آخر تحديث:17:31(بيروت)
الأربعاء 01/09/2021
share

نظام الأسد نظّف تسرب الفيول بالأسفنج.. وأخذ السوريين رهائن!

وليد بركسية | الأربعاء 01/09/2021
شارك المقال :
نظام الأسد نظّف تسرب الفيول بالأسفنج.. وأخذ السوريين رهائن!
ترمي أميركا القمح في البحر كي تتحكم بأسعار الأغذية وتعزز مستويات الجوع العالمية من أجل إخضاع الشعوب.. أسطورة يمكن سماعها في سوريا، ودول الممانعة عموماً، منذ سنوات، في وسائل الإعلام والجامعات وبين الناس البسطاء أنفسهم، بغرض ترويج مبررات لفشل لسياسات المحلية في وجه أي استياء شعبي محتمل. وهي واحدة من المقولات التي لا تأتي من فراغ، بل تنبع من عقلية سلطوية تتهم الأخرين بما تمارسه على أساس يومي، لا أكثر.

يمكن ملاحظة تلك المقاربة بوضوح لا لبس فيه، عند النظر إلى الكارثة البيئية الأخيرة في مدينة بانياس الساحلية، حيث يهدد تسرب مادة الفيول المتسربة من محطة إنتاج الكهرباء الحرارية هناك، الشواطئ في قبرص الواقعة على بعد 160 كيلومتراً! بينما يرمي النظام السوري مسؤولية انعدام الكهرباء والمحروقات في البلاد، على العقوبات الغربية وسياسات الحصار التي تمنع وصول النفط إلى البلاد! رغم توفر كميات وفيرة في المخازن كافية لإحداث الكارثة الحالية.

وكانت صور التقطتها أقمار اصطناعية بعيد حادثة التسرب، أظهرت بقعة نفطية بطول 36كلم قبالة الساحل السوري، لكن صوراً أحدث تشي بأن بقعة النفط قد تكون أكبر من ذلك بكثير! فيما أكدت السلطات القبرصية أنها تلقت من "الوكالة الأوروبية للسلامة البحرية" صورة التقطت عبر قمر اصطناعي تظهر وجود "بقعة نفطية محتملة" بين قبرص وسوريا، ومن المتوقع أن "تؤثر على رأس القديس أندرياس، طرف شبه جزيرة كارباس في شمال قبرص"، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس".


ومن غير المفاجئ بالتالي، أن تنتشر مقولات بين السوريين مثل "فليذهب الفيول بالبحر لكن لن يستخدم في توليد الكهرباء"، في إشارة لسياسة النظام السوري في أخذ السوريين كرهائن، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ليس بغرض الانتقام من المناطق المشهورة بمعارضتها خلال العقد الماضي أو إعادة إخضاع الأجيال القادمة من السوريين عبر اليد الحديدية فقط، بل لأن تلك السياسات باتت مصدر ربح للنظام نفسه وشبكة المسؤولين ورجال الأعمال وزعماء الميليشيات المرتبطة به، وهو ما يمكن تلمسه في مشاريع الطاقة البديلة المرتبطة بأسماء الأسد تحديداً، بحسب تقارير ذات صلة، والتي تطرح كحل مؤقت بموازاة "الصمود الإيجابي".

بهذه السياسة يتحكم النظام بحياة المدنيين ويأخذهم كرهائن على الطريقة الكلاسيكية التي تمارسها كيانات في المنطقة مثل "حماس" و"حزب الله" و"هيئة تحرير الشام". وهنا، عمد النظام في العامين الأخيرين إلى تكثيف الأزمات الخدمية وحرمان المواطنين من الأساسيات فيما يرجح أنه مقدمة للتخلي عن أساسات قام نظام الأسد عليها منذ الانقلاب العسكري الذي قاده حافظ الأسد العام 1970 واستولى به على السلطة، حيث التزمت الحكومات المتعاقبة، حتى في سنوات الثمانينيات الظلامية، بتأمين الأساسيات كالخبز والكهرباء والطبابة والتعليم، مهما كانت الجودة رديئة، مع منع السوريين من الانزلاق نحو الجوع رغم إبقائهم في حيز الفقر.

وعليه، يلعب النظام بالنار، لأن المنطق يقول أن انتشار الجوع في الحاضنة الاجتماعية للنظام سيؤدي حتماً إلى انقلابها وخروجها عن السيطرة وبالتالي لن يبقى هنالك مقاتلون جدد للانضمام إلى جيش النظام وميليشياته المحلية وسيتحول قسم كبير من طبقة الموالين في مناطق واسعة إلى معارضين، وهو ما يمكن تلمسه في نوعية المنشورات التي تتحدى الأخطار الأمنية ويتحدث أصحابها ضمنياً عن معاداتهم لنظام الأسد رغم موالاتهم له سابقاً.

وفي سنوات الثورة السورية الأولى، كان النظام مع طبقة التجار المرتبطة به يلعب على الخط الفاصل بين الجوع والفقر، لأن الفقر مبرر ضمن سياق الحرب المشتعلة في البلاد ويمكن ضبطه ومنعه من التحول إلى جوع خطير، عبر المعونات الاجتماعية والتعويضات التي يقدمها التجار على أنها أعمال خيرية "غير رسمية"، انتقلت مع مرور الوقت إلى المنظمات المرتبطة بأسماء الأسد مثل "الأمانة السورية للتنمية"، خصوصاً بعد عملية "قص أجنحة" رجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد، العام الماضي.



ومع ترويج النظام لفكرة "انتهاء الحرب" و"انتصاره" فقد جزءاً جوهرياً من هذه السياسة والمتمثلة بعامل التبرير الذي كان يمنع الموالين من تحويل استيائهم إلى موقف معارض، وتحولت دعاية النظام إلى اختلاق أعداء خارجيين يمكن رمي المشاكل الاقتصادية والخدمية عليهم، مثل قانون قيصر الذي لم يكن أصلاً سبباً في انهيار الاقتصاد السوري مثلما يتم الترويج في وسائل الإعلام الرسمية، فيما باتت الوعود بمستقبل أفضل هي أقصى ما يمكن تقديمه للموالين، حتى من قبل شخصيات كأسماء الأسد مثلما تبين في لقائها الأخير بجرحى جيش النظام وما تبعه من سخط واستياء وشتائم طالتها شخصياً.

ورغم الاحتقان الواضح في مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض الحوادث المتفرقة في البلاد، ككتابة شعارات معارضة على الجدران هنا، أو تصوير بعض الهتافات الثورية وبثها عبر مواقع التواصل هناك، وصولاً إلى حديث ناشطين معارضين عن اقتراب تجدد الثورة السورية، فإن الحديث عن "ثورة الجياع" في البلاد، قد يكون أقرب للتفكير بالتمني "Wishful thinking" على اعتبار سوريا الأسد دولة مشرعة للعنف وإطلاق النار، ليس بفعل الحرب المستمرة فقط، بل كجزء من الحمض النووي للنظام السوري نفسه، الذي حمى نفسه من الانهيار قبل 10 سنوات عبر هذا العنف الممنهج.

ولا جدال في أن الثورة السورية كسرت حاجز الخوف من النظام، لكن مستوى العنف الذي قدمه النظام وحلفاؤه بالمقابل، كان مهولاً، عبر اتباع سياسات الحصار والتجويع والأرض المحروقة، وهي أساليب مازالت تطبق اليوم في درعا جنوب البلاد، بالإضافة لسطوة الأجهزة الأمنية وانتشار الاعتقالات التعسفية التي طالت حتى الأصوات الموالية للنظام مثل المذيعة في التلفزيون السوري هالة الجرف مطلع العام الجاري، ما دفع العشرات للكتابة عن موضوع تسرب الفيول من زاوية أن الكارثة توازي انفجار بيروت لكن تهمة "وهن نفسية الأمة" تثير الرعب لدى السوريين للتعبير عن غضبهم بوضوح.

ورغم وجود نص قانوني يعود للعام 2010 ويسمح بالاستثمار في مجال الطاقة الكهربائية للقطاع الخاص، إلا أن ذلك لم يترجم إلى نطاق الواقع. وتنتشر نظرية منطقية بين السوريين تفيد بأن استمرار التقنين الكهربائي بهذه الطريقة لنحو 20 ساعة يومياً، مع غياب الأسباب الموجبة له يشير ربما إلى تمهيد لرفع الدعم عن قطاع الطاقة في البلاد، والاعتماد على شركات خاصة أو مبدأ الأمبيرات، مثلما هو الحال مع أصحاب المولدات في لبنان على سبيل المثال، وبما يتوازى مع تطبيق هذا الأسلوب في قطاعات أخرى، مثل الاتصالات بعد تحويل خدمات الإنترنت في البلاد إلى نظام البطاقات المدفوعة في وقت سابق.

وأكثر ما يثير الأعصاب هنا هو الطريقة التي يتعامل بها النظام عند انكشاف أكاذيبه حول صعوبة توليد الكهرباء في البلاد لعدم وجود محروقات. فالفيول المتسرب من بانياس كان مخزناً بإهمال وأظهرت صور الأقمار الصناعية أن التسريب ليس قليلاً مثلما قالت التصريحات الرسمية طوال الأسبوع الماضي، بل هو كبير وخطير وبدأ في الواقع بتاريخ 17 آب/أغسطس الماضي، قبل أن تستفحل المشكلة لتصل إلى قبرص، مهددة الحياة البيئية في المتوسط وحياة البشر أنفسهم، خصوصاً أن صوراً للسوريين وهم يصطادون الأسماك من المياه الملوثة كانت رائجة!



والحال أن المحطة الحرارية في بانياس هي محطة توليد طاقة كهربائية، وهي إحدى محطّات الطاقة الخمس المسؤولة عن تزويد سوريا بالطاقة، وتسدّ نحو 20% في المئة من الكمية المستهلكة. وكتبت شخصيات في وزارة الإعلام السورية أن التسرب طفيف وتمت السيطرة عليه، فيما قالت صفحات مخابراتية في "فايسبوك" أن الصور المنتشرة للفيول في البحر كاذبة وأن البقع الداكنة في الصور هي الصخور الموجودة تحت الماء لا أكثر، فيما وصفتها مديرية البيئة في اللاذقية بأنها "مجرد بقع صغيرة"، وأن "كميات التلوث الحاصلة نتيجة تسرب الفيول تعتبر أقل من الكميات التي تعرضت لها نفس المواقع، حينما تم استهداف مصب بانياس النفطي باعتداء إرهابي قبل عامين".

وإلى جانب الإنكار والتقليل من حجم الكارثة والاستهتار بحياة الناس، انتشرت صور سوريالية لعمال سوريين مساكين وهم ينظفون الشاطئ بخرطوم للمياه، فيما قام آخرون باستخدام الدلو والاسفنج للقيام بعملية التنظيف. لكن لا مفاجأة في مستوى البدائية هنا، لأن النظام السوري قام بما هو أسوأ ربما حيث أطفأ حرائق الغابات بالأغصان الجافة وحارب فيروس كورونا بالمبيدات الحشرية.

وتصبح سوريا بحالتها هذه، نموذجاً مثالياً وواقعياً للديستوبيا التي يفكر الأدباء والكتاب كثيراً لخلقها في أعمال فنية وأدبية. ووسط هذا الجو، يزدهر العنف والتمرد والدكتاتورية والتفكك الاقتصادي والأوبئة ويغيب الأمل وتتلاشى الحلول وتنعدم المخارج. ويحيل ذلك للتفكير بأن مشاكل سوريا لم تبلغ ذروتها مثلما يتخيل الرومانسيون، بل أن البلاد تغرق في تلك المشاكل على اختلاف أنواعها، ما يجعل الاضطرابات مستقبلها المظلم والوحيد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها