image
السبت 2022/11/12

آخر تحديث: 13:56 (بيروت)

بن غفير.. إرهابي بات "نجم" الانتخابات الإسرائيلية!

السبت 2022/11/12 أدهم مناصرة
بن غفير.. إرهابي بات "نجم" الانتخابات الإسرائيلية!
الإعلام العبري يشرعن تيار ايتمار بن غفير، المُقلق لأميركا وأوروبا والعرب، بعدما كان منبوذاً لسنوات
increase حجم الخط decrease
"صورة بن غفير القوية تعزز ردع إسرائيل لعدوها القريب والبعيد"، هكذا اختزل المحلل السياسي الإسرائيلي مردخاي كيدار، إجابته على سؤال مذيع قناة "مكان" العبرية، حول ما إذا كان تولي المتطرف ايتمار بن غفير لوزارة الأمن الداخلي سيفجّر الأوضاع في المسجد الأقصى.

هذه الإجابة لكيدار على الشاشة العبرية، تدلّل على انخراط الإعلام العبري، ومعه محللون وأكاديميون، في عملية شرعنة للتيار الكاهاني بزعامة بن غفير المُقلق للولايات المتحدة وأوروبا وللدول العربية، بعدما كان منبوذاً في إسرائيل لسنوات مضت.

وجاءت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة لتؤكد متغيراً لافتاً، ألا وهو صعود الصهيونية المتديّنة عموماً، والتيار الكاهاني خصوصاً، علماً أن الأخير هو تيار متطرف حظي بشرعية سياسية ومجتمعية وإعلامية متراكمة في الدولة العبرية، بعدما كان منبوذاً. إذ استطاع تيار بن غفير، بتحالفه مع بتسلئيل سموتريش، تحت عنوان "الصهيونية المتدينة"، أن يحصد 14 مقعداً (ما يقارب نصف المليون صوت انتخابي).

ما حكاية هذا التيار؟ 
يرمز تعبير الصهيونية الدينية في مدلوله العام إلى المستوطنين في الأراضي المحتلة العام 1967، لكن التيار له مقدماته وتحولاته، مع أن بن غفير محسوب على تيار فاشي مختلف عن الصهيونية الدينية، وفق متخصصين.

اعتُبرت الصهيونية في البداية علمانية، لكن إرهاصات تحولها للتدين جاءت بعد مصالحة قام بها الحاخام اليهودي الأرثوذوكسي أبراهام كوك، إبان الانتداب البريطاني لفلسطين، فاعتُبر مؤسِّساً للصهيونية المتديّنة، من منطلق أن الضرورات تبيح المحظورات.

وظل تيار الصهيونية المتدينة بعيداً من اللعب المباشر في السياسة والأمن، حتى حرب حزيران 1967. فما اعتبره أقطاب التيار "هزيمة مدوّية لأربعة دول عربية أمام إسرائيل في ذلك الوقت"، فتح شهيتهم لحالة انقلاب في التيار ورفع وتيرة تشدده وارتباطه المباشر بالاستيطان.

بدأ الحرس القديم في الصهيونية الدينية يتنبّه إلى ما يسميها "مقدسات اليهود" في الضفة الغربية وليس أراضي 48، لتشهد إسرائيل تحولاً آخر، مع دخول الفكر القومي الصهيوني إلى عقول المتديّنين، ثم قيام المتدينين بجهد عكسي متراكم لتديين الصهيونية والعلمانيين. 

ونتيجة لذلك، أخذ تيار الصهيونية المتدينة بالصعود، ممثلاً بحزب "مفدال" في سبعينيات القرن الماضي. وبينما ارتبط شبيبة الحزب بمنظمة "غوش ايمونيم" الداعمة للاستيطان، انقلب الشبيبة المستوطنون على حرسهم القديم في الحزب الصهيوني القومي، ذلك أن الجيل القديم حصر جهده في الدعوة الدينية وجوانب تعليمية واجتماعية، وهذا لم يشفِ غليل الجيل الجديد لحزب "مفدال" الآخذ في التشدد أكثر.

تيار مائير كاهانا
مع تحول الصهيونية الجديدة إلى مزيد من التطرف، ظهر تيار قادَه مائير كاهانا، مؤسِّس حركة "كاخ" التي اعتبرتها إسرائيل محظورة، وصنفتها الولايات المتحدة "إرهابية"، وكان كاهانا يدعو إلى تهجير كل الفلسطينيين، حتى تكون إسرائيل يهودية صافية. 

واللافت أنه حينما تمكن كاهانا من الدخول إلى الكنيست في ثمانينيات القرن الماضي، فإن رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق إسحاق شامير، رغم تطرفه هو الآخر، كان لا يحب الاستماع لكاهنا، فيقرر الخروج من الكنيست، كلما تحدث.

وبعد خروج كاهانا من الكنيست، بقي هو وفكره محظوراً ومنبوذاً في دولة الاحتلال، لكن مناصري فكره الإرهابي تزايدوا على مدار سنوات، ما انعكس في حجم اعتداءات مستوطنين على فلسطينيين. ولم يوقف اغتيال كاهانا على يد أميركي من أصل مصري في الولايات المتحدة، العام 1990، تمدد الفكر الكاهاني، وكان من مدرسته الإيديولوجية، باروخ غولدشتاين، الذي ارتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل بحق المصلّين الفلسطينيين فجر العام 1994.

الصهيونية الدينية
وراكمت الإيديولوجيا الإستيطانية جهدها، حتى عادوا مرة أخرى إلى الكنيست باسم حزب مختلف، العام 2009 واستمروا حتى 2013، ثم غابوا، ليعودوا قبل سنوات عبر بن غفير تحت عباءة حزب "العظمة اليهودية"، وهو تلميذ لكاهانا ولا يخفي تمجيده له، ويعلق صورته في منزله.

وبتقريب المجهر من لائحة "الصهيونية الدينية" التي تحالف في إطارها تيار بن غفير، وزعيم الصهيوينة الدينية بتسلئيل سموتريش، ليخوضا سوية انتخابات الكنيست، فإن المتخصص في شؤون الأحزاب الإسرائيلية، عمر ربيع، يرى أن تيار بن غفير مختلف عن الصهيونية الدينية، وأن تحالفه معه جاء بطلب من الزعيم الليكودي بنيامين نتنياهو، لمنع تشتيت أصوات اليمين، ولضمان فوزه برئاسة الحكومة المقبلة.

وقال ربيع لـ"المدن" إن تيار بن غفير وحده حصل على ستة مقاعد في الكنيست، وهو ما يوحي بتزايد حضوره و"شرعيته" في المرافق الإسرائيلية المختلفة. ووفق ربيع، يمثل بن غفير (تلميذ كاهانا) تياراً شعبوياً متديناً ليست له مرجعية دينية من الحاخامات، على خلاف الصهيونية المتدينة رغم تطرفها أيضاً، فضلاً عن أن إيديولوجيا بن غفير لا تعترف بالمؤسسة الإسرائيلية.

نخبة التطرف 
وتتخذ الصهيوينة المتدينة وكذلك التيار الكاهاني، من مستوطنات يتسهار وكدوميم وبيت إيل وغيرها في الضفة الغربية المحتلة، معقلاً لهما، فازدادا بروزاً خلال السنوات العشرين الأخيرة.

الواقع، أن تيار الصهيونية الدينية، ومعه تيار بن غفير، شكّلا معاً النخبة الإسرائيلية الجديدة بعدما كان يتصدرها الإشكناز العلمانيون. فتغلغلت النخبة هذه في كل مؤسسات دولة الاحتلال، من الإعلام إلى الجيش والسياسة والقضاء، وأيضاً المؤسسات الأكاديمية والبحثية، حتى أضحى أحد أبناء الصهيونية الدينية، وهو نفتالي بينيت، رئيساً للحكومة الإسرائيلية بالمناوبة مع يائير لابيد. وكان الرئيس السابق لجهاز الموساد، يوسي كوهين، قد نشأ صهيونياً متديناً، وهو ما يدلل على أن هذا التيار بات النخبة.

أما بن غفير، فينظر إليه المراقبون على أساس أنه متحالف مع الصهيونية المتدينة، لكنه ليس إبناً لها، وإنما هو من تيار أكثر إرهاباً ينادي بتطهير ما بين النهر والبحر من الفلسطينيين. ويتحدر بن غفير من العراق، وهو ما اعتبره الباحث الإسرائيلي مردخاي كيدار "عاملاً محفزاً لردع الأعداء العرب، لأنه يعلم عقليتهم".

الجدير ذكره، أن بن غفير، حينما تمكن من إزالة شعار موضوع على مركبة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين، قبل اغتياله، غضباً من اتفاق أوسلو مع منظمة "التحرير" الفلسطينية، قال: "طالما تمكنت من الوصول إلى مركبة رابين وإزالة الشعار، فإننا قادرون على الوصول إليه وقتله".

ولم يكن الإعلام العبري بريئاً من إبراز بن غفير، حينما ساهم في شرعنته قبل الانتخابات، عبر تعقب تصريحاته وجعله "نجم الانتخابات"، طلباً لتصريح مثير يجلب له سيلاً من القراء والمتابعين.
 
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها