آخر تحديث:13:31(بيروت)
الأربعاء 14/07/2021
share

أموال المهاجرين: قبل وجود لبنان.. وربما بعد زواله

زكي محفوض | الأربعاء 14/07/2021
شارك المقال :
أموال المهاجرين: قبل وجود لبنان.. وربما بعد زواله الجميع ينتظر المغتربين ودولاراتهم الطازجة (غيتي)
في دروس الجغرافيا حول لبنان وفي جانبها الاقتصادي، تُذكر أرقام راحت تتغيّر مع مرّ السنين، هي أرقام الناتج المحلّي والزراعة والصناعة والسياحة ودخل الفرد ومَصادر أموال. وكانت تلك المصادر تُذكر على عجل في كتاب الجغرافيا، عند الكلام عمّا يشكّل دخل الفرد على النحو الآتي: "... بالإضافة إلى أموال المهاجرين"، وكأن مُعِدّ الكتاب لاعبُ خفّة يحاول إيهام القارئ الغر بقلة أهمية ذلك الرافد المالي الدسم.

وكانت المغترَبات، غرباً وشرقاً، ولا تزال، أبرز مصادر الأموال للفرد والعائلة. وتشكّل مبالغها الوافدة رافعةً مالية منذ أكثر من قرن بكثير، منذ أن كان اللبناني (حديثاً) تركياً فسوريّاً في نظر مواطني دول المهجر. فحتى خمسينيات القرن الماضي، أي بعد أكثر من ثلاثة عقود على قيام لبنان الكبير، ظل اللبناني هناك، هويةً وثقافةً، عثمانياً وسورياً. ولم يشفع له إعلان وطنه الأم، الحرب على ألمانيا النازية، ولا مساهمة شارل مالك في نَظْم شرعة الأمم. آنذاك، لم يُولِ اللبنانيون أهمية كبرى لهذا التفصيل الهوياتي الثقافي، حتى انتظم الأمر من تلقائه حين ثُبِّت تميُّز لبنان عن محيطه، وغدا اللبناني المهاجِر لبنانياً صرفاً مثل أخيه في الداخل.

حالياً، اللبنانيون مطالَبون بالتفكير مليّاً بهذا التفصيل، مع تزعزع مصدر الأموال الأساس، ولعلّه الوحيد في ظل الخراب الكبير. ذلك أن أحوال لبنان المنهار اضطرت لبنانيي الداخل إلى المجاهرة، صراخاً احياناً، بطلب المساعدة من مصدر الأموال، في حين أمسى لبنانيو الخارج، أي أركان هذا المصدر، فئتين:

الفئة الأولى، ممن غلبهم الحنين وأغرتهم الفوائد المرتفعة، فضاع جنى أعمارهم بالمهجر، في بنوك الداخل، وترافق ذلك مع تدنٍ كبير في قيمة ممتلكاتهم غير المنقولة في وطنهم الأصلي. ومعها ضاع جزء من الأموال الرديفة لدخل الفرد والعائلة.

أما الفئة الثانية، ممن استقرّوا نهائياً في المهجر اقتصادياً ونفسياً، فيحاولون تهدئة صراخ استغاثة أهل الداخل، بما تيسّر من أموال وأدوية، بتحويلات شبه يومية عبر أفراد، أي بالتقتير. ومن هؤلاء من بدأ يعبّر عن وهنه المادي والنفسي. فليس في مقدور المهاجرين الحلول مكان دولة ناظمة وراعية.

والدولة التي تعوّل على أموال المهاجرين منها (آه نعم، وهندسات مالية) كسند أساسي لآهليها، ليست دولة. وهذا ما حصل مع بدء الانهيار عندما ارتفعت أصوات زعماء وسياسيين تطالب المغتربين بإرسال "200 دولار بالشهر" للعائلة، لمساعدة أفرادها على تجاوز أزمة كان أصحاب تلك الأصوات من بين من تسببوا فيها ولم يقدّموا خطة لمعالجتها. ومنهم حالياً من يعمل في "تصدير الأمل". ملاحظة: بقي مجهولاً ما إذا كان الأمل موضّباً في صناديق إعاشة أم أنه "فَلْت" في كونتينرات.

واستطراداً، لا تختلف فكرة تصدير الأمل اقتصادياً وسياسياً، عن فكرة تصدير البطاطا التي أتحفنا بها نابغة اقتصادي-إلهي، ما لبث أن انكفأ بعدها إلى التشجيع على زراعة البلكون لتأمين الاكتفاء الذاتي، وما زال يرتجل حلولاً ربّانية، بينما فتح معاونه الأعبس بسطة لبيع اللبنانيين الأمل بدنو الفرج.

ومع تدحرج كرة الانهيار من القمم "الما بتنطال"، تفطّرت فئة ثالثة من المهاجرين. إنهم مهاجرو المنظومة السياسية، أو بعض منها. وهؤلاء أتوا من البلدان التي يعملون فيها حاملين الحقائب الملأى بالكاش الوفير، مئات ملايين الدولارات، والراجح أنهم دفعوا رشاوى للسلطات هناك لكي يُخرجوها بكميات كبيرة. وهذا الأمر ليس خافياً على أحد، فمن هؤلاء من جاهر بحملهم الكاش في حقائب فتحوها أمام مسافرين معهم وراحوا يتبجّحون. بالطبع، هم تكتّموا عمّن ستذهب إليهم تلك الشُنط.

وفي لغة المغتربين، الرشاوى التي تُغدق على المسائيل الفاسدين المجرمين في بلدان التعتير، توصف بعبارات مهينة، من قبيل "حتى تاكل عنب يجب أن تظل يدك في فم الحاكم".

وللهجرة اللبنانية أهداف عديدة مختلفة، منها السرقة للاغتناء سريعاً والعودة. والقصة المثال على ذلك، عن شاب عاد بعد غياب طويل، حقق خلاله تفوقاً علمياً باهراً، في حين أن ابن عمته الذي سافر معه عاد بعد سنتين وعمّر بيتاً تحته دكّان. سئل الشاب الألمعي عن ذلك، فأقر متردّداً بخفر إن قريبه سرق. فعاجله والده بصفعة قائلاً: "وما هي الغربة إذاً؟".

لأموال المهاجرين، بالنسبة إلى أهلهم المقيمين، أهمية كبيرة كوسيلة لانتشالهم من الفقر والعوز. وكانت تتجلى من خلال انتظار العائلة على أحر من الجمر شيكات أقربائها المغتربين، أو وصول الناولون (ثمن تذكرة السفر) لأبن العمّة. كانت الزغاريد تصدح، ويدعى ساعي البريد إلى الغداء ويعطى حلوينة (مكافأة)، عند حصول ذلك. وفي حال حمل المكتوب طلب زواج من ابنة الخال، تهوج القرية وتموج. فابنة الخال هي باب عبور ذويها إلى المهجر للاغتناء. وكان الحسّاد يحتسبون تراكم ثورة جارهم، بفضل أموال المهجر من أخيه، غافلين عن نجاحه ودأبه في عمله أو تجارته.

وفي المناسبة، أحياناً كان يُساء استخدام أموال الأقارب البعيدين، الذين يعودون ليجدوها سُرقت او "استُثمرت" في مشاريع فاشلة. والاستثمار الفاشل وإساءة الأمانة، مورسا أيضاً على الأموال التي كان يهرّبها "أشقّاء" عرب من بلدانهم التي شهدت اضطرابات سياسية، مثلما كانت تُعامَل أحياناً الودائع المصرفية من دول عربية.

كل هذا للقول إن لبنان عامَ على أموال الخارج، أكانت من مهاجرين منه للإقامة أو العمل، أم مهاجرين إليه للاستثمار: بيروت عمّرتها أموال روّاد أعمال عرب، أي أموال من الخارج. وازدادت أهمية تلك المصادر الخارجية، من لبنانيين وعرب وأجانب عندما تخلى لبنان عن القطاعين الصناعي والزراعي، واعتمد على السياحة والاستيراد.

الأسباب التي أدّت إلى هذا الـ"لبنان" المنهك الخاوي الجائع، كثيرة. أولها غياب دولة ناظمة وراعية، فضلاً عن تدخلات سافرة وغاشمة من أعداء وأشقاء وأصدقاء، ومنطق الاستقواء بالخارج والاستئثار بالسلطة الذي اتّبعه أكثر من فريق داخلي طائفي وحزبي، منذ ما قبل قيام لبنان الكبير، منذ أيام توسكانا. وحالة البلد الحرجة حالياً، تشكّل خطراً مميتاً على اللبنانيين في الداخل كما في الخارج، هذا الخارج الذي قد يصير شتاتاً.

مرة أخرى، سيكون على المهاجرين لعب دور حاسم، سياسي واقتصادي، مع أهلهم في الداخل للحؤول دون ضياع موطنهم الأصلي واندثاره. ولا عجب في أن يزول لبنان، فمنذ قرن لم يكن موجوداً، كان بالكاد جبلاً صغيراً. وإذا عاد بالكاد جبلاً صغيراً، سيفقد المهاجرون هويتهم الأصلية وقيمتهم الثقافية التي ساهمت في تنويع المجتمعات المضيفة. وإذا عاد لبنان بالكاد جبلاً صغيراً، الراجح أن تعود أصول المغتربين إلى تركيا أو سوريا كما في الماضي. وستصل أموالهم إلى هناك أيضاً.

لكن، هل يأبه عموم اللبنانيين لقيمهم الثقافية في المغتربات، وهم الحرابيق الذين يذهبون إلى البعيد ويحملون جنسيات جديدة وتخالهم صاروا ابناء تلك البلاد، فقط ليكتشفوا فور عودتهم إلى لبنان أنهم لم يبرأوا من خطاياهم الأصلية؟..

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها