image
الأربعاء 2022/10/26

آخر تحديث: 12:55 (بيروت)

"بونسوار"، فـ"أهلين"، فتحوّلتُ من فريسة إلى أخت

الأربعاء 2022/10/26 آية الراوي
"بونسوار"، فـ"أهلين"، فتحوّلتُ من فريسة إلى أخت
"بورت دو سان دوني" في باريس (بوريس سفارتزمان)
increase حجم الخط decrease
أعبر شوارع باريس، بين الأضواء والزحمة والمقاهي الجميلة وطاولاتها الصغيرة الملوّنة. الجميع تقريباً أنيق، سعيد، أناس أنهوا عملهم وخرجوا يتسامرون ويشربون ويتبّضعون. أناس بلا عمل هائمون في المدينة، فنّانون على باب غاليري، يدخّنون في الخارج بأزياء غريبة، بعض الموظّفين والسيّاح هنا وهناك: في هذا الحي تبدو الحياة سهلة، شاعرية، رومانسية، نظيفة!

أعود ليلاً إلى الضاحية، أصل إلى محطة سان-دوني، وأمشي في الشارع، فيعتريني عند خروجي بعضٌ من الخوف. هذا الخوف الذي انزرع في نفسي شيئاً فشيئاً من كثرة ما سمعت في المنطقة، قصص اعتداء على النساء، سرقة، إلخ. شخصياً لم أواجه موقفاً مماثلاً، أقلّ مما رأيت في شارعنا في بربور مثلاً، حيث في التسعينات شهدت أكثر من حادثة سيئة. لا أعرف إن كان صغر السنّ أو قلة الحيلة أو سوء الحظ، أو تكاثر ظواهر ما بعد الحرب من عنف واعتداء مجاني وتحرّش، أو كل هذه العوامل مجتمعة.

أخرج من المترو ولا أرى إلا رجالاً وشبّاناً في الشارع: احتلال رسمي وصريح للمساحة العامة. يتجمّعون لبيع الدخان المهرَّب، يقفون ساعات وساعات لا أعرف لماذا. هل هي البطالة؟ أم أنهم شباب الـcités، مجمّعات السكن الاجتماعي التي استقبلت خلايا إرهاب وتجارة مخدرات؟ (هل كانت هذه الظاهرة الاجتماعية سبباً أو نتيجة لسياسات التهميش؟ الموضوع مركّب ومعقّد أكثر من أن نخوض تفاصيله في مقالة).

أمشي قليلاً، فيقول لي شاب "بونسوار"، بلكنة غير فرنسية. لكنة عربية أعرفها جيّداً. أجيب بالعربية "أهلين"، لتسخيف الموقف وتغلّباً على ارتيابي، وربّما لإحداث صدمة إيجابية. فوجئ الشاب بإجابتي وابتسم وسارع للقول "صحّيت"، وهي باللهجة التونسية تعبّر عن الاستحسان:  فتاة عربية تجيب بهدوء، يعني بكلمة واحدة تحوّلتُ من فريسة إلى "أخت" لا يجوز إزعاجها. كانت النتيجة التي أردتها، وقد خاطرتُ بعض الشيء طبعاً، إذ لطالما نُصِحنا بعدم "الأخد والعطا"، لكنّي سئمتُ الصمت والتحمّل. أمشي قليلاً وأستقلّ الترام تفادياً للأزقّة. الركّاب من كل الأجناس والأشكال. أناس مُرهَقون، ناعسون. بانوراما مختلفة كلياً عن حي "سان لازار" الساحر برونقه ومطاعمه وعماراته وسكّانه.

شارع واحد في باريس قد يفصل بين عالمَين، بين مجرّتين، مثل الفرق بين شارع مونو في بيروت وحي اللّجا مثلاً. في الترام عمّال عائدون إلى منازلهم البعيدة، لا أحد يبدو على وجهه الارتياح. لا أحد. ربما سيدة من مالي فحسب، تسكن في عمارتي، تمشي بهدوء بملء جسدها وملابسها البهيّة وإكسسواراتها وربطة رأسها. في الترام شعب مسحوق يعود أدراجه بعد يوم عمل شاق في بلد استعمَر بلاده ونهَبها ذات يوم. مع تواطؤ حكّامها أم لا، هذا موضوع آخر.

شاب عربي السحنة، يُخرج قمقم عطر صغيراً، من تلك العطور المرّكبة التي تباع في الأسواق الشعبية، ليعطّر رقبته بالمسك. ربما للقاء حبيبته، أو ربما للطهارة استعداداً لصلاة العشاء. هل هذه هي اللحظة الألطف في يومه؟ رجلٌ آخر ينظر في هاتفه مأخوذاً بفيديو مباراة رياضية. امرأة عابرة جنسياً تقف بحذر وحدها، وتشدّ على محفظتها… هنود وبنغال ومغاربة وأفارقة. كلهم مُتعب. أشعر بالغضب لأسباب عديدة ومتضاربة…

أصل إلى المنزل الذي استأجرته من زميلي الفرنسي. أراقب المنحوتات والتذكارات التي جمعها من بلاد زارها خلال عُطلاته الطويلة. هذا القناع من قبيلة تانزانيّة، على الرفّ إناء خزفيّ من القدس، سلحفاة من السنغال، سجادة أمازيغية، بطاقات وأغراض من كل هذه البلدان "الأكزوتيك"، وطبعاً  إناء من الزعتر. تُعجبهم أزياؤنا وحرفّياتنا وأطباقنا. يشعرون بالحياة عندما يتجوّلون في بازارات الخُضار الجزائرية. يستحوذون على الفولكلور لأغراض تزيينيّة بحتة، للموضة، للديكور، لأن ذلك جذّاب وكوزموبوليتي ويعني أنهم مُلمّون بثقافات البلدان "الأقل نمواً"، حسب التسمية الأكثر صوابيّة سياسياً في الوقت الحالي. قد يكونون من اليسار أو اليمين المنفتح. لا يهمّ. فكرة الاستحواذ appropriation أصبحت هوساً يسكنني ويطاردني. في الموسيقى، يريدون تعلّم آلاتنا، ويعتقدون أنهم أجادوها وفهموها بمجرد عزف تشكيلة من الأغاني التراثية (طبعاً "موسيقى الشعوب" سهلة بالمقارن مع عظَمة السيمفونيات). في الملبس، يريدون تطريز فساتينهم برسوم خطّتها أنامل جدّاتنا، في معارضهم يبيعون قطعاً حِرَفية باهظة اشتروها من المغرب ومصر وغيرها بأرخص الأسعار. في الرقص يرتدون بذلاتنا ويدافعون عن حرية التعبير والجسد…

أقول لنفسي: لكنك تؤمنين بكَونيّة الفن. نعم، عظيم. ولماذا أشمل نفسي تلقائياً في خانة المستحوَذ وليس المستحوِذ؟ وما الخطب في الأخيرة أصلاً؟ ألا يحقّ لي مثلاً أن أدافع عن حقوق بعض الأقليات، ولو لم أعانِ ما عانَته في تاريخها؟ أو أن تستهويني موسيقى البلوز؟ أعلم أن هذا الخطاب سيف ذو حدَّين…

لكن أن أخرج مرتديّة زي نساء الـSioux مثلاً، مثلما تتباهى الأوروبيات بلباس الأفغانيات. لا. وأتمنى ألّا أفعلها أبداً.

ما أفكّر فيه وما أقوله، لا يهم. يبقى الواقع هو هو. هؤلاء الناس معظمهم لا يرقص إلا في أعراسه. يرتدون الجينز صباحاً، ويعودون في المترو ليلاً جاحظين في فراغ هواتفهم. يشاهدون نشرة الأخبار عن آخر حرب أو ثورة، وينامون على فراش صُنع في الصين. أما قناع الطوطم والفستان المطرّز، فيُباع في سوق الأحد.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها