آخر تحديث:19:36(بيروت)
الإثنين 27/09/2021
share

أين أخطأ القاضي بيطار؟

نذير رضا | الإثنين 27/09/2021
شارك المقال :
أين أخطأ القاضي بيطار؟ من تظاهرة أهالي ضحايا المرفأ، بالتوابيت، أمام بيت وزير الداخلية السابق، محمد فهمي (غيتي)
حين وافق المحقق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت، القاضي طارق البيطار، على المهمة المعروضة عليه، كان يدرك حجم الصعوبات والضغوط والعراقيل السياسية والقانونية التي تحيط بمهمته، وربما تعقّدها كي يخرج منها خائباً، كما المئات من عائلات الضحايا. 
اختار البيطار مهمة "انتحارية"، ووضع نفسه في مواجهة طبقة سياسية وتوازنات، معلناً، من دون مجاهرة، أنه رجل قانون وليس سياسياً، وذلك من منظاره لدور القاضي ونزاهته المفترضة. وعمل على أساس أنه قاضٍ، ورجل قانون، وليس رجل سياسة ولا طامحاً لمنصب سياسي يتطلب مراعاة البعض، أو محاباة آخرين.

واتخاذه القرار بالمواجهة، في بلد عليل سياسيا وطائفياً، تطلب منه تأمين أدوات يقاتل بها، تحولت في ما بعد الى أسلحة ضده. راهن الرجل على القانون، بتحييده عن السياسة. وراهن على الإعلام، لخوض معركة ضغط تتحول الى معركة "رأي عام"، وهي الرهان الثالث. ويبدو أن تلك الرهانات كلها، رغم كونها مُشرِّفة ونبيلة، أخلاقية وشرعية، إلا أنها كانت أضعف من مواجهة منظومة سياسية تمسك بالقرار، عبر القانون، وتكرَّسَت آلية بقاء "السيستم" وطول أمده. 


منذ اللحظة الأولى لإصدار الادعاءات القضائية، لم يبدُ البيطار، أو من يحيط به، مُصيباً بتسريبها الى الاعلام، إذ وردت في وسائل اعلامية قبل أن يتبلغ المدعى عليهم بها. حتى أن وزيرة العدل السابقة، ماري كلود نجم، لم تتلقَ نسخة عن الادعاءات لحظة نشرها في الاعلام، بعد ظهر يوم جمعة، لإحالتها الى المراجع الصالحة لتبليغ المدعى عليهم. عرف العالم بالادعاءات يوم الجمعة، بينما أحالت وزارة العدل الادعاءات الى وزارة الداخلية ومجلس النواب يوم الاثنين.

استخدم هذا التسريب في البداية، ذريعة ضد القاضي البيطار، كما يفترض بهذه الطبقة السياسية الفاسدة أن تفعل. ألمح مسؤولون سياسيون وحزبيون بذلك، واستخدموه ضده كشبهة قانونية تؤسس لـ"الارتياب المشروع". وازداد الأمر حراجة، حين نُقل عنه تصريح، تبين في ما بعد أنه دردشة مع صحافيين. استخدمت الحادثة مرة أخرى ضده، بالقانون هذه المرة، كون القاضي لا يجوز له التصريح من غير إذن مسبق. 

والتوضيح حيال "الدردشة"، كشف أن هناك علاقة بين الإعلام والقاضي. بدا أن البيطار يراهن على الاعلام لتشكيل رأي عام يدعم استدعاءاته، ويحصّنه في مواجهة السلطة التي تكاتفت، وتكتّل بعض أركانها ضده. فقد جمعت الاستدعاءات تناقضات، من "حزب الله" الى "حركة أمل" و"تيار المردة"، وصولاً الى "تيار المستقبل" و"دار الفتوى" والنائب نهاد المشنوق. هي تناقضات، أوحت بأن هناك اصطفافاً طائفياً قد وُلِدَ للمرة الاولى منذ العام 2005، اتخذ طابع "المسلم – المسيحي". 

وفي مقابل التسريبات الاعلامية، وردت تسريبات تتحدث عن الاستنسابية، وتشير الى هذا الاصطفاف الطائفي، قبل أن تتحول الى اتهام علني بالـ"استنسابية". اكتفوا بذلك الاتهام من دون إيضاح خلفياته. فهم يعتبرون ما يجري "استهدافاً لسياسيي طائفتين وحليفهما"، في اشارة الى تيار "المردة"، رغم أن بعض المدعى عليهم من الأمنيين أو القضاة، هم من المسيحيين، في مقابل دعم "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" و"الكتائب" لمهمة البيطار، في تقاطع نادر بالمواقف. 


حاول "تيار المستقبل"، بدعم من "دار الفتوى"، التوصل الى تسوية علنية، من دون المجاهرة بأنها تسوية، وهي القائمة على اقتراح قانون يرفع الحصانات عن الجميع. فالتوازنات اللبنانية، تقضي بأن تكون المحاسبة على الجميع، أو لا محاسبة. تلك علة النظام اللبناني، لكنها واقع لا مناص منه. فإلى جانب القانون، ثمة قوى ضغط، طائفية وحسابات سياسية. وهي، عُرفاً، أقوى من القانون. وبموازاة رفض القوى السياسية المسيحية لها، لم يستجب البيطار لذلك العرض التسووي، والذي جاء بمثابة رسالة سياسية، وذلك لإدراكه بأنه يعمل بالقانون، بمعزل عن الحسابات والتسويات والتوازنات. 

عليه، تواصلت الاتهامات له. لكن البيطار لم يكترث لها. مضى في مهمته، متسلحاً بأداتَي مواجهة هما "تشكيل رأي عام ضاغط"، وحماية القانون الذي يمكن للمدعى عليه استخدامه أيضاً في المواجهة. كان الرأي العام آخر "خرطوشة"، استخدمها لحظة شيوع معلومات عن تهديد تلقاه من "حزب الله". لكن الرأي العام الضاغط لم يتشكل بما يحمي القاضي، رغم المحاولات المستمرة والدؤوبة من ناشطين ومن متضررين نتيجة الانفجار، وآخرها الدعوة لاعتصام أمام العدلية يوم الاربعاء. 

يوم الاثنين، ثبت أن رهانات البيطار لم تكن مجدية. لا الإعلام قادر على حماية مهمته، ولا القانون كافٍ لحمايتها أيضاً. ولا الرأي العام على استعداد (أو ربما لا يستطيع كفاية) لتحويل تضامنه في مواقع التواصل الى آلية ضغط مباشرة في الميدان. ما زال "السيستم" أقوى من القانون والاعلام والشعب. أعاد ترميم نفسه بعد انتكاسه 17 تشرين.. ومَن يراهن على المجتمع المدني أيضاً في معركة تشكيل رأي عام، بدا أن عليه مراجعة حساباته، بدءاً من تقويض مهمة البيطار وإنصاف الضحايا، حتى نتائج الانتخابات النيابية المقبلة.
 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها