آخر تحديث:13:34(بيروت)
السبت 18/09/2021
share

تكنو في شارع بغداد

عزّة طويل | السبت 18/09/2021
شارك المقال :
تكنو في شارع بغداد
أضع سمّاعات زوجي وأنطلق. لم أضع سمّاعات أذُنَين خلال المشي في حياتي كلّها، فكيف بسمّاعاتٍ كبيرةٍ تجعلني الموسيقى، حين تنساب منها، أرقص لا أمشي. هكذا أبدو ربما أكثر حيويّةً في هذا البلد الكبير للغاية.

وصلتُ قبل شهرين تقريباً. خلالهما، انتقلت من الفندق إلى منزلي الجديد، وحصلت على إقامةٍ رسميّةٍ تركيّة، وسجّلت طفلتي في المدرسة، وزارني الأصدقاء، وتابعت عملي، وأصبتُ بفيروسٍ تركيّ جديد على جسمي، وحدثت معي قصّةٌ تشبه المسلسلات المكسيكسة، بل المسلسلات التركية!

أمورٌ كثيرةٌ حدثت خلال شهرين، لكني ما زلت أحياناً، حين أغمض عينيّ ثم أفتحهما، أجد مشهداً لم يعتده نظري، وأتساءل للحظةٍ أين أنا. كما أنني ما زلت، كلّما مشيت، أفتّش بين الوجوه عن وجهٍ أعرفه ويصيبني الإحباط نفسه حين أفشل في إيجاد ذاك الوجه. أحتاج أن أتكلّم إلى أحد وأبتسم لآخر أو أغضب من آخر. أحتاج لأن أشعر بأي شيء تجاه أيّ وجهٍ أصادفه هنا، لكنني أتابع المشي ولا أجد ضالّتي.

أنصرف إلى الموسيقى. صوتها مرتفعٌ جدّاً في أذنيّ، فقد اخترت التكنو ليشجّعني على المشي. لا أسمع التكنو عادةً، لكن لا يهمّ، فأنا لا أمشي هكذا عادةً، ولا أضع سمّاعات أذنين، ولا أفتّش بين الوجوه، وأرى وجوهاً مألوفة في كل مكان. وقد حان وقت التخلّي عن المألوف، بما في ذلك الموسيقى.

شارع بغداد، في الجزء الآسيوي من اسطنبول. جادةٌ طولها 14 كيلومتراً، تتراقص عليها أجساد شبابٍ وصبايا ورجال ونساء وكلابٍ وقطط، وتتوزّع فيها المقاهي بالمئات، بل ربما الآلاف. الفتيات هنا ذوات بطونٍ مسطّحة، أعلم لأنني أرى بطوناً مكشوفةً كثيرةً في اليوم الواحد "تتغندر" بثقةٍ تطيح كلّ ثقة شهدتها يوماً في الأشرفيّة أو أسواق بيروت أو الجمّيزة أو جبيل أو البترون. أحاول غضّ النظر لكنني لا أستطيع، فتلك البطون تذكّرني طوال الوقت بأنني لم أعد في العشرينات من عمري، وبأن تسطيح بطني سيتطلّب منّي جهداً مضاعفاً أو أكثر. أرفع صوت الموسيقى في أذنيّ أكثر، وأكمل المشي. لا وقت لديّ الآن لأهتمّ بالبطون، وإن كان شارع بغداد أشبه بمنصّةٍ طويلةٍ لعرض آخر صيحات الموضة والأزياء، والبطون!



سُمِّّيَ الشارع باسمه هذا قبل حوالى 400 عام، حين تسلّم السلطان مراد الرابع مقاليد حكم الدولة العثمانية، فكان أصغر السلاطين العثمانيين، وأظهر إصراراً على فتح بغداد وتحريرها من حكم الصفويين الشيعة الذين تربّعوا على عرش المدينة لسنواتٍ طالت في نظره. تبعد اسطنبول عن بغداد 1609 كيلومتراً، وشارع بغداد شكّل صلة الوصل الأساسية بين بغداد والقسطنطينيّة. كان قطع هذه المسافة يستلزم 197 يوماً أيام العثمانيين، وهو اليوم يستلزم ساعتين في الطائرة فقط لا غير. أيّامها، لم تكن بطون نساء السلطنة ملساء الى هذا الحدّ، أو أنهن لم يكنّ يُظهرنها. في أي حال، هذه هي الجادة نفسها التي عبرتها الجيوش العثمانية المتجهة لفتح بغداد، إبّان حكم السلطان مراد الرابع، وقطعها السلطان نفسه في الهجوم الأخير الذي استحوذ خلاله على المدينة.

أتقدّم في شارع بغداد، أنا وموسيقاي التكنو، أجدها تعيد إليّ الطاقة وتشعرني بالحياة. أنظر حولي متقصّدةً البحث عمّا تركه العثمانيّون في الجادة، في ما عدا النفور التاريخي من الشيعة. تنطّط هذا النفور في وجهي حين قادتنا الأحاديث حول الوضع اللبنانيّ، مع صديقين تركيّين تعرّفنا إليهما مؤخّراً، إلى إخبارهما بأنني شيعيّة. لا أعتقد أنهما فهما تعدّد النماذج الشيعية التي يمكن للمرء أن يلتقيها في حياته، فثمّة من صبغ وجوه الشيعة بلونٍ واحد عابرٍ للحدود المحلّية والإقليمية والدولية.

هنا اشترى الباشوات في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، أراضيَ، شيّدوا عليها منازل فخمة تليق بمكانتهم، فكانوا أوّل من ألقى طابع الرقيّ الاجتماعي على الجوار. اختار الباشوات شارع بغداد لقربه من قصر يلدز حيث يقيم السلطان. يذكّرني ذلك بكيف يحاول التابعون دائماً الاقتراب قدر الإمكان من أسيادهم، لعلّ عدوى السيادة تصيبهم. ينسون أنهم أتباع، وأن المشي مع وجوهٍ جميلةٍ لا يمكنه أن يجعل وجهك أجمل.

أتساءل عمّا يصيبني وأنا أمشي. أهو ارتفاع معدّل ضربات القلب أم الموسيقى تجعلني أهتمّ بالتاريخ؟ أم أنها اسطنبول؟ أم أن امرأةً أخرى، حلّت محلّي، تسمع التكنو في سمّاعاتٍ كبيرة وتتمنّى أن يكون بطنها مسطّحاً وتهتمّ بالأثر العثمانيّ في الشوارع؟ ألهذه الدرجة نتغيّر حين ننتقل من بلدٍ إلى بلد؟

البارحة كنت أركن السيّارة في شارعٍ ضيّق. أتاني زمّورٌ من الخلف، فنظرت خلفي ووجدت رجلاً يكرّر لي كلماتٍ تركيّة لم أفهم منها شيئاً. كان يدلّني كيف أوجّه المقود، لكنه جهل أنني لا أجيد التركيّة. بدا منزعجاً ومحموماً وراح يحرّك يديه، ثم أدار وجهه يمنةً ويسرة وبدا لي أنه يلعن النساء وقيادتهنّ للسيارات. ضحكت في سرّي وأنا أشاهد وجهه يحمرّ من الغضب، في مشهدٍ لبنانيّ مألوفٍ للغاية، بدبلجةٍ تركيّة هذه المرّة، أعاد لي بعضاً من اتّزاني. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عزّة طويل

عزّة طويل

كاتبة وناشرة لبنانية