آخر تحديث:18:49(بيروت)
الثلاثاء 01/06/2021
share

عدنان الشرقي الذي لاحقَ لاعبيه إلى بيوتهم

رياض عيتاني | الثلاثاء 01/06/2021
شارك المقال :
عدنان الشرقي الذي لاحقَ لاعبيه إلى بيوتهم
لم يأت تصنيف المدرب القدير عدنان الشرقي كأفضل مدرب آسيوي منتصف تسعينيات القرن الماضي، من فراغ. ولم يكن دخوله موسوعة "غينيس" مع فريقه "الأنصار" مفروشاً بالورود، بل أتى بعد 11 لقباً متوالياً لبطولة الدوري اللبناني حققها مع أبنائه من لاعبي النادي البيروتي، بالعرق والجهد والكفاح.


شكل الشرقي الذي رحل عن عالمنا، فجر اليوم الثلاثاء، حالة فريدة على مستوى كرة القدم اللبنانية، خصوصاً انه بدأ التدريب في سن مبكرة حين أشرف في الستينيات على فريق "أبناء الحي" في الطريق الجديدة معقل الأنصاريين. وواكب عدنان مكداش المولود العام 1941 والذي لُقّب بـ"الشرقي" تيمناً بأخيه الأكبر منير، الذي كان يحمل الكنية نفسها، أجيالاً في نادي "الأنصار"، شكل بالنسبة إليها على مر العقود القائد الملهم وصانع الانتصارات.

من منطلق العلاقة الأبوية فرض الشرقي حضوراً مؤثراً بين لاعبيه. ورغم عصبيته في بعض الأحيان وعباراته "غير المضبوطة" في أحيان أخرى، فإن لاعبيه كانوا يعرفون أنها ليست بقصد إهانتهم، بل نتيجة الضغط التي كان يثقل كاهله، وبدافع الغيرة على سمعة "الأنصار" التي تحولت جزءاً من سمعته وسيرته الشخصية.

وعلاقة الشرقي بلاعبي الأنصار لم تقتصر على "المستطيل الأخضر"، بل امتدت خارجه حيث كان يتابع يومياتهم وتنقلاتهم، ولو في السرّ أحياناً، إذ كان يكلف نواطير الأبنية التي يقطنها اللاعبون بإعداد تقارير سرية عن تحركاتهم! وبلغت درجة اهتمامه بصحة لاعبيه حداً دفعه لاستقدام سيدات منازل إلى النادي لإعداد الوجبات لهم، ضمن برنامج يشرف عليه شخصياً، إذ كان يؤمن بأن سوء التغذية والسهر عاملان أساسيان في تدمير اللاعب.

ويذكر لاعبو الفريق الأخضر بأنه كثيراً ما كان يفاجئهم باتصالات ليلية تستفسر عن مدى التزامهم ببرنامجه، حيث السهر ممنوع والالتزام بأوقات التمارين أولوية يتسبب الإخلال بها في دفع غرامة مالية تحسم من راتبهم الشهري!

وفي إحدى المناسبات كشف الشرقي عن حادثة قد يصدقها البعض وقد لا يصدقها البعض الآخر، إذ قال أنه في إحدى المرات عرض عليه رئيس النادي التاريخي، سليم دياب، بأن يحضر له نجم وهدّاف "ليفربول"، إيان راش، مقابل 100 ألف جنيه استرليني يدفعها من جيبه الخاص، وذلك في منتصف التسعينيات بعد مغادرته لناديه، فرفض الشرقي! وحين سأله دياب عن السبب، أجابه: "هل تريدني أن أبقى أتبعه من حانة خمور إلى أخرى؟".

وبعيداً من الملاعب، عُرف الشرقي بروحه المرحة وحبه للحياة، فضلاً عن إنسانيته ووفائه لأصدقائه. ويذكر جيداً من تابع مباراة السياسيين التي أقيمت في المدينة الرياضية العام 2009، وتابعها الشرقي، ما وصف به الراحل المباراة، قائلاً: "11 ولد حاكمين بلد، وعم يلعبوا كمان".

عُرف الشرقي بابتسامته اللطيفة ولهجته البيروتية المحببة وحديثه القريب إلى القلب وسرعة بديهته، إذ كان يكفي أن تستفسر منه عن واقعة ما، حتى يدهشك بمعلوماته الدقيقة وسعة اطلاعه وعمق ثقافته. وارتبط اسمه بمحطات تاريخية منذ تحدى الأنصار ظلم اتحاد الكرة في الستينيات. وانتزع عن جدارة واستحقاق بطاقة صعوده إلى دوري الأضواء بعد سنوات من القهر، كان فيها قاب قوسين من إنجاز المهمة في أكثر من موسم، لكن الاتحاد كان له دائماً بالمرصاد، إلى أن نجح الشرقي ورفاقه في مهمتهم العام 1968.

وفيما جمدت الحرب الأهلية نشاط معظم الأندية اللبنانية في السبعينيات والثمانينيات، لم يقف الشرقي مكتوف اليدين، إذ كان يرصد أزمنة المعارك وأمكنتها، ليهرب مع لاعبيه إلى حيث الهدوء، سعياً إلى الإبقاء على جهوزيتهم البدنية واستمرارهم في التمارين. وفي بعض المرات كانت تدريبات الأنصار في ملعب بيروت البلدي تقام بالتزامن مع دوي القذائف وأصوات  الرشاشات. علماً أن الشرقي نسج علاقة تاريخية بينه وبين ملعب بيروت البلدي الذي كان يبعد عن منزله في الرواس بضع خطوات. وربما أمضى على أرضه وقتاً أطول من ذلك الذي أمضاه في منزله. وتجلت هذه العلاقة في وصية الشرقي الذي أوصى بأن تقام مراسم دفنه في "البلدي"، في وقت يجتهد الوسط الأنصاري بغية إطلاق اسمه على الملعب.

والحال أن ما زرعه العقل المفكر لـ"الأنصار" في حقبتي السبعينيات والثمانينيات أثمر جيلاً ذهبياً حصد معظم الألقاب المحلية في التسعينيات حين بنى المدرب منظومة كروية رائعة قادها نجوم من طراز رفيع، في مقدمهم عمر ادلبي وجمال طه وعصام قبيسي وعبد الفتاح شهاب وفادي علوش. والأخير لم يمارس كرة القدم في شبابه إلى أن اكتشفه الشرقي ورأى فيه مشروع لاعب مميز، فلم يخيب ظنه ونال لقب الهداف التاريخي في الدوري اللبناني لكرة القدم بمجموع قياسي من الأهداف!

وقاد الشرقي هذا الجيل الذهبي للهيمنة على الكرة اللبنانية طوال 11 موسماً متتالياً بين 1988 و1999 ليدخله الى موسوعة غينيس العالمية. وعلى مدار 4 عقود، درب الشرقي الأنصار وفاز معه بكل الألقاب المحلية الممكنة. وبقي في صفوفه 38 عاماً، حصد خلالها لقب الدوري اللبناني 11 مرة، وكأس لبنان 12 مرة.

إلى ذلك، قاد الشرقي المنتخب اللبناني في أكثر من مناسبة، أولها كان بين العامين 1974 و1976، لكن التجربة الأبرز له مع المنتخب كانت بين 1987 و1993، إذ قاد المنتخب في التصفيات المؤهلة لكأس العالم للمرة الأولى في تاريخ منتخب الأرز. وخلال تلك التصفيات نجح المنتخب بتحقيق إنتصارين وأربعة تعادلات وخسارتين، لكن الأمر لم يكن كافياً للمضي قدماً في التصفيات. وكانت للشرقي تجربة ثانية مع "الأنصار" في موسم 2004-2005، ثم رحلة أخيرة مع المنتخب الوطني بين 2006 و2008.

مطلع العام الحالي، أُدخل الشرقي المستشفى أكثر من مرة، نتيجة معاناته من مرض عضال. توقّف قلبه، الثلاثاء، وأغمض عينيه بعدما زاره العديد من الأصدقاء من دون أن يعرف بقدومهم للاطمئنان على صحته. رحل عدنان الشرقي تاركاً إرثاً رياضياً كبيراً، سواء على المستوى اللبناني أو نادي "الأنصار" الذي أهداه هذا العام لقبي الدوري والكأس اللذين أحرزهما خلال تواجده في المستشفى قيد العلاج في أيار/مايو الماضي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رياض عيتاني

رياض عيتاني

صحافي رياضي