آخر تحديث:17:58(بيروت)
الثلاثاء 31/08/2021
share

سوريون يكفرون بالياسمين.. موجة سفر بعد انتخاب الأسد

عدنان نعوف | الثلاثاء 31/08/2021
شارك المقال :
سوريون يكفرون بالياسمين.. موجة سفر بعد انتخاب الأسد
بدأ السوريون بإعادة تعريف قِيَمٍ عاطفيّةٍ جَمعيّة حكَمتْ حياتهم لفترة طويلة باسم الانتماء. ينطبق ذلك على فكرة "الوطن" وضبط مقاييسه من حين لآخر، ليتناسب مع الأوضاع المستجدة، وليصبح بحجم مدينة أو شارع أو عائلة.  
هذا التغيّر كان طبيعياً في سياق تداعيات الدمار التدريجي الشامل. لكن وحتى وقت قريب، ظلّ هناك خيط رفيع يربط القِلّة الحالمة من سوريي الداخل ببلدهم. إلى أن جاءت مرحلة ما بعد انتخاب بشار الأسد لولاية رئاسية رابعة، واكتشاف المُوالين حقيقة أن الرهان على الحد الأدنى من الأمل في هذا البلد جريمة، وأن العلاقة بـ"الوطن" يجب أن تَمرّ بتعديلات يمكن أن تؤدي إلى "الطلاق".

لا فقدان الكهرباء، ولا الغلاء، ولا صوَر فيول ضلَّ طريقه عن إنارة البيوت، وصبَّ في البحر. كل تلك العوامل لم تكن لتصنع الفرق، وتجعل الموالي للنظام يَكفر بحُبّ الياسمين. لكنه الخذلان في فصله الأخير، مدفوعاً بتشجيع الناس على السفر. 


خبرٌ كاذب من هنا، ومعلومة صحيحة من هناك. شيءٌ من الجدّ وشيءٌ من الهزل. والنتيجة هي الترويج للهجرة إلى الخارج كخيار وحيد، واتضاح معالم حملة منظمة بهذا الاتجاه.

البداية كانت منذ أيام بصورة انتشرت على نطاق واسع، وتحولت إلى تريند خلال ساعات. حشد بشري قيل إنهم سوريون في قاعة المغادرة بمطار دمشق الدولي. ليتبيّن لاحقاً أن الصورة قديمة، بحسب توضيح نُقِل عن إدارة المطار. وكان ملفتاً للانتباه إصرار الصفحات الموالية على تداول الصورة الكاذبة، حتى بعد التوضيح، إلى درجة استمرت معها المنشورات المماثلة بأساليب مختلفة، وكان المشترك بينها هو تحفيز المترددين لمغادرة سوريا، ولو عبر إضافة صوت الشاعر نزار قباني لفيديو تم تركيبه على عَجَل، وهو يردّد:" قرّرتُ يا وطني اغتيالكَ بالسَفر، وحجزتُ تذكرتِي وودعتُ السنابل والجداول والشّجَر...".

هنا قد تكون شاعرية اللحظة مفهومة، وما تحمله من تلاقي عاطفي بين المتابعين وبين أدمن صفحة. إلاّ أن فرضية "العفوية" ستنهار مع تدفق محتوى مُوحّد آخر بصيغة السؤال، من نوع:" ما آخر رسالة لك قبل أن تغادر بلد الياسمين؟". 

ليس هذا فحسب، فهذه المنصات لم تبخل على المتابع بالحديث عن أنّ "الازدحام الحالي في مراكز الهجرة والجوازات السورية لا يلزمه إثبات، وأن البلد يعيش على وقع موجة بيع عقارات بسبب السفر". وذهبت بعضها أبعد من ذلك بإشاعة معلومات تقول إن "أفضل طريق للهجرة غير الشرعية حالياً هو عبر  ليبيا"، أو انّ: "مصر تقوم بتخفيض سعر الفيزا للسوريين، وتعِد بتخفيض أكبر قريباً".


هذا "التطفيش" غير المباشر للشباب السوري رأى فيه الإعلامي الموالي شادي حلوة، سياسةً ينفذها "مسؤولون في البلد"، و"يعملون بعكس توجهات الرئيس بشار الأسد"، ولا يطبقون شعار حملته الانتخابية "الأمل بالعمل"، والذي يشكل الحلّ "لنكون بألف خير" على حد قوله. 
 
ورغم زحمة العناوين العريضة في رسالة حلوة، فإنه لم ينسَ أيضاً أن يُذكِّر متابعيه بانخفاض سعر الفيزا إلى مصر. 

وبالنسبة للجمهور المتفاعل باهتمام، فقد وجدَ فرصة مثالية لإطلاق مشاعر وأفكار جمَعَتها المصارحة، إما تعبيراً عن الاستعداد لمغادرة البلد حين يتوفر المال اللازم، أو نَعياً لوطنٍ "لم يَعد لنا فيه شيء"، أو سخريةً غير مسبوقة من العواطف التي خدّرت البعض وجعلتهم يتعلقون بالأماكن.

وكنتيجة لذلك، بدا وأن ما يجري هو استفتاء غير مُعلن لمعرفة مستجدات مواقف الموالين من الهجرة، مع الترويج متعدد الطرق، والمكاشفة بفكرة مفادها أنه" لا يوجد في سوريا ما يستحق البقاء". 

ومِنَ الملاحظ أن هذا المنطق لم يكتفِ باللعب على فكرة "جدوى السفر في مقابل عبثية الصمود"، وإنما قام برفع المسؤولية اللاحقة عن نظام الأسد حيال أي تدهور قادم (انخفاص قيمة الليرة، زيادة الأسعار، رفع الدعم أكثر فأكثر).

بذلك، يَسهُل تفسير توقيت هذه الحملة الترويجية للهجرة، بما أنها تأتي بعد أشهر من انتخاب بشار الأسد رئيساً، وما تلاه من معطيات مُخيّبة تؤكّد لمَنْ حلموا- يأساً لا اقتناعاً - بالتغيير نحو الأفضل، أنهم حتى حين يمثلون دَور الشعب المُصدّق لأكاذيب نظامه، ويقومون بالمطلوب شكلاً وأداءاً، فإنهم لن يَحظوا باهتمام هذا النظام. 

وعليه، فإنّ ما حدث ضمنَ "عرس الأسد الديموقراطي" كان استخداماً مكرراً للمؤيدين لهدف مرحلي دعائي. فما الداعي بعد ذلك لاستمرار المجاملات بين الأسد وجمهوره؟

"إيجابيات الهجرة" ربما سيأتي يومٌ غير بعيد وتصبح جزءاً من خطاب لبشار الأسد يُثني فيه على "دور المغتربين والمهاجرين في دعم الاقتصاد الوطني"، ليخرج بعدها محللون ويوضحوا كيف أن الاغتراب والسفر إلى الخارج هو أحد أهم أشكال "العمل" التي قصدها "السيد الرئيس" في شعاره "الأمل بالعمل". حينها ستكون المرحلة أكثر واقعية، ولن يحتاج أحد إلى شُجون تحملها صُوَر المسافرين، أو أشعار مرافقة بصوت نزار قباني ينادي في حالة تجلّي:"حيِّ على الياسمين".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها