آخر تحديث:14:42(بيروت)
الخميس 26/08/2021
share

وداعاً كاندي الجميلة

عزّة طويل | الخميس 26/08/2021
شارك المقال :
وداعاً كاندي الجميلة (غيتي)
الآن وقد هدأت فورة 4 آب، أصبح بإمكاني محاولة الكتابة. منذ عامٍ وأيامٍ لم أتعامل مع انفجار بيروت سوى بذكرٍ هنا وهناك. غادرت منزلي بعد الكارثة واتجّهت نحو الجبال. تنقّلت بين جبلٍ وآخر، وأحضرت قِطَّتَي معي وتعلّمت التنقّل الخفيف إلى حدّ ما، أو على الأقلّ التخلّي عن كلّ ما يزيد عن الحاجة. تدرّبت رويداً رويداً على مغادرة بيتي، حتى صار يُخَيَّلَ إلَيّ أحياناً أنه ليس بيتي. أجّلتُ الإحساس بكلّ ما لا يروق لي من شوقٍ وحرقةٍ وذنبٍ وغيرها. أجّلتها كما أؤجّل دائماً، كي تبرد على مهلٍ ريثما تحلّ تجارب أخرى محلّها، وتُحضر معها مشاعر أخرى. هكذا أكتب أيضاً، على مهل، تماماً كما أشعر، من دون فورات.

في الرابع من آب صباحاً، كنت أتحضّر لوداع أختي. Adieu Jolie Candie (وداعاً كاندي الجميلة) كانت الأغنية الوحيدة التي تتردّد في ذهني يومها، وأنا أنظّم حفلة الوداع التي "سنموت" من التسلية فيها. استأجرت بيتاً كبيراً في اللّقلوق وفتحت مجموعةً في "واتسآب" أسميتها Adieu Jolie Candy ودعوت إليها الأصدقاء الذين سيتجمهرون معي في وداع أختي. كنت مأخوذةً بالتحضيرات، متناسيةً تماماً أنها تغادر. لا أحد يغادر في قاموسي، وأحبابي يلازمونني حتى إن تباعدنا جسدياً. هذا ما يُخَيّل إليّ، وأَقتَنِع بشدّة، فأبتعد عن كلّ نُواحٍ قد يتأتى من التفكير في ما يعنيه السفر. تخرج بعض المشاعر منّي عبر أغانٍ وعباراتٍ تفيض أحياناً على شكل اسمٍ لمجموعة "واتساب" ترتضي استخدام الوداع عنواناً لها بما يشبه الاستهزاء.


الاثنين 4 آب 2020، السادسة إلا دقائق مساءً: أمامي بعض الوقت قبل حلول موعد اتصالي الأسبوعي بمعالجي النفسي، لذا أقرّر التوجّه إلى البحر. بحر بيروت عزيزٌ إلى حدّ أنني كلّما عدت من رحلةٍ خارج لبنان، وإن كانت رحلة عمل قصيرة، أتوجّه مباشرةً من المطار إلى البحر، لأرتشف قهوة بيروت وأتنشّق هواء البحر. ثمة طقوسٌ لا أفهم لمَ أمارسها لكني أتغاضى عن أسبابها وأرفض أن تأخذ حيّزاً من تلفونات العلاج النفسي. هناك أتحدّث عن وداع أختي مثلاً إنما بشكلٍ عابرٍ أيضاً. أكرّر ألّا وداعات في قاموسي. منذ بداية كورونا وجلسات المتابعة النفسية هاتفيّة، لا أراه خلالها ولا يراني، كما أنني أرتشف القهوة خلالها وأدخّن حتّى!

إذاً أذهب لأحضر قهوتي من عين المريسة. شمسٌ ساطعةٌ في وجهي وزحام شديد. أصل إلى إشارة السير وأقرّر الانعطاف والعودة من دون قهوة، تفادياً للشمس الواطئة اللامعة في وجهي. ليست الساعة السادسة مساء، ساعةً مناسبة لاحتساء القهوة، كما أن المسافر هذه المرة أختي ولست أنا. أنوي العودة إلى منزلي وحين أصل إلى الرملة البيضاء، أشعل سيجارةً تجعلني أفتح نافذة السيارة. أميل برأسي لأنفث الدخان من النافذة، فأشعر بأن الدنيا ارتجّت لثانيةٍ أو اثنتين. كأن نظري ارتجّ وكأن الهواء كلّه تقدّم خطوةً إلى الإمام ثم عاد أخرى إلى الوراء، ذرّةً تلو الأخرى، في تناغمٍ وسرعةٍ مدهشين. لا صوت سوى ارتطام الهواء بالهواء في لحظةٍ ما بين الخطوتين. لا شعور سوى دهشة شديدة وإعجاب بالعقل البشري وقدراته الهائلة على فهم الاستعارات.

لا شيء بتاتاً، سواي أنا والبحر ونافذتي المفتوحة وفكرة مجنونة بأنني متوتّرة ربما من سفر أختي وتراودني حالةٌ من حالات الانفصال النفسي التي سبق أن عشتها.

أكمل القيادة بهدوءٍ، أفكّر في كلّ ما سبق، وأعلن للأصدقاء في مجموعة "واتسآب"، في السادسة وسبع دقائق، انتهاء مهمّة إيجاد مكانٍ للاحتفال الصاخب الذي سنقيمه. أشاركهم العنوان عبر "غوغل مابس" وأنبّههم جميعاً: من هلّق، ممنوع النكد!

دقيقةٌ، اثنتان لا أكثر، ويبدأ هاتفي بالرنين بشكلٍ متواصل. صديقي يؤكّد لي أن إسرائيل اعتدت على لبنان. يا إلهي لم يعد في مستطاعنا تحمّل "حرب آب" هذه المرة. هل يمكننا البدء بملاحظة نمطٍ ما في الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان؟ هل العدوان المقبل سيحدث في أيلول؟ ترّهاتٌ يستجلبها عدم فهم ما يحدث، والأهمّ أنني لم أسمع شيئاً!! هاتفي يرنّ مرة ثانية. رسائل واتساب على مجموعة "الوداع يا كاندي الجميلة": "ما الذي يحدث؟ هل سمعتم؟" أجيب من دون تفكير: "ضرَبت إسرائيل". لكن عن أيّ صوتٍ يتحدّثون؟ تكتب صديقة: "انفجارٌ في بيروت يا جماعة". أجيبها: "إي إي عم قلّك ضربت إسرائيل". زوجي على الهاتف: "هل أنت على ما يُرام؟". "نعم، ما الأمر، لا أفهم شيئاً".

دخانٌ كثيفٌ يلوح في الهواء. أحاول تحديد موقعه. في المرفأ، خطر لي. تهافتت الرسائل على المجموعة. صورٌ كلّ منّا أخذها من موقعه، وهي تبدو قريبة من الجميع! ماذا ضربت إسرائيل؟

صورةٌ أخرى نقلاً عن "إم تي في": "مفرقعات نارية!". ما هذه التفاهة؟ أخذٌ وردٌّ وربع ساعةٍ كاملة من الهرج والمرج والتكهّنات والأخبار الكاذبة والضياع التام. تبخّرت لحظة الاحتفاء بأختي، وخطّة "الموت" من التسلية، وحلّ رعبٌ على المجموعة. "الدماء في الطرق"، أقرأ على المجموعة، وأنا أتابع القيادة من دون أن أعرف إلى أين أتّجه طالما أن مصدر الانفجار لم يُحَدّد بعد. أجد نفسي أتبع الدخان الزهري.

من جهتي، لم أسمع شيئاً ولم أشهد شيئاً ذاك المساء سوى السحابة الملوّنة الضخمة. وصلت إلى المنزل متأخّرةً قليلاً عن موعدي الهاتفيّ. أجريت الاتصال مع معالجي، تصرّفنا كأن شيئاً لم يكن، ولم نذكر الانفجار سوى عرضيّاً. وحين أغلقت الهاتف، تساءلت عن الشمس وشعاعها، والبحر واتّساعه، والصّوت وارتطامه، والسبب الذي خصّني فيه الانفجار بألّا أسمعه. أنقذتني الشمس ذاك المساء، وأعادتني إلى زوجي وطفليّ، خاليةً من التروما الجسدية والسمعيّة.

"ألم يكفِها أن أختها ستغادر بعد يومين؟" قالت الشمسُ يومها. ردّ البحر العالم بالمسافات: "معك حقّ إنه لألمٌ عظيم". ردّ الفضاء في ما بينهما: سأبتلع الصوت. صدّقتُ يومها سيناريو الأطفال هذا، وفي اليوم التالي حزمت حقائبي إلى الجبل. من هناك، كنت أشاهد الأصدقاء في شوارع بيروت، عبر التلفاز، ينظّفونها ويحاولون فعل شيء تجاه المأساة. هناك في الجبل، انفصلت عن بيروت، ابتلعت ذنب اتخاذي قرار ألا أفعل شيئاً، وانتظرت بصمتٍ زمن الرّحيل. "وداعاً يا كاندي الجميلة". ابتسمت حين ذكّرتني صديقتي قبل أيام بمجموعتنا تلك، وبالسرعة التي انقلبت فيها بيروت على ظهرها قتيلةً يومها. لم نمُت من التسلية يومها، لكننا، جميعاً، كدنا نموت.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عزّة طويل

عزّة طويل

كاتبة وناشرة لبنانية