image
الأحد 2022/11/13

آخر تحديث: 11:30 (بيروت)

اللبنانيون معاقبون: "PayPal" محجوب عن لبنان!

الأحد 2022/11/13 فتات عيّاد
اللبنانيون معاقبون: "PayPal" محجوب عن لبنان!
increase حجم الخط decrease
الخميس الماضي، ومن دون أي إيضاح رسمي، حجبت منصة "بايبال" (PayPal) موقعها الالكتروني وتطبيقها في لبنان، بعد سلسلة إقفالات لحسابات لبنانيين في المنصة حسبما كشف خبراء تحول رقمي لـ"المدن"، ما يعني أن قوننة عمل خدمة تحويل الأموال العالمية في لبنان، والذي ظل المصرف المركزي يعطله لسنوات، لن يكون متاحاً في المستقبل القريب، برغبة من القائمين على الخدمة!

و"بايبال" ليس الوحيد، بل سبقه تطبيق "OpenSea" العالمي الذي كان "بوابة رزق" للبنانيين بالعملة الرقمية المثبتة بالدولار (USDT) بملايين الدولارات، والذي أغلق في لبنان منذ أشهر عازياً إغلاقه إلى مخاوف من "تبييض أموال".

ولعل المسألة أكبر من حجب موقع أو إغلاق حساب رقمي، حيث ينكشف النقاب ربما عن سياسة دولية تعاقب اللبنانيين عقاباً جماعياً عن انهيار الدولة، عبر حجز ايراداتهم الشهرية بملايين الدولارات "الفريش" منها و"الرقمي" من منصات العمل عن بعد، لتصل تداعيات الانهيار المالي وتحلل مؤسسات الدولة، لعزل لبنان دولة وشعباً عن الفضاء الرقمي العالمي!

العمل عن بعد

يعتبر "بايبال" الذي تأسس العام 1998، أولى خدمات إجراء الحوالات المالية "أونلاين" في العالم. واكتسب أهميته لبنانياً إثر الأزمة الإقتصادية، مع توجه آلاف اللبنانيين لمنصات العمل عن بعد التي تعتمد "المحفظة الرقمية" لاستلام الأموال من الطرف المتلقي، فهو آلية عالمية للدفع واستلام الأموال فور إرسالها من المرسل للمتلقي، في الدول التي تغطي هذه الخدمة، وهي غالبية دول العالم.

لكن لبنان، المتربع على خريطة العالم من بوابة السياسات المصرفية "المتعوب عليها"، يحظر "المحفظة الرقمية" وفق التعميم 69 الصادر عن مصرف لبنان، ليحرم آلاف اللبنانيين، حقهم باستلام أرباحهم المالية بملايين الدولارات أونلاين من منصات العمل عن بعد، وحقهم كذلك بمواكبة التطور الرقمي، حاصراً آليات تحويل الأموال المسموحة برمز "Swift" الخاص بالحساب المصرفي، وشركات تحويل الأموال، والتحويلات عبر شبكة البطاقات الإئتمانية المصرفية.

القصة تتجاوز "المركزيّ"

العام 2013 أعلن المدير العام لشركة "بايبال" في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الياس غانم أنّ تطبيق "بايبال" سيصل إلى لبنان قبل انتهاء ذلك العام، لكنّ واقع الحال اليوم يشير إلى ابتعاد فرص حصول ذلك أكثر من أي وقت مضى!

الصحافي المختص بالتكنولوجيا والأمن الرقمي عبد قطايا، لا يربط عدم إعطاء إجازة لـ"بايبال" بمصرف لبنان فقط، فهذا السبب ربما كان صحيحاً سابقاً، لكن اليوم وبعد تعمق الانهيار، لا تبدي الشركات الرقمية العالمية موقفاً واضحاً من نيتها أو اهتمامها بفتح حساباتها في لبنان، بينما تعزو ترددها غير المصرح به لدواع أمنية كـ"تبييض الأموال".

وأوضح قطايا في حديث مع "المدن" أن هذه الحجة تتعزز بحملة إغلاقات لحسابات لبنانية عبر منصات عملات رقمية أميركية مؤخراً، في طليعتها "بايبال" سواء للبنانيين عناوين حساباتهم في لبنان، أو حتى ذوي حسابات من جنسية لبنانية.

وفيما يتحايل لبنانيون على واقع الحال، فينشؤون حسابات "بايبال" بعناوين في الخارج، لتقاضي أموالهم، تنطوي هذه العملية على مخاطر أمنية رقمية عديدة، يتسبب بها المصرف المركزي بعدم تشريعه لهذه الحاجة العصرية.  فاللبنانيون يفتحون حسابات لهم عبر وسطاء في الخارج، ما يعرضهم لمشاكل جمة، كطلب الحساب إعادة كلمة المرور عبر الإيميل، أو طلب خطوات التحقق التي يمتلكها الوسيط، عدا عن أن هؤلاء الوسطاء الذين يتقاضون أجرة إنشاء هذه الحسابات، قد يستخدمون معلومات وبيانات هذا الشخص لاحقاً.

في المقابل، ربما تكمن الحلول بوضع عنوان حقيقي لأحد المعارف في الخارج، لكن هذا الحل لم يعد مضموناً اليوم، بعد أن أصبح إنشاء الحسابات اللبنانية محفوفاً بمخاطر إغلاقها، فقط لأنّ صاحبها "قاطن في لبنان" أو ربما "لبناني".

"بيكفي إنك لبناني!"

وفي حين كان لبنان يتغنى في سبعينيات القرن الماضي بنظامه المصرفي، ليلقب بـ "سويسرا الشرق"، بات التعامل معه اليوم، مثل البلدان ذات صيت "تبييض الأموال"، وأكثر!

وأشار خبير التحول الرقمي رامز القرا إلى أن مصرف لبنان لم يعط إجازة للمحفظة الرقمية وكل ما يندرج تحتها من منصات مثل "بايونير" (Payonner) و"بايبال" وكذلك العملة الرقمية "بيتكوين" وتعاملات "كريبتو"، بسبب طبيعة سياسة المصرف المركزي المسيطرة على تدفق الأموال والنقد، حيث لا يمكن السيطرة على أموال المحفظة الرقمية حال إجازتها في لبنان، لعدم مرور تعاملاتها بالمصارف والمصرف المركزي، فكيف الحال بتطبيق "بايبال" الذي قد "يخرب الدني" بالنسبة للمركزي، لسرعة انتشاره واعتماده لدى التجار والمطاعم والمستهلك اللبناني.

في المقابل، فسر القرا عدم رغبة "بايبال" بدخول لبنان بسببين: الأول هو أن السوق اللبناني الصغير بالنسبة لشركة بحجم "بايبال"، وهو أمر ثابت غير مستجد. والثاني غياب أي ضمانات قانونية تحفظ للشركة حقوقها بالملاحقات القضائية للمستخدمين، في ظل تحلل مؤسسات الدولة وحالة القضاء، ما ينعكس سلباً على الرغبة بالاستثمار في بلد على شفير الانهيار، مثل لبنان.

مصرف لبنان يحارب المحفظة الالكترونية

من جهتها، شددت أستاذة القانون المتخصّصة بالشأن المصرفي، سابين الكك على أنه "لا تبرير واضحاً أو مقنعاً في القوانين التنظيمية لمصرف لبنان لمنع بايبال، خصوصاً أنه متاح عالمياً". لكنّ الأكيد أنّ "تقنية استلام الأموال بالمحفظة الالكترونية تخفف من اللجوء للمصارف، بينما يحرص المصرف المركزي على مرور كل مصادر الأموال عبر النظام المصرفي، بهدف الاستفادة من مردودها التشغيلي".

ورأت الكك أنه لم تتوفر الحاجة لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة بعد لتشريع "بايبال" طالما أنه لا يعود بالفائدة على "كونسورتيوم" المصارف وشركات التحويل المالي، ولو أتى ذلك على حساب انغلاق لبنان على الفضاء المصرفي العالمي.

تحدي "الحرية الرأسمالية"

وفي وقت يدّعي لبنان "الحرية الرأسمالية"، فإن الواقع هو أن السوق المالي فيه احتكاري بامتياز. والموضوع يتخطى وضع عقبات لقبض الأموال من منصات العمل عن بعد عبر "بايبال" أو غيره، ليكون قمعاً ممارساً على اللبنانيين، عبر فرض أسلوب حياة ولّى عليه الزمن، بعدما تحولت المصارف في لبنان إلى مجرد "ATM" وتمت إعادة اللبنانيين إلى أيام "الدفع النقدي".

"مشاكلنا باتت خارج الزمان والمكان"، بحسب الكك التي بشرت بعودة لبنان على يد هذه السياسات المصرفية للعصر الحجري، غامزة من قناة إمكانية إعادة لبنانيين من بعض المطارات العالمية إذا لم يدفعوا ثمن رحلاتهم عبر البطاقة الإئتمانية، في وقت بات فيه حتى "فنجان القهوة" في بعض الدول، غير متاح شراؤه عبر النقد، ولو كان دولاراً فريش!

من جهته، أعطى خبير التحول الرقمي رودي شوشاني، مثالاً بسيطاً عن مشروع بمليون دولار بعقود الـ"NFT"، حققه لبناني عبر تطبيق "OpenSea" قبل إغلاقه في لبنان، لافتاً الى أنه بمجرد إقفال هذه المنصة في لبنان، لم يعد متاحاً لآلاف اللبنانيين استلام أرباحهم المقيدة فيه، وهو نموذج صارخ عن تداعيات الانهيار والسياسات المصرفية، على حياة اللبنانيين.

وفيما احتجز جنى عمر اللبنانيين في المصارف، يبدو أن لعنة تقييد أموالهم مستمرة حتى للدولار الفريش الذي قد يجنونه اليوم أو مستقبلاً، بشكل قصاص جماعي يدفعون ثمنه غالياً، ودائماً كنتيجة للأداء السياسي الذي أدى لانهيار الدولة ويبدو أشدّ فتكاً من الحروب، بدليل عمل "بايبال" في اليمن، ولو بشكل جزئي.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها