آخر تحديث:14:41(بيروت)
الخميس 09/09/2021
share

ماكرون مرشح رئاسي.. بقوة "نتفليكس"

حسن مراد | الخميس 09/09/2021
شارك المقال :
ماكرون مرشح رئاسي.. بقوة "نتفليكس" "شبيبة ماكرون" تريده رئيساً "لخمسة مواسم إضافية" (تويتر)
درجت العادة في فرنسا أن يؤجل الرئيس المنتهية ولايته، قدر المستطاع، إعلان قراره بالترشح لولاية ثانية. في ذلك رسالة إعلامية مفادها أن الحملة الانتخابية لن تتعارض مع مسؤولياته الرئاسية وبالتالي يمكن للناخبين الوثوق به.

حتى اللحظة لم يشذ إيمانويل ماكرون عن هذه القاعدة: وسط زحمة المرشحين وعلى مسافة سبعة أشهر من الاستحقاق الرئاسي، لا يبدو الرئيس الفرنسي مستعجلاً لإعلان ترشحه. وفي المقابل، يدرك ماكرون ضرورة الحؤول دون احتكار منافسيه للتغطية الإعلامية. تجلى ذلك في جولاته على مختلف المناطق الفرنسية وآخرها زيارته الأسبوع الماضي إلى مارسيليا والتي تعتبر معقلاً لمعارضيه. وفي الفترة الاخيرة، قرر فريق ماكرون تسريع وتيرة الدعاية. عبر حسابها في "تويتر"، أعلنت "شبيبة ماكرون"، إحدى مكونات حزب الجمهورية إلى الأمام، عن حملة ملصقات تبدأ الأسبوع الحالي بهدف تهيئة الأجواء قبل إطلاق الرئيس حملته الانتخابية على نحو رسمي وفعلي.
 

للوهلة الاولى، لا يبدو الأمر مستغرباً. فمن الطبيعي أن يبادر المرشحون للانتخابات الرئاسية إلى إطلاق حملات دعائية تسبق الإعلان الرسمي عن الترشح. لكن المثير للاهتمام كان شكل تلك الحملة.

مصممو الملصق الانتخابي استوحوا فكرته من ملصقات شبكة "نتفليكس"، وهذا ما توقفت عنده جميع الصحف الفرنسية كما وسائل الإعلام المرئية والمسموعة.

وطغى اللونان الأحمر والأسود، كما نلحظ في أسفل الملصق، على عبارة "نيسان 2022" وكأن تاريخ الاستحقاق الرئاسي شبيه بموعد إطلاق عمل فني. أما أبرز ما تضمنه "الملصق الماكروني"، فهو إبداء مؤيديه دعمهم له "لخمسة مواسم إضافية" بدلاً من خمسة أعوام. وتصميم الملصق على هذا النحو حمل رسالة سياسية بالغة الوضوح: تقرب ماكرون من الفئات العمرية الشابة، لا سيما من هم دون 25 عاماً، لاستمالة أصواتهم بعدما باتت أعمال "نتفليكس" جزءاً من ثقافتهم ووعيهم. وهي رسالة يمكن التثبت من مضمونها بمراجعة المبادرات التي أقدم عليها الرئيس الفرنسي، أقله خلال العامين المنصرمين، متوجهاً من خلالها إلى الشباب الفرنسي للإيحاء بتطلعه الدائم إلى المستقبل.

من المؤكد أنه لولا جائحة كورونا، ما استوحى المصممون فكرتهم تلك. أكد هذه المسألة أومبرواز ميجان، رئيس "شبيبة ماكرون"، بتصريحه لصحيفة Le Monde قائلاً إن الأزمات التي اعترضت ماكرون، ولّدت لدى الفرنسيين شعوراً بتبدد الواقع. فأعمال الخيال العلمي التي تعرضها و/أو تنتجها "نتفليكس" تجسدت العام 2020 على أرض الواقع، أما بطل الأحداث فليس إلا الرئيس الفرنسي المستمر في مجابهة التحديات لتكون النهاية السعيدة على يديه. من هنا نفهم سبب لجوء ماكرون إلى الملصق بدلاً من الظهور، على سبيل المثال، بصحبة مجموعة من الشبان والشابات.

مسألة أخرى لفتت انتباه المحللين السياسيين، وهي أن حركة شبابية كانت خلف إطلاق الحملة، ما اعتُبر استغلالاً وتلاعباً بالجيل الشاب، أكثر من كونه انحيازاً له. وفقاً لمصادر صحافية، واكب قصر الاليزيه كل الخطوات التحضيرية لتلك الحملة، وبالتالي انطوى قرار إسنادها لشبيبة ماكرون، بدلاً من أجهزة الحزب المركزية، على محاولة لحفظ ماء الوجه في حال فشلها، إذ من السهل التبرؤ من هذه الحملة الدعائية كون "شبيبة ماكرون" أقل ارتباطاً برئيس الجمهورية وبالغالبية الحاكمة. 


في أي حال، ليس إطلاق هذه الحملة إلا الخطوة الأولى لزيادة صورة ماكرون حظوة في الشارع الفرنسي والتذكير بما حققه خلال ولايته من إنجازات رغم كل المطبات التي واجهها ابتداء من السترات الصفر وليس انتهاء بالجائحة. وفي هذا الإطار، تنتظر الرئيس المنتهية ولايته، معركة انتخابية قاسية، لكن المشهد الرئاسي الفرنسي ما زال ضبابياً حتى الساعة، بانتظار استقرار بورصة المرشحين. فالأطراف السياسية تعيش تخبطاً شديداً في معرض اختيار مرشحيها للرئاسيات.

أبرز ما يمكن رصده هو تضعضع اليمين الفرنسي، ممثلاً في حزب الجمهوريين. فقد درجت العادة أن يكون زعيم الحزب مرشحه الطبيعي للانتخابات الرئاسية، هكذا كان الحال أيام جاك شيراك ونيكولا ساركوزي. لكن المعطيات تبدلت، وبات الحزب اليميني يفتقد الى شخصية مهيمنة تفرض نفسها بقوة، مستقطبة دعم جميع الشخصيات والمجموعات الحزبية. فالمعضلة التي سيواجهها حزب الجمهوريين لا تتلخص في العثور على مرشح، بل في آلية اختياره وسط تباين في وجهات النظر بين مؤيد لإجراء انتخابات تمهيدية ورافض لها. تباين يُخشى أن يفضي إلى تعدد المرشحين المحسوبين على اليمين، لا سيما أن بعض الشخصيات اليمينية استقالت من الحزب قبل سنوات وقررت اليوم شق طريقها نحو رئاسة البلاد بعيداً من الأطر الحزبية. وعليه يعتبر هؤلاء أنفسهم غير معنيين بأي انتخابات تمهيدية يدعو إليها حزب الجمهوريين الذي سيَبتّ في آلية اختيار مرشحه في 25 أيلول/سبتمبر الحالي.

قوى اليسار ليست أفضل حالاً مع تهافت المرشحين، ما دفع بصحيفة Libération إلى وصف ما يجري بـ"الشرذمة المدمرة". حتى الساعة، آخر من أعلن ترشحه هو آرنو مونتبورغ، وزير الاقتصاد السابق في عهد فرنسوا هولاند. وكان قد سبقه إلى الترشح رئيس حزب "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشون. حتى الحزب الشيوعي الذي اصطف خلف ميلانشون، في انتخابات 2012 و2017، قرر هذا العام خوض الاستحقاق منفرداً عبر أمينه العام فابيان روسيل. عدوى تعدد المرشحين لم تستثن أحزاب اليسار المتطرف، إذ يتوقع أن تفرز ما لا يقل عن مرشحين اثنين.

أما الترقب الأبرز فيبقى لمعرفة مرشح الاشتراكيين، وهي أول انتخابات يخوضونها بعد هزيمتهم المدوية في الانتخابات الرئاسية والنيابية الأخيرة. وتُعتبر عمدة باريس، آن هيدالغو، الأوفر حظاً للظفر ببطاقة ترشيح الحزب الاشتراكي، إلا أن طريقها دونها صعوبات وتحديات: بداية عليها التريث لمعرفة شكل القيادة الحزبية الجديدة التي ستنتج عن مؤتمر الحزب يومي 18 و19 أيلول الجاري. من جهة أخرى، بدأ تبلور توجّه داخلي يرفض التسليم بترشيح هيدالغو على نحو تلقائي. 

حتى رئيسة التجمع الوطني، مارين لوبان، والتي كان يُعتقد أنها تتربع بلا منازع على زعامة اليمين المتطرف، جاء من يهز عرشها. فأواخر شهر حزيران/يونيو، غزت الشوارع الفرنسية ملصقات مؤيدة لترشيح الصحافي والكاتب المثير للجدل إيريك زمور. صحيحٌ أنه لم يعلن بعد ترشحه بصورة رسمية، لكن المؤشرات كلها تصب في هذا الاتجاه، وآخرها قرار المجلس الأعلى للإعلام المرئي والمسموع، يوم أمس الأربعاء، البدء باحتساب وقت الكلام الممنوح لزمور، ما اعتبره الأخير محاولة لإسكاته إذ سيؤدي إلى تقييد إطلالته اليومية عبر شاشة CNEWS. فوسائل الإعلام غير ملزمة بالتقيد بمبدأ المساواة للشخصيات غير المحسوبة على الحملات الانتخابية.

لعل الأحزاب ذات التوجّه "البيئي" هي الوحيدة التي تعرف نوعاً من الاستقرار بعدما قررت اختيار مرشحها على أساس انتخابات تمهيدية تشارك فيها تنظيمات سياسية. انتخابات يتنافس فيها خمسة مرشحين في اقتراع يجري على مرحلتين وينتهي في 28 أيلول. للمرة الأولى، تسود أجواء من التفاؤل أوساط أحزاب الخضر، حيال إمكانية الوصول إلى سدة الحكم، خصوصاً بعد النتائج الإيجابية التي حققها حزب "أوروبا، البيئة، الخضر" في الانتخابات الأوروبية والبلدية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها