لمسني عليه أن يموت.

لا أحب العناق. ولا اللمس غير المبرر. اللمس الاجتماعي. جلدي يمقت هذا. وإن غضب وتركني، أسمع عظامي ترتطم ببعضها البعض، وتتكسر. فأهرع الى استمالته، إرضائه، الاعتذار منه.

جلدي لا يحب جلود الآخرين، إلا قليلاً، حين أشعر بأنه عطشان للماء. لا يعرف الآخرون الذين نمارس معهم فعل الحب، بأن جلدهم يرشح ماءً. وبأن العطش هو ما يدفع جلداً نحو جلد آخر.
يعتقدون بأن الحب شعور خارجي، يسقط عليهم من علٍ، كائن يسكنهم، فيضحون ممسوسين به.
أشفق عليهم. كما أشفق على كل مَن ينتظر الخلاص مِن خارجه.

ماذا بعد السماء؟
أجيب: أن لم يصل جلدي إليه. فهو ليس. ولم. ولن يكون.
مكان واحد لم يصل إليه جلدي، هو حضن أمي. لعلّ ذلك يفسر قدرته على أن يلتحف كل شيء، وأن يرمي كل شيء، بالقوة نفسها والإصرار. السماء كانت أقرب من حضن أمي.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها