image
الجمعة 2022/11/11

آخر تحديث: 13:15 (بيروت)

حين تصبح الرعشة الجنسية دِيناً.. فضيحة شركة "طَعم واحد"

الجمعة 2022/11/11 محمد صبحي
حين تصبح الرعشة الجنسية دِيناً.. فضيحة شركة "طَعم واحد"
"صناعة الأورغازم: قصة طعم واحد"
increase حجم الخط decrease
الجنس يبيع، لا شكّ في ذلك. التخيّلات والتابوهات والحرمان... هناك طرق عديدة لتوظيف فضول البشر ورغباتهم في صالح علامة تجارية أو مُنتج أو فكرة. و"نتفليكس" تأخذ زمام المبادرة لتعريفنا بواحدة من تلك الدجاجات التي تبيض ذهباً: OneTaste أو "طَعم واحد"، وهي شركة تأسست في معقل الشركات الناشئة وخبراء التكنولوجيا وأرض الابتكار، في ساحل كاليفورنيا الأميركية، ووعدت بـ"التنوير الروحي والتواصل الإنساني من خلال رعشة جماع أنثوية تدوم 15 دقيقة". 

نعم، كما قرأتم بالضبط. ومع ذلك، فإن ما بدأ كفكرة/شركة تتمحور حول مبادئ وشعارات جميلة وطيّبة، مثل تمكين المرأة واستعادة الحقّ في الإشباع الجنسي، تحوّل إلى طائفة أو دِين جديد وغريب تولّت "نتفليكس" مهمة كشفه في فيلم وثائقي كاشف ومُربِك.

"صناعة الأورغازم: قصة طَعم واحد"، من إخراج سارة جيبسون وسلون كليفن، يجمع بين أكثر من مجال واهتمام. فهناك جانب اقتصادي، وآخر روحي/ديني، وآخر مجتمعي، وهو يأتي ضمن ترند إنتاجات تلفزيونية أميركية لكشف الغسيل القذر للقادة الروحيين المعاصرين وروّاد الأعمال الساقطين في وادي السيليكون. وثمة حلقة متكررة يدور فيها إنشاء وظهور تلك الإنتاجات. 

أولاً، يُثار الموضوع من خلال قصة استقصائية قوية. يتطاير الريش داخل الصناعة. يلاحظ صنّاع الفيلم المقالة ويتصلون بالكاتب. ثم يأتي الفيلم الوثائقي، الذي يعرض قصة عن شركة ثورية في وادي السيليكون ومؤسسها الجذاب لكن الغامض.

تتطابق العملية: البدايات القوية والواعدة، مرحلة شهر العسل، الشهادات السعيدة، النغمات الداكنة، التناقضات، الادعاءات، الانهيار. (في مرحلة ما، سيظهر اسم الممثلة غوينيث بالترو بشكل مباشر أو غير مباشر). ثم يأتي المسلسل القصير، من بطولة نجوم الصف الأول الذين يقدّمون أدواراً ترشّحهم لجوائز إيمي. وبعد ذلك يفور الإنترنت بصدمات واندهاشات روّاد مواقع التواصل مما شاهدوه لتوّهم.

"صناعة  الأورغازم" هو المرحلة الثانية من تلك الحلقة، إذ يروي قصة تحذيرية حول شركة ناشئة في مجال الصحة الجنسية تسوء أمورها كثيراً. وهو يلتزم بجميع الأعراف المعمول بها: إجراء مقابلات مع الكاتبة/الصحافية، ومع الأعضاء والموظفين السابقين في الشركة، ورصد تأييد المشاهير في أوج ازدهارها (بالضبط، هنا تحضر بالترو)، وفي النهاية، الضحايا وعائلاتهم. لقطات ما وراء الكواليس - والتي تتضمن، من بين أشياء أخرى، جلسات جنسية (مع وجوه مموّهة) وعروضاً توضيحية حية - تأتي من مصور فيديو سابق للشركة.

لكن المفارقة أن هذا الفيلم الوثائقي عن صعود وسقوط شركة، غذّت أعمالها بالأكاذيب، متورّط بدوره في إشكال أخلاقي. فـ"نتفليكس" متهمة باستخدام لقطات وصور من دون موافقة أعضاء حاليين وسابقين في الشركة إلى جانب مشاركين (وجوههم غير واضحة في الفيلم)، وهم يقاضون الآن المنصة. وهذا، في الحقيقة، إدعاء يصعب بلعه، نظراً إلى أن معظم هؤلاء الأعضاء كانوا في يوم من الأيام جزءاً من منظمة أعلنت بفخر عن "العافية القائمة على الرغبة" في مقاطع الفيديو، ولسنوات، حتى انهار كل شيء بالطبع. المهم، أن الفيلم، حتى الآن، متاح للمشاهدة. 

تماماً كما فعل مسلسل The Dropout في التأريخ لخداع المحتالة إليزابيث هولمز (مؤسسة شركة ثيرانوس لتحاليل الدم)، أو الانحدار المشهود لمؤسس شركة "وي ورك" آدم نيومان في مسلسل WeCrashed؛ يتعمّق هذا الفيلم الاستقصائي الجديد (المستند إلى تحقيق استقصائي نُشر في بلومبرغ) في قصة تجمع الرأسمالية بالجوع الروحي والهوس المجتمعي، عبر فكرة طمحت صاحبتها إلى الذهاب بعيداً في عالم الصحة و"العافية" wellness، لكن انتهى بها الأمر في الوحل، واختفت من على رادار وسائل الإعلام ويتم التحقيق فيها الآن من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي بناءً على مزاعم الاتجار بالجنس والإساءة للمشتركين.


ظهرت شركة OneTaste في ساحل كاليفورنيا، مطلع القرن الجديد، مع مؤسِّستها الكاريزمية نيكول ديدون. حققت محاضراتها الشبيهة بمحادثات "تيد" نجاحاً كبيراً على "يوتيوب"، ما أدّى إلى خلق نقاش وفضول حولها، فتسلّقت مراتب الشركات الناشئة في وادي السيليكون من خلال بلاغتها وفكرة تتمحور حول ما أسمته "التأمل من أجل بلوغ النشوة الجنسية"، والمعروف أكثر باسمه المختصر OM (حيلة تسويقية مثالية أخرى).

للتوضيح، هي تقنية تركّز على لمس بَظَر المرأة بحركات محددة من الإصبع ولمدة 15 دقيقة حتى بلوغ الأورغازم أو النشوة. لكن بعيداً من هذه التقنية، فإن ما قدّمته نيكول في الأساس هو تمكين النساء جنسياً، وعبر هذا الخطاب استطاعت جذبت الآلاف من الأتباع والتابعات في هذه الأثناء. من نساء ساعيات إلى الشعور بمزيد من الثقة في أجسادهن وحياتهن الجنسية، إلى رجال بقلوب مكسورة أو يعانون مشاكل متعلقة بعلاقتهم مع النساء.

نمت الشركة إلى حدّ أنها توسّعت خارج حدود الولايات المتحدة، وقدّمت دورات وورش عمل، وحتى إنها عرضت عضوية سنوية تكلّف حوالى 60 ألف دولار. كما استحدثت برنامجاً تدريبياً خاصاً لأي شخص يريد أن يصبح خبيراً في هذه التقنية. عبر أرشيف وافر من الفيديوهات والصور - الترويجية في أغلبها - يتضح للمشاهد كيفية إتمام تلك الممارسات والجلسات الخاصة، مع الكثير من الاتصال والحميمية، بما إنها اعتمدت حرفياً على وضع امرأة نصف عارية على طاولة أو على سجادة، وكشف أعضائها التناسلية للجمهور، بينما يُعمل خبير الـOM إصبعه فيها لإيصالها إلى ما تريد الوصول إليه. جذب صعود الشركة انتباه المشاهير مثل غوينيث بالترو -واحدة من أكبر المؤثّرات الشهيرات في عالم ما يُعرف بـ"العافية"- التي ظهرت نيكول ديدون في إحدى حلقات البودكاست الخاص بها. 

ونظراً لأن الفيلم يعرض شهادات من أعضاء سابقين في الشركة-الطائفة ولقطات أرشيفية مسجلة (تغطّي 15 عاماً) من الفعاليات والمحاضرات والمحادثات والندوات نفسها، فإنه ينجح في نقل تأثير نمو الفكرة، وكذلك الغسيل القذر لسقوطها. لأن ما بدأ كرسالة لتمكين المرأة انتهى بتشويهها إلى دين مشبوه، كانت فيها نيكول زعيمة تمارس كل أنواع الشعوذات على مريديها وضحاياها. كعادة غالبية إنتاجات "نتفليكس"، يجتاز الفيلم أكثر من نصف مدته حتى يصل إلى هذه المرحلة، ومن هناك ننزل إلى أغوار أكثر ظُلمة وإرباكاً في تاريخ الشركة الناشئة الواعدة بتحرير النساء ومنحهم "الغاية الأسمى" للوجود.

تقنية الخنزير الجنسية
تتوالى شهادات العديد من الأعضاء السابقين ممن تحدثوا عن التلاعب والأذى النفسي الذي تعرّضوا له. يقدمون أمثلة على مواقف مرّوا بها تحت قيادة نيكول، مثل الاضطرار إلى التنكّر كخنازير في فعاليات جنسية لجذب جيوب العملاء الذكور الذين دفعوا عشرات الآلاف من الدولارات "لتعلّم" التقنية. واحدة من العاملات السابقات في الشركة تقول إنه، مع الوقت، اتبعت الشركة سياسة/فلسفة تقتضي بأن يمارس الموظّف "التأمل الأورغازمي" مع المختلفين معه. بعبارة أخرى، إذا كان هناك شخص ما يزعجك أو يضايقك، فالحلّ يكون بمضاجعته.

يتحدث الفيلم عن إمبراطورية أنشأت خزانة جنسية، بمصطلحاتها الخاصة، وقدّمت الإثارة الجنسية كغاية لمُعاش النساء، كوسيلة لشعورهن بالتمكين، بدلاً من تمكين رغباتهن وقدراهن على الاختيار وقيمتهن. تكشف بعض النساء اللواتي ترقّين داخل الشركة، كيف شعرن بالتلاعب النفسي من قبل المؤسِّسة، وكيف قمعن رغباتهن الحقيقية في سبيل إرضاء هذه القائدة الكاريزمية، مع ذكر تقنيات الإذلال والإيذاء النفسي (وتبريراتها أيضاً) كأنها عقيدة دينية تتسامى فيها أرواح المؤمنين باقتراف بعض الممارسات الغامضة البغيضة.

التأمل الأورغازمي
من حيث خلاصته، يمكن تلخيص الفيلم في دقيقتين ونصف الدقيقة فقط. في افتتاحيته الأشبه بشريط دعائي، والكفيلة بإغراء المشاهد المتمرّس لمشاهدته على الفور، يمرّر الفيلم جوهره: شركة ناشئة ناجحة تستخدم ما تسمّيه "التأمل الأورغازمي" مستهدفةً افتقاراً مجتمعياً ملحوظاً لدى الأفراد والزبائن المحتملين في ما يتعلّق بالمتعة الجنسية، ثم (بطبيعة الحال) تنتهي الأمور إلى كوم من الفضائح والانتهاكات الجنسية والسلطوية.

الشخصية المركزية هي نيكول ديدون، مؤسِّسة OneTaste، وهي سيدة أعمال أرادت الوصول للقمة، امرأة شابة جذّابة تملك حضوراً لافتاً ولساناً مؤثراً. أينما حلّت معلّمة الجنس لمحاضرة الجمهور، تمكّنت من إقناعه بأهمية رعشة الجِماع الأنثوية وجميع الطرق المختلفة التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك. وهكذا، تبني لنفسها سريعاً جمهوراً تابعاً من النساء "المتحررات" والرجال "المستنيرين"، الذين يفقدون أنفسهم بمنتهى الحب والسرور في مجتمعهم/ها الشهواني، في مكان ما في أرض الأمل والأحلام.

هؤلاء الرجال والنساء أنفسهم، بعدما استعادوا وعيهم، يروون قصتهم في فيلم يفي بمراده ويقع بدقّة في مكان ما بين أعمال تحذيرية أخرى، مثل "السير بوضوح: السيانتولوجيا وسجن الإيمان" و"النذر" و"المخترعة: الخروج من أجل الدم في وادي السيليكون". ذكرياتهم مصحوبة بمصطلحات مهنية مثل "الجنس البطيء"، "إعادة التوازن إلى النشوة الجنسية"، "نشر الإصبع الذهبي"، "الاعتداء الجنسي الماهر" (والذي يرقى إلى حدّ التغاضي عن الاغتصاب). واحداً تلو الآخر، أُدخلوا في التجربة، وتمرّسوا في الطائفة، واستطاعوا تجاوز حدودهم الخاصة من قِبل امرأة تتباهى بماضيها المظلم والغامض، تزعم أنها كانت عاملة جنس بأجر عالٍ.

تتعامل جيبسون وكليفن مع هذا بطريقة محدودة للغاية. وحتى البيان التالي، اللافت والمحيّر، من نيكول ديدون، لم يُستكشَف أو يتم التحقُّق منه على الإطلاق: "اغتصب والدي 52 طفلاً وتوفّي في السجن، لكني لم أفكر أبداً في أنه رجل سيء"، تقولها بابتسامة مشرقة لجمهور متوهّج لا يرفّ له جفن، ثم تواصل "خطرت لي فكرة أنه كان شديد الاتساع ورباعي الأبعاد لدرجة أنه لا يستطيع أن يتصالح مع قوانين البُعد الثالث. كانت تلك هي جريمته الوحيدة. قد يفكّر الآخرون بشكل مختلف".

لكن الفيلم لا يعلمنا ولا ينشغل بمعرفة تاريخ نيكول قبل أن تصبح ما أصبحت عليه، ولا يحكم عليها أيضاً. بل يسلّط الضوء على الدواخل المثيرة للدِّين الذي سرعان ما صارته شركتها OneTaste (تعمل الآن تحت اسم معهد OM). في هذه الأثناء، يمكن لأحد المشاهدين التساؤل حول كيف لكل هؤلاء الشباب الواعدين والآخَرين الأكثر خبرة في الحياة، أن يستمروا في الوقوع في براثن الحديث المعسول لبائع/بائعة بالولادة لا ينفكّ يردّد رسالة بسيطة مفادها "كُن نفسك الآن"؟

الحب والتفهّم والانتباه
والجواب بسيط جداً لدرجة أنه يمكن إعطاؤه أيضاً في دقيقتين ونصف (أو كلمة أو عشر كلمات): الحب والتفهّم والانتباه، ثم التذكير بتلك الأشياء الثلاثة في كلّ مرة. تقول إحدى العضوات السابقات "لقد سئمتُ للغاية من سماع كيف يمكن أن يحدث هذا لفتاة ذكية مثلي، أو كيف أمكنني السماح بحدوث ذلك... إنهم يبدأون بالحبّ. ما يسمّى بقصف الحب. يجعلونك تشارك وتشعر بأنك مميز وقيّم. ثم يأخذون ذلك بعيداً ويدفعونك إلى الهاوية".

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها