image
الأربعاء 2022/11/16

آخر تحديث: 18:56 (بيروت)

عالمُنا.. و"دبي بلينغ"

الأربعاء 2022/11/16 حليمة طبيعة
عالمُنا.. و"دبي بلينغ"
increase حجم الخط decrease
سألني صديقي: ألم يستفزك Dubai Bling؟
أجبته: ولمَ قد يستفزني؟ مسلسل مسلٍّ ترفيهي.. مهضوم
علّق: وماذا عن حياة الترف الفاحشة في المسلسل(*). ألم تشعرك إلى أي درك نحن منحدرون؟
قلت له: لا تعنيني، هي مجرد صورة مدروسة، أراد القيمون على المسلسل زرعها في عقولنا على أنها "واقع"، عن حياة صاخبة ملونة مضاءة بإطلالات أنيقة، تتميز بها دبي عن سواها من المدن العربية، كما فئة من "المليونيرات".

في البدء، لم أعر الأمر أهمية، لكني سرعان ما جلست أفكر!
كيف للبناني، أمضى صيفه بلا نعيم المكيّف، أو منتظراً في طابور خبز أو بنزين، أو حائراً باحثاً عن دواء مفقود، ومتأرجحاً في مهب دولار السوق السوداء... أن يتأقلم مع مَشاهد، ولا في الأحلام، تريد إقناعنا أنها من "تلفزيون الواقع"؟!
هل حولتنا هذه الأزمة الاقتصادية إلى مجموعة متذمرة، تستكثر البهجة على الآخرين؟
ربما نحن مرغمون، مجبرون، لا خيار لنا..

الأزمة قتلت أحلام بعضنا بادخار بضعة آلاف من الدولارات ليومٍ أسود أتى قبل أوانه، وجعلتنا نرضى بفتات من المئات إذا توافرت، فكيف لها ألا تحولنا إلى حاقدين على نوعية من البشر، إذا حزنت أو ملَّت، تذكرت أن خزانة ملابسها (وهي عبارة عن غرفة كبيرة) لم تعد تتسع للماركات العالمية، فراحت تفكر في شراء فيلا جديدة، بدلاً من التفكير على الأقل، في توسيع المساحة، أو تغيير الديكور؟



ولعلّ السؤال الذي حيّرني، كما أثار حيرة الملايين: هل هؤلاء حقيقيون؟
هل فعلاً هناك من قرر إرسال طائرة هليكوبتر، لشابة، كي تتناول معه عشاءً فاخراً في أول جلسة تعارف؟
هل فعلاً هناك سيّدة مستعدة أن تدفع أكثر من مليوني دولار (10 ملايين و300 ألف درهم) ثمناً لعقد من علامة تجارية فاخرة، تزيّن به عنقها خلال عشاء عادي، لا تتجاوز مدّته الساعتين؟
وكيف تجرأ أبطال المسلسل المُصنّفين من "فاحشي الثراء" على استعراض سطحيتهم وغيرتهم وعداواتهم لبعضهم البعض، والغوص في "النميمة" أمام ملايين المشاهدين؟
هل كلّ هذا التباهي، لإثارة الجدل، وجمع أكبر عدد من المتابعين في مواقع التواصل الاجتماعي؟

ربما لم يفكّر القيمون على المسلسل الذي يهدف الى تسويق دبي كمدينة عالمية، مدينة الفرص والثراء، بوَقع عبارات دخلت منازلنا. فتقول زينة خوري (رئيسة شركة عقارات): "في كتير عالم صاروا Millionaires بدبي، وأنا واحدة منن"... "وصلت معي 300 دولار، وحوّلتها لملايين".
لم يفكروا في انعكاس هذه الصورة على جيل شاب، تشغله يومياً فكرة مغادرة هذه البلاد بحثاً عن مستقبل أفضل، ولو بطريقة غير شرعية من شأنها أن تأخذه إلى حتفه.
وربّما لم يفكر الأبطال الغارقون في عَدّ أموالهم، والتغني بثرائهم الفاحش، بأنهم قادرون على تحويل بعض مَن فقدوا الأمل هنا، إلى ضحايا لأفكار روجوا لها، قد تبدو حقيقية، لكنها أقرب إلى الخيال من الواقع.



فهل فرصة التحول الى "مليونير" سهلة المنال في كوكب دبي؟
وهل يكفي الذكاء والدهاء والعمل الدؤوب لتحقيق الهدف؟
وماذا عن الإماراتيين أنفسهم، أبناء دبي؟
هل هذه هي صورة مدينتهم الحقيقية؟ أهكذا يمضون أوقاتهم؟ ولو كانوا من الأثرياء؟

فعلياً، نجح هذا المسلسل المؤلف من ثماني حلقات، ويعكس حياة الترف والترفيه في دبي، في إثارة الجدل في المجتمع اللبناني الذي اعتاد التأقلم مع كل المتغيرات من حوله، لكنه لم يمتص بعد صدمة أزمته الاقتصادية، ولم يهضم فكرة أن فئة كبيرة منه لم تعد قادرة على التمتع بالكماليات في حين أنها بالكاد تستطيع تأمين الأساسيات.

على سبيل المثال، قسم كبير من اللبنانينين عاجز عن سداد الاشتراك الشهري لمنصة "نتفليكس" نفسها، التي أنتجت وتعرض "دبي بلينغ"، لأنه بالدولار. فالمصارف اللبنانية أوقفت عمليات الدفع ببطاقات الائتمان المصرفية خارج لبنان، باستثناء "الفريش". فيلجأ هؤلاء في أحيان كثيرة إلى استعارة حسابات أقاربهم وأصدقائهم خارج لبنان، أو مشاهدة المحتوى عبر "تليغرام" الذي أتاح لعدد من الحسابات نشر حلقات وبرامج المنصات بالمجّان، من دون مراعاة حقوق النشر.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها