آخر تحديث:13:35(بيروت)
الجمعة 10/09/2021
share

التلميذة الموعودة بعلبة جبنة وممحاة بعطر التفاح

سلوى زكزك | الجمعة 10/09/2021
شارك المقال :
التلميذة الموعودة بعلبة جبنة وممحاة بعطر التفاح مدرسة في ريف دمشق (غيتي)
يضيق السوريون والسوريات ذرعاً بشهر أيلول من كل عام، إذ تجتمع تفاصيل الحياة الضاغطة والاحتياجات في شهر واحد. إنه موسم مونة الشتاء، وموسم المدارس، وموسم تخزين المحروقات في آن واحد، وأيضاً موسم تأمين الملابس الشتوية -لا سيما الأحذية- للأطفال.

يبدو شهر أيلول معضلة حياتية في حد ذاتها، صعوبات متفاقمة وهموم حاضرة منذ الأزل، خصوصاً بفعل التزامن التراجيدي ما بين تبدل الطقس إلى فصل ممطر وبارد، وبدء العام الدراسي بكل تبعاته الإجبارية، والتي، رغم اعتيادها، فقد باتت، خلال السنوات الأخيرة، تأتي متجددة بصورة أكثر دراماتيكية. فالعَيش شظف، والعجز يتفاقم، بين الواردات والإمكانات الأسرية والمجتمعية والرسمية، وبين المتطلبات الملموسة.

في المكتبة، أم وطفلها الذي لا يتجاوز عمره أربع سنوات. تطلب الأم دفتر مسودة لطفلها، مشترطة أن يكون بلا شريط من السلك لأن ابنها يستسهل تمزيقه في حال ارتكابه أي غلطة كتابية. يطلب البائع 1200 ليرة، ليتحول المشهد محاضرة في التوفير تطول لدقائق، إذ تقول الأم لابنها: "دير بالك ع الدفتر، سعره غال جداً، لن أشتري لك دفتراً سواه"! والطفل منصت وصامت، يمسك الدفتر بيده الغضة، ويخرجان. على وجهه أمارات الفرحة باقتناء الجديد، مساحة ورقية واسعة للكتابة، وعلى وجه أمه ذعر وتعب شديدان.

يترافق الموسم الدراسي، هذا العام، بصعوبة مرهقة سببها ارتفاع أسعار المحروقات وانقطاعها، ما جعل من البديهي رفع أسعار كافة مواد الدراسة، من كتب ودفاتر وملابس وطعام، حتى باتت الغالبية عاجزة أمامها. إذ تُوزّع أجرة النقل المرتفعة على الكلفة الحقيقية والأساسية أكثر من مرة، تبدأ من مرحلة شراء المادة الخام قبل التصنيع، مروراً بمرحلة التصنيع وكلفته من المحروقات والطاقة، وصولاً إلى صاحب المكتبة الذي يشتري منه الطلاب أدواتهم. أي أن كلفة النقل تصاعدت لتشكل الكلفة الأكبر والأكثر إرهاقاً، لدرجة أنها قد تفوق قيمة المادة الخام أو أجور العاملين فيها.

في سوق الخجا، وهو السوق الأكبر والأوسع لبيع الحقائب المدرسية، تحاول أم ثني ابنتها عن شراء حافظة قماشية للأقلام. تقترح عليها أن تصنع لها واحدة من قماش سميك، وتطرزه بيدها، فترفض الطفلة بإصرار. يتدخل البائع ويقول للطفلة: "نصيحة بلاها يا عمو، تتسخ بسرعة وسعرها غال، حتى أنا ترددت كثيراً في شرائها لأنها ستشكل خسارة لي". ينصحها بأن تضع أقلامها في كيس من النايلون، أو أن ترضى باقتراح والدتها الذي وصفه بالجميل والمبارك. يتخلى الباعة عن رغبتهم في الربح لشدة تضامنهم مع الظروف بالغة السوء للناس. إنه تغيير فرضته الحالة الاقتصادية الرثة، ومحاولة لرأب الصدع بين السيولة المتوافرة، وبين الاحتياج الذي دخل مرحة التقتير والتخلي بعدما سلك درب التحايل والترميم الفاشل.

لكن القضية التي تشغل الأهالي والتلاميذ، تبقى مشكلة نقل الطلاب إلى مدارسهم وبالعكس، في ظل اختناق حاد في عدد وسائل المواصلات المتاحة وارتفاع أجورها، عدا عن المسافة المكانية والزمنية الطويلة التي يقضيها الطلاب والطالبات للوصول إلى مدارسهم والعودة منها، خصوصاً الطلاب وذووهم ممن يعتبرون أن العملية التعليمية في أدنى مستوياتها في الريف وفي ضواحي المدن، ما يجبرهم على تسجيل أبنائهم وبناتهم خارج هذه الضواحي أو في مدارس مشهورة ومشهود لها بمستوى تعليمي عال ومنضبط.

ثمة أزمة مواصلات تتزايد حدة في موسم المدارس، لدرجة أن الناس عامة يعتبرون هذا الموسم، موسم الشح البالغ في حركة النقل، لا سيما في أوقات بدء الدوام والانصراف، إذ تتفرغ حافلات كثيرة فقط لنقل الطلاب إلى المدارس وتخرج عن خدمة النقل العامة، ما يجعل الاختناق حالة عامة وبالغة السوء.

في أحد محال الألبسة المستعملة، يقف زوجان. الزوجة مترددة، والزوج يشجعها على شراء سروال مستعمل رمادي اللون، مصنوع من الكتان. تقول له بأسى: لن يقبل! وتقصد ابنها طالب المرحلة الثانوية، فيجيبها الزوجه: أنا سأقنعه. لكنها، وتحت تأثير دمعات كرجت على وجنتيها، تبتعد وتقول: "أقل منها بنطلون جديد لسنة دراسية كاملة؟".

في محل آخر، تنتقي سمر ملابس مدرسية لولديها. قال لها البائع: فليأتوا ويقيسوا، صعب شراء الملابس غيابياً، خصوصاً للشباب المترددين في كل شيء ولا يعجبهم العجب. فتقول: هكذا أفضل، لقد أعلمتهم أن السيدة التي اعمل عندها في تنظيف بيتها قد منحتني مبلغاً محدداً لشراء ملابس المدرسة، سيرضون مرغمين. تقول هذا، والبائع يحاول مسايرتها والتخفيف من حزنها: "لا يهمك، أي تبديل ما في مشكلة".

وإن تبدت القرطاسية والملابس كمشاكل تستنزف الجيب وراحة البال، لمرة واحدة، أول العام الدراسي، فإن مشكلة الطعام ولفافة المدرسة اليومية تحولت إلى أزمة في ظل حالة شبه عامة حيث يعاني الأطفال سوء التغذية والهزال.

ميس طفلة في الصف الابتدائي الثالث، أمّنت لها إحدى الجمعيات حقيبة مدرسية مع بعض القرطاسية من أقلام ودفاتر. تقول لأمها: "لازم يكون في علبة جبنة مع الدفاتر؟.. أشتهي سندويشة جبنة مع تفاحة". تصمت الأم، وتعدها الجارة بعلبة جبنة وممحاة معطرة برائحة التفاح.

ما جدوى أن نعلن الأرقام، الاحتياج والكلفة والمتوافر والناقص؟ طالما أن الشح ينسحب أيضاً على جمعيات تخلت تماماً عن شراء مستلزمات المدارس، لنقص مواردها الذاتية، أو تراجع الهِبات المخصصة عادة لهذا الموسم. فالمبادرات الفردية أو الأهلية ما عادت قادرة على سدّ النقص، إضافة إلى صعوبة استمرار التضامن العائلي والتناقص المستمر في أعداد الطلاب المشمولين بمساعدة أحد أفراد العائلة أو الجيران أو الأصدقاء الموسرين.

أيلول القاهر، الصعب، المخيف. عندما يصبح التعليم همّاً، وقيداً لا فكاك من أعبائه المضنية، يصبح التعليم نفسه ترفاً. فقد أخبرني صديق عن أب فرض على ابنه الخروج من المدرسة بعد نيله الشهادة الإعدادية، للعمل ومساندة أبيه، ولأن الأب وبصريح العبارة عاجز عن شراء قلم رصاص لابنه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

سلوى زكزك

سلوى زكزك

كاتبة سورية

مقالات أخرى للكاتب

2000 ليرة للغداء الأربعاء 16/12/2020