image
الخميس 2022/10/13

آخر تحديث: 11:10 (بيروت)

عندما يستعين الخمينيون اللبنانيون بويليام جيمس

الخميس 2022/10/13 يارا نحلة
عندما يستعين الخمينيون اللبنانيون بويليام جيمس
تظاهرة إيرانية في بولندا: "حتى لو لم تنجُ سوى امرأة واحدة لترقص فوق قبوركم، فهذا نصر لنا" (غيتي)
increase حجم الخط decrease
تتواصل انتفاضة النساء في إيران ويزداد خطابها جذريةً، بشكلٍ لا يدع مجالاً للبس أو التشكيك في إرادة الإيرانيات، وفي ما تقاسيه هذه الإرادة من قمع واضطهاد. أما أتباع الجمهورية الإسلامية في لبنان، أولئك الذين يعدّون أنفسهم أنصاراً للمرأة الإيرانية، فيركنون الى استراتيجيتهم المعهودة عند انكشاف إحدى خرافاتهم، من خرافة المقاومة الى خرافة تحرير المرأة. استراتيجية دفن رؤوسهم في الرمال وصمّ آذانهم عن صرخة الإيرانيات، لتشرئبّ الأعناق بين حين وآخر وتدلي بدلوها، مموِّهةً العبث بأنساق المنطق السفسطائي الذي يدافع عن القمع باسم الحرية، وعن الإسلام باسم الفلسفة، وعن اغتصاب الإرادة والاجساد باسم التحرر والعفة.

فكما وجد النظام الإيراني تخريجةً للتحايل على الله وحكم الشرع، بعدم جواز إعدام العذراوات (وبذهاب العذراوات إلى الجنة)، وذلك عبر اغتصاب الحرس الثوري للسجينات قبل إعدامهن، يجد أبواق هذا النظام تخريجات مماثلة لصون خرافة سكنت مخيلتهم طوال أربعين عاماً. وإذ بهذه الخرافة تصطدم برفض النساء الإيرانيات وتكذيبهن لها، فيتم التحايل على الواقع بالحجّة التي لا تتفق مع نفسها أو مع التجربة، فلا تفضي الى مغالطات منطقية فحسب، بل إلى إنكار متعمّد ومتعنّت للواقع.

الحُجّة الأولى: مجرّد قانون
من الحجج المتكررة في الدفاع عن إلزامية الحجاب في إيران، أن الأمر لا يتعدى كونه "محض قانون سطحي"، وهو بالتالي لا يتعارض مع حرية المرأة. إن تتفيه القانون على هذا النحو أمر مثير للاستغراب، وكأن قوننة الإكراه ومأسسته تنزعان عنه صفة القمع. فمنذ متى كان فرض "الفرائض" بقوة القانون أمراً سطحياً؟ أوليس القانون، في العالم الديموقراطي الحديث، الذي لا تعرف الدولة الإيرانية ما إذا كانت جزءاً منه أم لا، المرادف الأول للسلطة، وأداتها الأساسية في فرض العدالة أو طمسها؟

مفردة "سطحي" هنا تشير في الغالب الى رمزية الحجاب بحسب النموذج الإيراني، باعتبار المنديل الذي تسقطه النساء غير المتديّنات على رؤوسهن تماشياً مع أحكام القانون، ليس حجاباً فعلياً، وانما مجرّد رمز من رموز النظام الإسلامي الذي يعِشن في ظلّه. ولطالما كانت هذه الرمزية حجة أنصار الخمينية في لبنان عند دفاعهم عن نموذج الجمهورية الإسلامية ضد الهواجس اللبنانية بشأن فرائض اللباس وغيرها. فكم من مرة سمعناهم يرددون أسطوانة "لا حجاب إلزامياً في إيران، إنه مجرد منديل، تفصيل لا أهمية له، ما دام يتيح للمرأة اظهار غرّتها أو ذقنها..". لكن هذا التفصيل غير المهم أودى بحياة شابة في الحادية والعشرين من عمرها، أفيظل تفصيلاً؟

الحُجّة الثانية: البراغماتية
إن هذا القانون التعسفي الذي أودى بحياة مهسا أميني، ومن بعدها عشرات الإيرانيات والإيرانيين، هو في تصنيف البعض، "قانون سطحي". فخلفياته محض براغماتية، وهدفه رسم حدّ واضح وملموس بين الخلاعة والحشمة. فإذا سقط هذا الرمز، عند أي حدّ تتوقف فريضة الالتزام بالحشمة؟ يتساءل أحد الحريصين على جسد المرأة، عند الشورت؟ أو عند المايوه؟؟؟! يقول بدهشة ورعب إزاء العار الذي توحي به كلمة "مايوه". لا يرى المُحاجج هذا من داعٍ لمواصلة النقاش وتدعيم موقفه بحجج إضافية. فعند فكرة المايوه، ينتهي كل نقاش أو مجال للتفاوض. ومن هنا يمكن فهم وصف الحجاب الإلزامي، بالسطحية. فسطحيته هذه تجعل كل ما هو دونه أمراً غير مطروح بتاتاً، وخارج أي قدرة عقلية على التصوّر.

أما النخبة الخمينية المثقفة فتذهب بذريعة البراغماتية، أبعد من ذلك، مستعينةً بنظريات سياسية وفلسفية، مثال الفلسفة البراغماتية للمفكّر ويليام جيمس. المثير للسخرية هو أن أول ما يتم الاستنجاد به هو فلسفة أميركية الصنع والهوية، بل إنها ما يسمّى "المساهمة الأميركية الأبرز في ميدان الفلسفة"، ويمكن حتى القول أنها الأرضية الفلسفية التي بُنيت عليها هوية "العدو" السياسية.

ويعتمد هذا التيار الفكري على المنهجية التي تتوخى المعرفة من زاوية فعاليتها، لا من زاوية الحقيقة المطلقة، وعلى هذا الأساس يبرّر نفعية المعتقد الديني بما هو حاجة إنسانية للإيمان بسلطةٍ عليا. وفيما تجيز هذه النظرية الإيمان المطلق، فإنها ترفض الحقيقة المطلقة، وهي في النموذج الإيراني لا تتوقف على قدسية الله والإسلام فحسب، بل تشمل أيضاً سلطة الولي الفقيه المطلَقة.

ويتجلّى الطابع الأميركي لهذه الفلسفة في قول جيمس بأن فهم الحقيقة يستدعي التفكير في "القيمة النقدية" cash value، العملية للأفكار والعقائد. فالفكرة لا تكتسب شرعية إلا من حيث نتائجها التجريبية والعملية. يشاهد العالم بأسره اليوم نتائج التجربة الإيرانية، وما تمخّض عنها من عنف وإكراه، ناهيك عن الظروف السياسية والاقتصادية المتردية. فأين هي القيمة النقدية التي يتباهى بها أتباع البراغماتية الخمينية في ظلّ الرفض الذي تعانيه في عقر دارها؟

الحُجّة الثالثة: تحرير المرأة
يعتزّ أنصار الجمهورية الإسلامية بإنجازها المتمثل في طرح نموذج المرأة المغايرة عن النموذج الغربي الذي "يسلّع" جسد المرأة، والشرقي الذي يحدّد دور المرأة في التزاوج والتكاثر، ويمنعها من المشاركة في الحياة العامة. أما الفلسفة التي يختارون مسخها في هذا السياق، فهي النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت، خصوصاً يما يتعلّق بنقدها للحداثة الغربية والعقلانية الأداتية التي أدّت الى استلاب العقل والذات.

ما البديل إذن عن استلاب الرأسمالية الغربية لجسد المرأة وعقلها؟ إنه، وفق النموذج الخميني، الاستلاب المباشر والواضح، وضوح آثار العصي والجَلد على ظهور النساء، وحروق الأسيد على وجوههن. فبقوة السّوط، حرّرت الخمينية جسد المرأة الإيرانية من التسليع، كما حرّرت المرأة المتدينة التي اضطرت، إبّان عصر الشاه، التزام منزلها، والاحتجاب فيه، بسبب خيارها بارتداء الحجاب. أما المرأة التي ترفض الحجاب اليوم، وتضطر الى الاغتراب خارج موطنها، فلا شأن لنا بها. فهي في نهاية المطاف امرأة كافرة، وهنا جوهر الحديث والحجة.. فلا داعي إذن لكل ما سبق.

العتب على نظامنا التعليمي؟
في أحد النقاشات الدائرة في مواقع التواصل، وجدت معلّقاً يتساءل: "كم من شاب يتعرّض للتلطيش حين يرتدي الشورت؟ وفي المقابل، كم من أمرأة تتمّ مضايقتها والتحرش بها إذا ارتدت الشورت؟". بدا هذا التعليق في قمة التقدمية، وسط مجموعة من الآراء المدافعة بشراسةٍ عن الحجاب القسري، إذ يتوقع منه القارئ أن يقود منطقياً إلى نقاش حول المسؤولية الذكرية تجاه سلوكه المسيء لجسد المرأة. لكن لا. اتخذت الحجة منعطفاً مفاجئاً في حدّته، لتنتهي بدعوة المتناقشين إلى "حمد الرب على أننا نحيا في مجتمعات محتشمة"، حيث يُعفى الذَّكَر من مسؤولياته وحشمته.

بصرف النظر عما إذا كان أصحاب هذه الحجج ومطلقوها يؤمنون بها حقاً، أم أنهم يختارون الخداع والتضليل عمداً، فإن رداءة هذه الأنساق من الاستدلال المنطقي، تدفعنا الى الإقرار بأن دروس المنطق الرياضي، والفلسفة، كما تقدّمها مناهجنا التربوية، قد خذلتهم وخذلتنا جميعاً.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها