آخر تحديث:13:46(بيروت)
الجمعة 24/09/2021
share

نحن لسنا بخير.. "طمّنا عنّك"

وداد حلواني | الجمعة 24/09/2021
شارك المقال :
نحن لسنا بخير.. "طمّنا عنّك" وداد وعدنان حلواني
(*) عاد أيلول للمرة التاسعة بعد الثلاثين، رافعاً التحية بيد، وبطاقة هوية باليد الأخرى. أتراها "Bonus" استباقية لأربعين اختطافك..!! أم أنّ هذا الـ"أيلول"، الذي احترف أَسْري والتحكّم في مشاعري على مدار هذه السنوات، شاءَ أن يذكّرني بـ"خريفي" وقد بلغتُ السبعين؟

عادة ما نلحظُ، لدى نسبة لا بأس بها من الناس، تبدّلَ مشاغلِهم ومشاعرِهم مع تبدّلِ الفصول. ومع العمر ربما. ففي الخريف مثلاً نرى الأشجارَ تتخفُّف من حِمْلِها. تصفّرُ أوراقُها ثم تتساقط. كأنّ الأشجارَ تتعرّى استعداداً للتجدّد والحمل في الموسم المقبل.

في أكثر من محاولةٍ لتقليد الطبيعة، جهدتُ للتخفيف من حملي، لإسقاطِ ما يؤلمني. فَوَجَدتُني، في كلِّ الفصول، أنوءُ بثقلٍ إضافي يملأ داخلي. أسعى وراءَ أملٍ ألملمُهُ وأحملُهُ إلى الآخرين. للتخفيفِ من همومِهم وأحزانِهم.

الحقيقة، أنّي لم أعدْ أعرفُ مدى القدرةِ المتبقّيةِ لديّ لاجتراحِ مثل هذا الأمل. كيف لي وقد أصبح نادراً كالعملةِ الخضراءِ في لبناننا الذي لم يَعدْ أخضر!؟ إنّي لم أعدْ أعرفُ إذا كانت ما تزال لديّ ذرّة تفاؤل أو قناعة بخلاصٍ ما. كيف لي وقد أصبح البلدُ سوقاً سوداءَ شفطتْ المازوتَ والماءَ والكهرباء. ابتلعتْ الغذاءَ والدواء. صادرتْ الحسَّ الإنساني قبل كلِّ شيء!؟

عدنان، أنا لا أملكُ الجواب الأكيد، لا إيجاباً ولا نفياً. وأنا لا أريدُ التشاطرَ وتسجيلَ نقاطِ حسنِ سلوكٍ لصالحي. في المقابل، أخشى أن يُعتبرَ ذلك بمثابةِ تهرّبٍ من المسؤوليةِ أو إقرارٍ بِلا جدوى المواجهة. عندها، لا أعودُ أنا. عندها، لا أعودُ أشبهُ نفسي. كيف ذلك وأنا مَن صرّحَ أمام المَلأ، يوم أقّرَ مجلسُ النوّاب قانونَ المفقودين، أنّ لا شيءَ مستحيلاً متى توفّرتْ الإرادة!

عدنان، لن أدعكَ أمام أي لغز يُشغِلُ بالَك. ما فيكَ يكفيك. ولن أجلِدَ نفسي. إنّي أقرُّ وأعترفُ أمامَك بأننا نعيشُ أياماً أسوأ مما عشناه في الحرب..إنه الجحيمُ حبيبي. أقسم بحبّنا أنّي لا أبالغ. لنَقُل إنه الزمن الرديء. زمنُ السقوطِ في الهاوية. سقوطٌ ليس وليدَ اليوم. إنه مزمنٌ كالمرضِ الخبيث. بدأ يتغلغلُ في كلِّ مفاصلِ الدولةِ وأجهزتِها منذ الإعلان عن انتهاءِ الحربِ بمسرحيةِ "تبويس اللُحى" بين قادة تلك الحرب، أصحاب القرار بخطفك والآلاف غيرك. هم ذاتُهم "ما غيرن" والورثة مازالوا أصحابَ القرارِ الذي أوْصَلنا إلى ما نحن عليه اليوم. ما فعلوه اقتصرَ على تبديلِ البّزاتِ العسكرية ببدلاتٍ مدنية رسمية. هم لم يتغيّروا. فكما تعاملوا مع الدولةِ في الحربِ وأنهكوها من "برّا"، تسلّطوا عليها بعد الحرب وعملوا على تجويفها من "جُوّا". وقبل أن تسألني عن "المعارضة"، عن "الطليعيين"، ماذا فعلوا، ماذا يفعلون؟ أفضّلُ أن ألوذَ بالصمتِ أو بقلبِ الشفاهِ في أحسنِ حال. هلاّ تَعذرني حبيبي؟

عدنان، بعدما فقدناكم، أنا ومثيلاتي من زوجاتٍ وأمهاتٍ و... صودِرتْ أسماؤنا. صار لنا اسمٌ واحد: "أهالي المفقودين". تُرى، بماذا سيُكنّى الشعب اللبناني اليوم، بعدما فَقَدَ دولتَه! لقد صرنا شعباً متروكاً. نحن لم نَعدْ نملكُ ذواتِنا ولا قراراتِنا. صرنا وقوداً وُزّعتْ حصصاً على خزّاناتِ الحكّامٍ وحُماتِهم في الداخلِ والخارج. تعدّدتْ المجازرُ والموتُ واحد. لم يُتركْ لنا حتى اختيارِ طريقةِ قتلِنا. تفجيراً أمْ حرقاً أمْ رمياً بالرصاصِ الحيّ. أمْ بوسائلِ الموتِ البطيء تجويعاً أو إفقاراً أو إذلالاً. مهما يكن فإنّ القتلةَ، بالرغم من كلِّ خلافاتِهم، متّحدون على قتلِنا، بالجملةِ والمفرّق، وعلى منعِ العدالةِ مِن أخْذِ مجراها.

لا أدري "عدنان" ماذا تختار لو تسنّى لك القرارُ بالعودةِ أوالبقاءِ حيث أنت. "مبلى" أدري! لا أدري كيف تخالني عدنان في السبعين وقد تركتَني صبيةً حلوةً في بدايةِ الثلاثينات. ليتَ جواباً يصل ولو همساً!

فكرةٌ قد تسهّلُ الأمرَ عليك، أَقتطِعُها ممّا أَسَرّتْه لي مؤخراً ابنةُ أحدِ أصدقائِنا المشتركين: "إن ما فعلتِه وما تحمّلتِه طوال هذه السنوات يشيّب شعر ولد صغير".

وبما أن الشيبَ بالشيبِ يُذكر، فلديّ إجازةُ شيبٍ مزدوجةِ المصدر: واحدةٌ بِفعلِ المعاناةِ والنضال، وأخرى بِفعلِ السبعين ومفاعيلِها. نعم لقد غزا الشيبُ مَفرِقي، وأنا ما زلتُ أُداريه كرمى لرغبةٍ سَبقَ أنْ أبْدَيتَها وأنا في عزِّ الصبا، رغبة صارتْ بمثابةِ "وصيّةٍ" التزمتُ بها بعد رحيلِك حتى اليوم. تُرى، هلْ للوصيةِ تاريخُ انتهاءِ صلاحية تُجيزُ لي تحريرَ أبيضَ شعري من سطوةِ الألوان. "Sorry" عدنان إنْ فعلتْ.

أوَليس للظلمِ، للاستبدادِ، للفساد، نهايةُ صلاحية. نقطةُ نهاية؟!
يبقى الشوقُ سيّدَ الحال، مُطلَقَ الصلاحية. حرّاً خارجَ الزمانِ والمكان.
ولأني الـ"تيتا" أسمحُ لنفسي، بالنيابةِ عن أحفادِنا، نائل وليان ودنيا، بإرسال كوماتِ لهفةٍ وشوق لـ"جدّو" عدنان. آه حبيبي. لو كنّا ندري، أن غيابك سيطول ويطول، لَكُنّا على الأقلّ، تَودّْعنا عالباب كما غنّتْ السيدة فيروز.
اشتقتلك "عدنوني".

(*) مدونة نشرتها في صفحتها الفايسبوكية، وداد حلواني، رئيسة "لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان" في الذكرى الـ39 لاختطاف زوجها عدنان حلواني خلال الحرب الأهلية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

وداد حلواني

وداد حلواني

رئيسة "لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان"