آخر تحديث:16:00(بيروت)
الخميس 23/09/2021
share

خطّة بديلة لتلحين صراخ في السماء

دجو القارح | الخميس 23/09/2021
شارك المقال :
خطّة بديلة لتلحين صراخ في السماء غلاف أحد ألبومات "بينك فلويد"
مع معاناتي الحالية من مشاكل الكهرباء المزرية، وما يتبعها من انخفاض في نوعية الإنترنت، تزداد حاجتي الموسيقية تباعًا لتصل إلى ذروة غير مسبوقة تلامس الخمس عشرة ساعة في اليوم. سمّاعاتي معي، لا أُزعج أحدًا ولا أحد يُزعِجني. إنّما الإستماع للموسيقى بخشوع ممارسة تأملية روحية ترفع النفس، ولو مؤقتًا، عن كوارث الواقع الكاسحة.

لكن، مع تدهور وضع الطاقة في لبنان، يصعب أكثر فأكثر اللجوء للموسيقى. صعوبة شحن الهاتف، انقطاع الانترنت، غلاء معدّات الاستماع... كلها عقبات تسدّ الدّرب أمام اللقاء الروحيّ المنتظر معها. إزاء احتجازي في هذه المشكلة القاتلة، تعود بي الذاكرة إلى الموعد الأوّل.

كنت فتًى في السابعة من عمري، أمضي صيفي كالعادة في إهدن كما تعوّدنا أن نفعل، نحن سكان زغرتا في الشّتاء. أستيقظ باكرًا نحو السّادسة، وإذا، لا سمح الله، غرِقتُ في النّوم، أُلامس السابعة كحدّ أقصى. عادةُ الإستيقاظ المبكر أسستْ لها عوامل عديدة، أوّلها أني لم أكن أسهر كثيرًا، فلا شيء أفعله إلّا مشاهدة التلفاز، إذا سنحت فرصةٌ ذهبية للإنفراد به مع استحواذ العائلة جمعاء عليه في الصّالون. ثانيًا، أني كنت أحيانًا أذهب مع أبي إلى فرن المناقيش خاصته لأتسلّى قليلًا، معاونًا إيّاه ومرافقًا أصدقائي بعد ذلك. في الحالتين، كان الإستيقاظ المبكر واجبًا مقدسًا. أَرتدي بذلة كرة القدم الّتي أختارها بحسب نتائج اليوم السّابق، فارتداء كنزة فريق خاسر يعني التوقيع على حكم إعدامي، مثلها مثل تسريحة الشعر الجديدة. وبينما يجهّز أبي أغراضه -في حال كنت مرافِقَه في ذلك اليوم- كنت أجلس أمام التلفاز متنقلًا بين قناة وأُخرى بهدف تزجية الوقت لا أكثر. لكن الرحلة الترفيهية انقلبت، ذات يوم، إلى جلسة تأمليّة بسيطة.

مصادفةً، وبينما كنت أبحث عن مباراة البارحة لأشاهد منها ما استطعت قبل الذهاب، وقعت على قناة تبثّ الأغاني، لكنها لم تكن كغيرها. كان فيديو الأغنية حفلة، وتُظهر نوعية الصورة أنها حفلة قديمة. وما زاد من فضولي للبقاء مستمعًا، كان لغة الأغنية، الإنكليزية. تعود مسألة الإنكليزية هذه إلى المطالعة، فمثل كل أولاد المدارس، كان يتوجّب علينا صيفًا القراءة والمطالعة، ساعة في النهار، لتحسين اللغة. بدأت أدرس مشروع استبدال المطالعة بالأغاني، فاللغة نفسها. وكنت أنوي توفير بعض الوقت لأصبّه في تحسين مهاراتي الكرويّة.

حملتُ ورقةً وقلمًا وجدته قربي على الطاولة، تمدّدت على الكنبة المواجهة للتّلفاز واسترسلت في الإستماع. كانت أغنية "كشمير" لفرقة الروك أند رول الشهيرة "ليد زبلن". ولشدّة ما أعجبني اللّحنَ، نسيت لوهلة تدوين الكلمات. بعدها جاءت أغنية "أنجي" لفرقة الرولنغ ستونز، وأعجبني فيها صوت البيانو تحديدًا. كأنني وقعت على كنز خفيّ. إذ كنت حينها تلميذًا مجتهدًا على آلة البيانو وقد قرّرت الطلب من أستاذي تعليمي النوتات لكي أُبهِر رفاقي فاقتصر جوابه على تربيتة على الكتف وابتسامة خفيفة.

تبع هاتين الأغنتين، لحنٌ لم أميّزه بدايةً. أغنية، بعنوان The Great Gig in the Sky، لـ"بينك فلويد". جذبتني إليها كمّية الخيال –هكذا أسميته آنذاك- الذي استخدمته الفرقة لتلحّن صُراخًا مدوّيًا في السّماء.

توالت الأيّام وقد أصبح لديّ سبب جديد للإستيقاظ المبكر: الاستماع للموسيقى. فلم تكن هناك وسيلة متاحة للاستماع لها في تلك الفترة: راديو السيارة معطّل، العائلة لا تستسيغ الأغاني الأجنبية، وخصوصًا الصاخبة، فكيف بالروك؟ لا إنترنت. الحلّ الوحيد: الإذاعة. شيئًا فشيئًا، بدأت أدوّن كلمات الأغاني –قدر استطاعتي. فأحيانًا أترك سطرًا فارغًا لأنني لا أفقه ما قاله المغنّي، وأخترع كلمات تتناسب مع ما يُغَنّيه. وقد أغيّر إسم الأغنية إذا وجدت عنواناً آخر مناسبًا أكثر لها، على سبيل المثال، أغنية Remember A Day، لـ"بينك فلويد"، سمّيتها See Emily Play.

صبيّ صغير يحاول ضَبطَ العالَم على إيقاعه. لا يُلام.

مع عودة موسم المدارس، لم تصعب الأمور، بل كنتُ محطّ إعجاب الجميع بحماستي للذهاب إلى المدرسة. لكن كلّ ما كان يدور في رأسي هو أيّ أغنية لفرقة "ليد زبلن" ستُعرض غدًا صباحًا. في تلك السنة، حصلت خالاتي على ماكينة إنترنت، وبهذا كنت خطوت الخطوة الأولى في درب الموسيقى الحقيقي. تعذّرت عليّ زيارتهنّ خلال أيام الدراسة، وبقي يوم الأحد يوم الخلاص. أَصل حوالي الثانية عشرة ظهراً، أتغدّى بسرعة، أجلس أمام الكومبيوتر واضعًا السمّاعات الضخمة، وأسترسل. دائمًا ومن شدّة الحماسة، أبدأ بالغناء، فيرمقني صوت من الصالون منبّهًا إيّاي لخطورة الوضع. أجلس أربع ساعات أو أكثر قليلاً أمام الكمبيوتر، ريثما ينهي أهلي زيارتهم لجدّي أيضًا. وإن صودف وكانت هناك جلسة عائلية أخرى، يكون بيتي في رأس القلعة.

ربما تكون كل مقوّمات العودة إلى تلك الفترة موجودة بالفعل: الراديو المستقلّ عن سلطة الكهرباء، الورقة والقلم... لكن الأساس غائب، راحة البال.

في خضمّ التّخبّط المأساوي للبلد، لا مهرب. حتّى الموسيقى لم تعد تحمل في طيّاتها مخابئ لجنوننا وتعبنا. يقول روجر ووترز (بينك فلويد): "لكل شخص مكانٌ يُسمّيه المنزل".
فأين نذهب إن جرفت منازلنا مياه الفوضى الهمجية؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

دجو القارح

دجو القارح

كاتب لبناني

مقالات أخرى للكاتب