آخر تحديث:15:30(بيروت)
الخميس 15/07/2021
share

النعش والهراوة

سيلفانا الخوري | الخميس 15/07/2021
شارك المقال :
النعش والهراوة رسم: وليد شهاب
أعاد تحرّك أهالي ضحايا 4 آب وشهدائه، أمام منزل الوزير محمد فهمي، بثّ نفحة من الحياة في الاحتضار اللّبناني المتسارع. منذ 17 تشرين ونحن نبحث عن لغة تعيد رسم واقعٍ جديد. لكن التحرّكات سقطت رويداً رويداً في شكلانية وفولكلورية فارغتين، وبقي الخطاب قاصراً عن استعادة الواقع وإعادة إنشائه، واللّغة أصابها التحنيط. ثم كان الرابع من آب، فألغى كل ما قبله.

ليلة 13 تموز، أتى أهالي الضحايا والشهداء حاملين نعوشاً تحت منزل الوزير في تحرّكٍ أرادوه "رمزياً"، بحسب وصف بول نجار، والد الضحية الطفلة ألكساندرا. فإذا بهم يُواجَهون بالاعتداء والضرب من قبل عناصر مكافحة الشغب وبلطجية الوزير، ليتحوّل التحرّك الرمزيّ إلى مواجهة فعلية، وتتحوّل معه كل عناصر المشهد. النعوش التي أتوا بها رمزياً لتذكّر القاتل بفعلته، صارت سلاحاً لردّ العصيّ والهراوات. العصيّ التي نعرفها جيّداً. ذقناها في 17 تشرين وما قبل. ترتفع في وجوهنا كأنها امتداد لتلك الإصبع الأبوية، لتقمع وتربّي وتعاقب وتفهمنا على غرار كل الرموز الذكورية أن "الأمر لي".

لكن ما حصل هذه المرة مختلف. في أحد الفيديوهات المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي في الساعات اللّاحقة للتحرّك، مقطعٌ لا يتعدّى العشر ثواني يُظهر بلطجيّاً من مرافقي الوزير وقد احمرّ وجهه وانتفخ صدره ونبضت عروقه، وهو يلوّح بالهراوة في مواجهة الأهالي ويزأر ويزبد هائجاً: "لَوَرااا لَوَرااا". إلى الخلف. لا شغل لكم هنا. أنتم تؤرقون بضجيجكم نوم المجرم. أية عدالة ترومون في بلاد اللّصوص والقتَلة؟ لا عدالة لكم عندنا. احملوا نعوشكم وارحلوا وتابعوا موتكم بصمت حتى نتمكّن من متابعة الجريمة بهدوء.

الهراوة هنا هي عُدّة الدولة في يد بلطجيّ بثياب مدنية يقول عبرها: أنا الدولة وأضربُ بها. لكن الصاع سيُرَدّ صاعين. حرفيّاً هذه المرة. في ثوانٍ معدودة، نراه يتلقّى ضربة من نعشٍ متبوعة بـ"بَسّ وْلا!" بصوت زاجر لامرأةٍ لا نرى وجهها. لكن الضربة الحاسمة والنبرة الزاجرة تقولان كل شيء. الاقتصاد البليغ في وجه الجعجعة الفارغة. ثقة صاحب الحق ورِفعته عندما لم تعد تنطلي عليه تمثيلية التخويف. ضربة النعش الوحيدة تضع حدّاً للجسد الهائج وترميه إلى الخلف، هو، لا الأهالي كما كان يبتغي، فنراه وقد ارتجّ واختلّ توازنه فلا نعرف ما الذي أصابه: العبارة أو النعش.

النعش الذي طرح عنه المجاز الأوّل، ليستعيد وظيفته المادية. لكنه ليس هنا سريراً للميت، بل سلاحاً لردّ العدوان والدفاع عن النفس. أداة لا استعارة. أو بالأحرى استعارة ملأى وحَيَّة. مجازٌ بليغ، لا خطابة فارغة. يحمل القتيل نعشه، ويضرب به قاتله، رمزياً وفعلياً، ليحثّنا على الخروج من الأدائية والمشهدية، فنستعيد أدوات الخطاب والفعل ونبني فيها واقعاً ذا معنى. واقع في بلاد ربما لن تستقيم أو تصطلح أمورها قبل أن تستعيد تلك المشانق الرمزية، التي عُلّقت ذات تشرين في ساحات بيروت، بُعدَها الأداتيّ ودلالاتها البليغة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

سيلفانا الخوري

سيلفانا الخوري

باحثة ومترجمة لبنانية