آخر تحديث:18:23(بيروت)
الخميس 13/01/2022
share

التفاهة التي لا تُواجَه إلا بالعبثية

نجلاء أبومرعي | الخميس 13/01/2022
شارك المقال :
التفاهة التي لا تُواجَه إلا بالعبثية
نعم، كنت ممن حضروا ذلك الفيلم وأكملوه حتى شارة الختام وما بعدها... واستمتعوا به.
غني عن القول عن أي فيلم أتحدث. إنه الذي أُشبع تغريدات وتعليقات ونصائح وإرشادات حتى قبل أن يتسنى للنقاد وأصحاب الاختصاص حتى أن يستجمعوا أفكارهم ومفرداتهم حوله. أظن أنني لم أكن الوحيدة من بين كثر ارتأوا، خلال يوم الميلاد أو بعده، أن يمنحوا أنفسهم جرعة من التلهي التام عن مآسينا الخاصة والعامة، وما أكثرها من دون إسقاطات كبرى، لا ذائقية ولا سياسية ولا فلسفية.

لذا شاهدت “Don’t Look Up” فور إصداره على المنصة الشهيرة. أمضيت أمسية ضحكت فيها كثيرًا. سخرت فيها مع السخرية المتعمدة المقدمة من خلال المبالغات والرسم الكاريكاتوري لبعض المواقف والشخصيات. واستذكرت بذلك محطات سياسية وثقافية ومهنية، على قدر ما هي مقلقة في سياقها الواقعي المعاش، على قدر ما كان استحضارها متخففًا من كل الاضطراب المتوقع أن يصاحبها.

أخذني الفيلم إلى حديث دار بيني وبين سيدة، قبل أيام، حول الفيروس واللقاح. هي من رافضي التطعيم، بل أكثر من ذلك، مؤمنة بـ"الفيروس -المؤامرة". استعدتُ المشهد، وكنتُ أحاول معها بشكل فاشل ضبط انفعالي، فأسألها: من أنتِ؟ عالِمة؟ طبيبة؟ كيف لك أن تقرري في ما هو ليس من اختصاصك، ولا في نطاق معرفتك؟ تجيبني دافعةً بسلطتها منفردة على جسدها وبحريتها الفردية المقدسة. ولا تصمد هذه الحجة طويلًا في نقاشنا، فتردف قائلة: لو أجبرتني الحكومة على ذلك تحت طائلة حرماني من حق العمل، عندها سآخذ اللقاح. أُسائلها باستنكار وذهول عن ماهية "هذه الحرية المقدسة" التي لا تقبل باتخاذ خيار مبني على المعرفة، وترضى بالخضوع للسلطة تحت طائلة العقاب والحرمان؟

أذكر أني بقيت طوال النهار في حالة من التوتر، لشعوري بأن ما أعتقده "جهلًا" سيقتلني أو على الأقل سيساهم في خطورة تعرضي للفيروس على نحو شخصي، وفي المساهمة بانتشار الفيروس وتقويض الجهود العالمية لاحتوائه. أفكارٌ لم يطردها الفيلم لكنه جعلني أستذكرها ضاحكة وأسخر من الفقاعات التي بدا لي وكأنني وأمثالي نعيش فيها، والآخرون كما هذه السيدة، هم الذين يسرحون ويمرحون ويحتلون الحيز العام.

وهكذا أوفى الفيلم بالنسبة إلي غايته، في الوقت الذي خصصته، ليكون كما كان بالفعل، خفيفًا لطيفًا يحمل أفكارًا متعددة تستحق النقاش والنقد والمعالجة بشكل معمق في قوالب فنية أو ثقافية أخرى، في وقت وحيز آخرين. لكن في هذا القالب، شاء منتجوه وممثلوه أن يكون ساخرًا إلى أقصى حدود السخرية، إلى حد السخافة. من دون أن يهولني إقدام ميريل ستريب أو كايت بلانشيت على أداء دوريهما بهذا القدر من الهزلية. ذلك أن مواجهة الضحالة لا تكون حصرًا بالعمق، بل يجب أن تكون متنوعة. وأظن أن فرص نجاح المواجهة في الضرب المباشر على الوتر والهرب سريعًا، كبيرة، عندما تكون بأسلوب من طينة هذه التفاهة، بالعبثية. مواجهة الـbanality بالـabsurdity.

وهكذا بعد هذه الجرعة، آويت إلى فراشي سعيدة بأنني منحت نفسي وقتًا مستقطعًا مستحقًا لأستيقظ في الصباح التالي على موجة من مشاهدين عاديين اعتمروا في فايسبوك وتويتر قبعة الناقد السينمائي، والمثقف، وأصحاب آراء في الفن،... ينهون عن مشاهدة الفيلم. قال الأكثر ديموقراطية من بينهم إنه لم يكمله لأنه مضيعة للوقت. وسالت التغريدات على هذا النحو وأكثر. في المقابل، باغتنا آخرون بتقديس الفيلم كعمل فني لا قبله ولا بعده، كشف فكري قِيَمي يجب أن ينير بصيرتنا على نحو قاطع مع جهلنا القديم. وهو لا هذا ولا ذاك.

شعرت كمن نجا. وأسرَّيت لنفسي بالامتنان لمشاهدتي الفيلم قبل الخضوع لهذه السطوة، ضغط المغردين والفايسبوكيين والمستعجلين لنفخ شخصية مؤثرة. حمدت صدفة التوقيت التي حمتني مما يشابه إرهابًا فكريًا يُمارس بالمجان، أحكامًا على الذائقة الفردية بمستوياتها المتعددة، البسيطة والمسلحة بالمعرفة أو بالتراكم. وأتممت صلاة الشكر هذه بعدما قرأت مقالات لكتّاب من مشارب مختلفة، سينمائية وثقافية وسياسية، وقرأت بعض ما كتب عن الفيلم في مواقع أميركية.

قراءة هذه المقالات كانت عملًا مغذيًا وممتعًا، بقدر متعة المشاهدة. فوجدت التشريح والتحليل الموضوعيين، والدفع ببعض الأفكار المطروحة في الفيلم في السياق الأبعد والأعمق، أو تبياناً لمواطن غير مطروقة في الفيلم. لم أجد تقديسًا ولا ذمًا أو نهيًا بالمطلق. لم أجد المصادرة لذائقتي أو فكري، ولا لإمكانية مشاهدة فيلم من هذا النوع، أو فيلم آخر بثيمة وحبكة أخريين ومشغول بأسلوب فني مختلف على غرار The Hand of God. ويمكن الاستمتاع بالنوعين، كل في حدوده وسياقه. ولا يفسد الاستمتاع من مساحة النقد لهذا الفيلم أو ذاك.

هكذا، شاهدت الفيلم ولاحقًا قرأت ما كتب في نقاشه. كان ذلك تكاملًا بين هؤلاء المنتجين والممثلين والنقاد والكتّاب، ومشاهدين وقرّاء، على نحو مقصود أو غير مقصود في مواجهة الضحالة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

نجلاء أبومرعي

نجلاء أبومرعي

كاتبة وإعلامية لبنانية

مقالات أخرى للكاتب

عَلَم شادي الثلاثاء 07/12/2021