image
الجمعة 2022/11/11

آخر تحديث: 18:12 (بيروت)

عبير.. والأزعر

الجمعة 2022/11/11 نسرين النقوزي
عبير.. والأزعر
increase حجم الخط decrease
"تناديه سيدي"، "غضب العاشق"، "دمية وراء القضبان"، "أريد سجنكِ"... ليست عناوين أفلام مصرية من صنف "المقاولات" الذي راجت نهاية السبعينيات كنتاج لمرحلة "الانفتاح". بل هي عناوين من سلسلة روايات عبير، التي أدمن على قراءتها المراهقون خلال فترة الثمانينات والتسعينيات.

ومَن لا يعرف "عبير"؟... أنا لا أعرفها شخصياً.. هل ثمة وجود لفتاة اسمها عبير؟ ليس مهماً، ربما، لكن المهم أنها، بحسب ويكيبيديا، الاسم المختار لسلسلة من الروايات الرومانسية العالمية المترجمة عن روايات أجنبية من أوائل القرن العشرين أو أقدم، منتقاة بعناية شديدة، تزخر بحمولة عاطفية عالية وتلتهب خلالها ثنائيات المشاعر المتناقضة مثل الحب والكراهية والعشق والرغبة والغيرة القاتلة.

والروايات تحمل عناوين مختلفة لقصة واحدة تقريباً: تتعرف الفتاة على رجل وسيم وقاس، تقع في حبه على الفور، لكن كرامتها لا تسمح لها بالاعتراف له. هو يذلّها ويعذبها، كمثال للرجل القوي، فتختفي من حياته ثم تعرف بعدها أنه يحبها وأنه هش من الداخل، لكن رجولته لا تسمح له بإظهار مشاعره ولذلك يختلق صورة الرجل القوي.

ومن وجهة نظر أدبية أكثر تخصصاً، يرى كثر من نقاد الأدب وأساتذته، أن هذه الروايات كرّست لتنميط والتسطيح في العقل الإبداعي الشاب. سمّاها ناشروها -افتراءً- روايات. وإلى جانب تسطيح المعالجات الفنية للقضايا، لم تعتمد على أي تقنيات أدبية حقيقية تمنحها القيمة، كما أنها بلا بُنية تقريباً، كتكرار لحكاية تلبي الغرض التجاري للناشر، أي البيع والربح والتسلية. لكنها، ورغم انعدام القيمة، رسّخت بعض الأفكار في العقل الجمعي للمراهقين، وأصبحت نموذجاً متداولاً لسهولة مفترضة ومُسلّم بها لكتابة "الرواية" وقراءتها.

وأصبح النموذج الكيتش، ومثلما انتشر في الأدب، متداوَلاً بكثرة في السينما والدراما، وتعداها للأنشطة الإنسانية، كنمط فني وحياتي، روجت له أنظمة الشرق للسيطرة على عقول المواطنين ومفاهيمهم وعواطفهم، لتسطيحها، ليسهل اختراقهم وتمرير موبقات الحكم السلطوي، من دون مقاومة. فالتجهيل والإفقار كانا الأداتَين اللتين أوصلتنا إلى ما نحن عليه الآن.



أفكر الآن في كمية المفاهيم الخاطئة الموجودة في هذه القصص، وأُذهَل بمفعول رجعي. مِن تعريف الرجولة، والحب، والمرأة. أربطها بعناوين مثل "ناديني سيدي" و"دمية وراء القضبان"، وأتذكّر أني كنت لا أنام قبل أن أقرأ قصة منها، وأستمتع وأحلم بهذا الفارس الذي سيأتي على حصان أبيض، لكنه لن يقبّلني إلا في نهاية القصة. وقَبل القُبلة، يجب عليّ أن أتحمّل الكثير من سياطه ومزاجه وغموضه. كل هذه السادية، تُعتبر دليلاً على رجولته، وكلما كانت فترة تحمّلي لها طويلة، كلما كانت نهاية العلاقة سعيدة. والسعادة بحسب "عبير"، هي الزواج والعيش في تَبات ونبات ونخلّف صبيان وبنات، من دون أن ندخل بعدها في التفاصيل الواقعية لهكذا شخصيات. إذ لا يفنّد الكاتب الشخوص داخل هذه الروايات، ولا يعطي للبُعد والتاريخ النفسي للشخصية أي أهمية. وكأن الرجل سيرمي هذا الطبع القاسي الصارم والمؤذي، عند عتبة الزواج في نهاية الرواية، ويدخل برِجلِه اليمين، بِطِباع ومعتقدات وشخصية ثانية.

لذا صرت كارهة النهايات السعيدة في القصص، لأن الحياة، بشكل عملي، لا نهاية لها كالأفلام. الحياة تكتمل بما حملناه معنا، وبما اخترناه في ماضينا. ندفع ثمن ما غضضنا عنه الطرف، وكنا نشعر أنه سيء، لكننا وبكل أسف استكملنا اللعبة وتمادينا في استيعاب صفات للشريك.

ولطالما استوقفتني فكرة حب الفتيات للأزعر أو الـBadboy، كما يسمونه في ما بينهن. رجل مثير، بعضلات مفتولة، أسمر، جذاب (في روايات عبير لديه أيضاً ندبة في وجهه لمزيد من الغموض)، بذيء اللسان، جريء، وخائن، يُعجب بكل الفتيات. تُغرِق، عندها، المرأة نفسها في الدوامة الجديدة، تضع مستقبلها تحت سيطرته، فرحة وفخورة.

وقد أُجري تحقيق صحافي مع عدد من الفتيات لسؤالهن عمّا يعجبهن في الـbadboy، فكانت الإجابة الأولى هي أن اختياره لهن يُعتبر امتيازاً، لأنه اختار الواحدة منهن، بالتحديد، من ضمن فتيات كثيرات متاحات له. كما أنهن يشعرن بالحماية معه. في الغالب، يعرفن أن العلاقة معه ستؤلمهن، لكنهن لا يفكرن في الارتباط به في المدى البعيد، بل كعلاقة عابرة، يُضفنها إلى سيرتهن الذاتية العاطفية. والملاحظ في الاستطلاع، أن الفتيات اللواتي أجري معهن التحقيق، كنّ من أعمار متفاوتة، ولسنَ فقط مراهقات. إذن، يبدو أن عيش مغامرة الفارس القوي، كتجربة، تجذب نسا كثيرات.

لكن السؤال المطروح دائماً من دون إجابة واضحة: هل يحبّذ الرجال هذه الصورة، فعلاً، عن أنفسهم؟! وهل كانوا يقرأون روايات عبير ليتعرّفوا على هذا النمط الذي عرفته المراهقات وحلُمن به؟ أظن، وبالاستناد إلى بعض الإجابات المتوارية حولي، لم يكن الصبيان يسمعون عن روايات عبير، أو أنهم يتجاهلونها كونها روايات تخص البنات. كانت تشغلهم روايات الجريمة المترجمة، مثل سلسلة "الشياطين الـ13" و"رجل المستحيل".. هذا بالنسبة لمَن سحبهتم القراءة في دوامتها. والبعض الآخر ممن لا يكترثون لأي قراءة، فكانت تعنيه الألعاب الإلكترونية الناشئة وقتها، وممارسة الرياضات المتاحة. وحين طرح سؤال: هل يحبذ أن يرى نفسه ذلك الـbadboy في عيون البنات، أجابت نسبة كبيرة من العيّنة الرجالية بالموافقة، إذ يؤكدون أن "الأزعر" مثار إعجاب وافتتان، سواء من البنات أو من الصبيان، لأنه دائماً القادر على الحماية المفتقدة، مثل بطل، سوبرمان، نجم لامع تُسلّط عليه الأضواء كونه يعيد الحق (تصور وهمي خلقته الدعاية الرأسمالية) للضعفاء.

مع مرور الزمن على أشباه "عبير" وشبيهاتها، ومع ثورة التكنولوجيا واسعة الانتشار، ماذا بقي منها لدى الجيل الذي قرأها وشبّ عليها، وهل ما زالت أفكارها راسخة في العمق النفسي لهذا الجيل؟ وماذا يقرأ المراهقون الآن؟.. إذا افترضنا أن فعل القراءة ما زال مؤثراً في بناء عقلية أبنائنا. والأكثر إثارة للاهتمام: ما هي الأنماط التي تفكر فيها المراهقات كتوصيفات لفتى الأحلام؟

يصبح دور الباحثين الاجتماعيين، شديد الأهمية في مناقشة مثل تلك الأسئلة. فبالإجابة عليها سنتعرف على المجتمع الذي نعيشه ونتاجه المستقبلي. دراسة المراهقين والمراهقات، نفسياً واجتماعياً، ستجيب عن سؤال مُلِحّ نطرحه كأُسَر ومهتمين بالكائن البشري في هذه المنطقة: ما الذي ينتظر الشرق في المستقبل؟ هل الصورة فعلاً سوداوية؟! أم إنها ليست بالسوء المُتصوّر؟ وما الذي يمكن أن نقدمه لتدارك سوداوية هذا المستقبل؟ كل تلك الأسئلة ضرورية ومسؤولية كبيرة علينا جميعاً، كأهل ومثقفين، كصحافيين ومتخصصين... لأننا من خلالها سنفهم غَدَنا، والأهم، سنفهم أنفسنا مع أولادنا. 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها