image
الثلاثاء 2022/11/15

آخر تحديث: 14:05 (بيروت)

ثمانية مليارات إنسان على الأرض...نعم يجب أن نشعر بالذعر!

الثلاثاء 2022/11/15 وليد بركسية
ثمانية مليارات إنسان على الأرض...نعم يجب أن نشعر بالذعر!
تصدّرت داكا-بنغلادش لائحة المدن الأعلى كثافة سكانية في العالم للعام 2022 (غيتي)
increase حجم الخط decrease
في سلسلة "The 100"، إحدى أفضل سلاسل الخيال العلمي خلال العقد الماضي، يشارف الجنس البشري على الانقراض بفعل كارثة نووية تسبب بها برنامج متطور للذكاء الصناعي صُمّم أصلاً لتحسين حياة النوع البشري، لكن ذلك الذكاء المتطور وجد، بدرجة لا تستوجب الشك، أن مشكلة البشر هي البشر أنفسهم. أي أن الإنسان هو عدو نفسه، وأن التزايد الهائل في أعداد البشر ضمن ييئة تستهلك بوتيرة أسرع من قدرتها على تجديد نفسها، سيكون كارثياً، ومن هنا تدخل الذكاء الصناعي لخلق أزمة نووية تساعد البشر على البدء من جديد بحياة أفضل عبر قتل 7 مليارات إنسان.

واليوم الثلاثاء، مع وصول عدد البشر مجتمعين في الكوكب الصغير، إلى 8 مليارات بحسب الأمم المتحدة، فإن المقاربة السابقة تبدو مُلحّة وسط جدل أخلاقي فلسفي أحدثه الرقم الكبير بعد أعوام من التحديات التي واجهتها البشرية، تحديداً جائحة "كورونا" وموجات الحروب واللجوء والتغيرات المناخية. ولم يكن غريباً أن الرقم استدعى موقفين متناقضين تماماً، بين الاحتفال به في "تويتر" أو الشعور التام بالذعر، تماشياً مع الموقف الأيديولوجي الشخصي من الوجود البشري بحد ذاته، المتأرجح بين النظر إلى الإنسان على أنه صفوة الكائنات و"أفضل ما خلق الله"، أو الفصيلة الأكثر تدميراً للطبيعة بين الكائنات الحية.

"Too many people"، كان تفسير الذكاء الصناعي لقتله مليارات البشر في "The 100". هي الرؤية نفسها التي يسوق لها دعاة الحرب في كل مكان تقريباً. وهو المنطق نفسه الذي يقول أن الحرب "ضرورة" سوداوية للحفاظ على موارد الكوكب المحدودة عبر تقليل أعداد من يستهلكها، بشكل يتقاطع مع حقيقة أن قروناً متتالية من الحضارة والتطور جعلت الإنسان بلا عدو طبيعي إلى حد كبير، حيث لم يحمِه التقدم وتعلم فنون النجاة من المفترسين الطبيعيين بل حتى من الأمراض والفيروسات والجراثيم، لدرجة جعلت متوسط العمر البشري من جهة وأعداد الناس الأحياء في وقت واحد، تقفز بشكل هائل في فترة زمنية قصيرة نسبياً بالمفهوم التاريخي.

ففي العصر الحديدي في فرنسا، أي قبل نحو ثلاثة آلاف سنة، كان متوسط العمر المتوقع للإنسان بين 10 و12 عاماً فقط، حسب تقديرات علماء الأنثروبولوجيا، ويعني ذلك أن معدل الولادات حينها كان مرتفعاً جداً من أجل الحفاظ على الجنس البشري من الانقراض، ويقدر بنحو 80 مولوداً حياً لكل 1000 شخص فقط. واليوم بالمقارنة، يعتبر معدل الولادات مرتفعاً، بين 35 و45 مولوداً حياً لكل 1000 شخص، وذلك فقط في بعض البلدان الأفريقية في جنوب الصحراء الكبرى، بحسب دراسات منظمة "Population Reference Bureau" البحثية الأميركية.

وبحسب الورقة البحثية نفسها، فإن عدد البشر الذين تعاقبوا على الأرض يبلغ حوالي 117 مليار فرد، منذ نحو 7 ملايين سنة قبل الميلاد، حين يعتقد أن أشباه البشر ظهروا. وقبل 8000 عام من الميلاد، كان عدد سكان العالم يبلغ نحو 5 ملايين شخص، حين يعتقد أن الحضارة المعاصرة بدأت في العراق مع الزراعة ونشوء المدن. لكن ذلك لا يأخذ في الاعتبار فرضيات "شبه علمية" تقول أن الكارثة المناخية المعروفة باسم "درياس الأصغر" (Younger Dryas) الذي غيّر شكل الكرة الأرضية قبل حوالى 13 ألف عام، ربما أدى إلى إيصال البشرية إلى حافة الانقراض على غرار كائنات أخرى حينها، مثل فيل الماموث.

تلك النقطة كانت منطلق سلسلة وثائقية من 8 حلقات عرضتها "نتفليكس" هذا الأسبوع بعنوان "Ancient Apocalypse"، ويؤمن صاحبها الصحافي الاستقصائي المثير للجدل، غراهام بانكوك، المراسل السابق لمجلة "إيكونوميست" العريقة، بفرضية غير مثبتة تتحدى العِلم التقليدي وتقول أن حضارة بشرية سابقة ومتطورة اختفت في النسيان بسبب ذلك التغير المناخي، وأن كارثة من نوع مشابه ستحصل للبشرية قريباً. ورغم أن بانكوك يتلقى تقريعاً من العلماء الرافضين لفرضياته، بوصفها أقرب للهرطقة، إلى جانب إمكانية استخدامها من طرف المؤمنين بتفوق العرق الأبيض والنازيين الجدد واليمين المتطرف لأجندات سياسية معاصرة، فإنه يطرح أسئلة مثيرة للاهتمام حول الجنس البشري ككل، ومعنى أن يكون الإنسان إنساناً من دون أي صفات لاحقة، وهو سؤال مناسب مع وصول عددنا مجتمعين إلى 8 مليارات شخص.

وبعيداً من تلك الفرضية، فإن المُثبت فعلاً هو ما أوردته دراسة نشرت العام 2018، على سبيل المثال، عن أن البشر أوصلوا العالم إلى حافة انقراض جماعي قد يمسح أنواعاً عديدة من أشكال الحياة على الأرض لملايين السنين. ويشير أحد التقديرات الصادمة، إلى أن الأرض خسرت نصف الحياة البرية خلال السنوات الأربعين الماضية بسبب طبيعة الحياة الإنسانية المعاصرة تحديداً. ويفيد العلماء بأن التسارع العظيم في معدلات خسارة التنوع البيولوجي على كوكب الأرض، يرجع إلى النشاط البشري السريع في التوسع، والمدفوع باكتظاظ سكاني متزايد ونمط الحياة الاستهلاكي، ما يجعل الإنسان في النهاية كائناً عدوانياً في بيئة تخضع له بشكل يجعل بقية الكائنات غير قادرة على التكيف مع محيطها المتجدد بسرعة.

مع كل هذه التقديرات القاتمة، ربما لا يمكن فهم الاحتفالات بالمواليد الجدد في "تويتر". البشرية لا تساعد نفسها في هذا السياق، مع تكرارها الأنماط ذاتها من السلوكيات العدوانية. وبوضع البيئة واستدامة الكوكب جانباً للحظة، تبدو السلوكيات البشرية المتبادلة بين الأفراد والمجموعات البشرية عبر التاريخ، غريبة، بالنظر إلى بقية الفصائل الحية. لا كائن حياً آخر يمارس العنف تجاه بني جنسه بالدرجة نفسها مثل البشر. وأكثر من ذلك، أن المفاهيم البشرية التي أوجدها الوعي واللغة والتفكير، باتت تنعكس قسراً في المحيط الأوسع، بما في ذلك الزمن والجندر والتقدم في السن وغيرها من المصطلحات التي تبدو كالمُسلّمات التي لا تعني شيئاً لأي من الكائنات الحية الأخرى، أو للإنسان نفسه قبل بضعة آلاف من السنوات.

هذه المفاهيم وتطورها إلى عقائد، تحدد الصحيح والخاطئ، وهما أيضاً مفهومان بشريان وضعيان، يجعلان البشر عدائيين تجاه بعضهم البعض. بعض الرؤى الفلسفية الأكثر تشاؤماً تفترض أن الحضارة نفسها ردّ فعل بشرياً عدائياً. في رواية "هكذا أصبحت غبياً" للكاتب الفرنسي مارتن باج، على سبيل المثال، مقطع مطول عن أن الذكاء هو "إخفاق في الارتقاء"، بمعنى أن أفراداً من الإنسان القديم ممن كانوا يعيشون في جماعات بدائية، أصيبوا بعاهات ما أو ولدوا من دون القدرة الجسدية الكافية للنجاة وسط عالم متوحش، وعانوا التنمر والإهمال واضطروا للتفكير كي يعيشوا، لكن إحساسهم بالظلم والنقص مازال موجوداً حتى اللحظة في الجينات البشرية بشكل الخوف من الآخر والميل للتنمر والعنف والحب الأقرب للتملك والرغبة في السيطرة وغيرها من سلوكيات تشكل في مجملها "الطبيعة البشرية".

والسؤال هنا هو عن ماهية تلك "الطبيعة البشرية". قد يقول البعض أن "الفطرة البشرية" تميل للخير لكن ذلك اليوم يبدو غير صحيح، مع تحول تلك "الفطرة" إلى منطلق لخطاب الكراهية ضد فئات مختلفة من البشر بسبب ميولهم الجنسية على سبيل المثال. بعكس ذلك، استندت الكاتبة البريطانية أغاثا كريستي، على هذا المفهوم، لكتابة قصص الجريمة والغموض بشكل يبدو بسيطاً إلا أنه أكثر تعقيداً لافتراضه الشر أساساً للسلوك البشري مهما كان الزمن، سواء جرت قصصها على ضفاف النيل أيام الفراعنة، أو في أوروبا وسط الحرب العالمية الثانية.

ومع كل التخويف، يستمر البشر في زيادة أعدادهم. الإنجاب يبقى في حدود الحرية الشخصية، خصوصاً أن قمع ذلك الحق أو استخدامه لتقريع الأفراد، شائع في الدول الشمولية كالصين وسوريا الأسد. لكن التشجيع عليه يأخذ جانباً دينياً لدى المسلمين مثلاً، من منطلق الحديث النبوي "تكاثروا فإني مُباهٍ بكم الأمم يوم القيامة"، أو من منطلقات عنصرية كما هو الحال لدى النازيين الجدد، أو لأسباب استهلاكية بحتة على غرار دعوات أغنى رجل في العالم أيلون ماسك لزيادة المواليد عالمياً!

وهنا، تقول مجلة "إيكونوميست" في تعليق على الثمانية مليارات نسمة، أنه لا ينبغي الفزع من الزيادة السكانية التي تشكل حالياً "لحظة متوازنة بين السخونة والبرودة"، لأنه لا أدلة كافية على انهيار ديموغرافي يهدد العالم، بقدر ما قد يشكل ذلك أساساً لتحديات اقتصادية، فيما تعترف بأن العالم سيواجه مشكلات كبيرة تتعلق بالتدهور البيئي والاضطرابات السياسية كواحدة من نتائج الزيادة المستمرة في عدد البشر.

وتجب الإشارة هنا، إلى وصول "يوم استنزاف الأرض"، وهو مقياس بيئي للنقطة التي يتجاوز فيها الاستهلاك قدرة الطبيعة على التجدد، مستويات قياسية، ما يعني أن قدرة الأرض على تجديد مواردها باتت في خطر متسارع بسبب الحضارة البشرية نفسها. وأفاد تقرير "شبكة البصمة العالمية" وهي مؤسسة دولية متخصصة في بحوث الاستدامة، أن الاستهلاك البشري للموارد الطبيعية تجاوز قدرة الأرض على تجديد نفسها العام 2019، للمرة الأولى عبر التاريخ.

وقال ماثيس واكرناغل مؤسس الشبكة حينها: "لدينا أرض واحدة فقط. هذا هو السياق المحدد النهائي للوجود البشري"، حيث باتت هناك حاجة إلى 1.75 كوكب أرضي لتلبية الطلب البشري على النظم الإيكولوجية في العالم. "وهذه ليست مجرد مأساة أخلاقية، بل يرقى الأمر إلى خطر داهم يهدد وجودنا. ذلك أن الانقراض الجماعي سيحرمنا من العديد من خدمات النظم الإيكولوجية التي تعتمد عليها حضارتنا"، حسب وصف الباحثين بول آر آرليخ، وآن أتش آرليخ في مقال نشرته منظمة "بروجيكت سنديكيت" غير الربحية العام 2015.  

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها