آخر تحديث:07:57(بيروت)
الأحد 09/05/2021
share

فوبيا السوبرماركت وعنف الأرقام

يارا نحلة | الأحد 09/05/2021
شارك المقال :
فوبيا السوبرماركت وعنف الأرقام
"ماذا أحتاج لدخول السوبرماركت؟"، يسأل أحد الأصدقاء في فايسبوك، مستفسراً عن اللوجستيات المتعلقة بطلب اذن من منصة وزارة الصحة، فتجيبه إحداهن "مضاد للقلق".

أجد في هذا التعليق الساخر توصيفاً مناسباً للحالة التي أحياها في كل مرة أجرؤ على زيارة، أو التفكير بزيارة، السوبرماركت. لكن حين أتأمل المسألة بتمعّن أكثر، أدرك أن الموضوع قد تخطى القلق ودخل في ميدان الرهاب. 

في المرة الأخيرة التي قصدت السوبرماركت، فعلتُ ذلك مكرهةً. وبالرغم من أني أقطن على بعد خطى قليلة من السوبرماركت، لكن بين اتخاذ قرار التسوق وتنفيذه، استغرقني الامر أكثر من أسبوعين. وقد كانت بعض أسباب التأجيل خارجة عن إرادتي، فتارةً أجد السوبرماركت مقفلةً بسبب الارتفاع الجنوني في سعر الدولار، أو أصل لأتفاجأ بمظاهرةٍ صغيرة أمام أبوابها، أو شجار في أروقتها. لكن الأمر لم يعد يحتمل أي تأجيل، فما أكثر الأشياء التي نحتاجها من أجل الصمود.

خرجت من البيت وأنا عازمة على قضاء هذه المهمة الثقيلة، لكني وجدت نفسي أتحرك بشكلٍ آلي في الإتجاه المعاكس. بدأت أعدد في رأسي قائمة الحجج والأسباب التي تدفعني للعدول عن مشروعي. مشطت الشارع ذهاباً واياباً الى ان انتهى بي المطاف أمام باب السوبرماركت محاولةً استجماع كل ما لدي من شجاعة لدخول مدينة الرعب تلك.

لا يتعلق الأمر بغلاء الأسعار فقط، وان كان ذلك سبباً وجيهاً لبث الاضطراب في النفوس الأكثر طمأنينةً. لكن لرهابي سبباً إضافياً لا يقل قسوةً، قسوة أراها في وجوه المتسوقين البائسة التي تعكس عنف الأرقام الملصقة على الرفوف. أراقب نظراتهم المرهَقة وهم يشقون طريقهم بشكل مدروس وسط أفخاخ المتاهة الاستهلاكية. يسرعون خطواتهم في أروقة البضائع المستوردة، أو تلك التي لا تعد حاجات أساسية، وقد يرمون نظرة متحسرة هنا وهناك ثم يمضون بطريقهم إلى رفوف المواد "المدعومة". 

بين الفنية والأخرى، يمكن سماع تصفيرة صادرة عن أحد المتسوقين للتعبير عن هول الفاجعة، فيما يقف آخر أمام رف الأجبان متردداً إزاء هذا الاستثمار. في رواق آخر، سيدة تفسر لابنها بأن عليه أن ينسى أمر "الكيت كات". "هيدا مش إلنا"، تقول له، فيتساءل محتجاً "لمن اذاً؟" "للذين يتقاضون بالدولار". تجيبه الأم. 

يعيدني هذا المشهد بالذاكرة الى رحلات التسوق رفقة أمي حين كنت طفلة كثيرة التطلب، وفي جعبتي الكثير من الحجج التي تبرر حاجتي لهذا الشيء أو ذاك. فكانت أمي، حين تريد وضع حد لطلباتي، تقول ببساطة "لا أحمل المال"! فتقطع بهذه الجملة، كل سبل الاعتراض والتذمر أمامي، ذلك أنني كنت أدرك أن أي قدر من التمرد أو الالحاح لن ينفعني لتغيير هذه الحقيقة المادية التي تعلو على كل الحقائق. فهمت منذ وقت مبكر أن للمال الكلمة الأخيرة والقاطعة، ورحت أتساءل ان كان طفل "الكيت كات" قد بدأ يدرك هذه الحقيقة المرة بدوره. 

أقفز بالذاكرة بضع سنوات الى الأمام، أي حين صرت أجني مالي الخاص الذي بإمكاني انفاقه بشكل اعتباطي دون الحاجة للتبرير. كنت في تلك الفترة أسكن برفقة عدد من الأصدقاء، وكانت بيروت عبارة عن فقاعة استهلاكية توهمنا بأن كل شيء على ما يرام، رغم قناعتنا بأن الواقع غير ذلك، لكننا نتقاضى رواتبنا بالدولار والأمور "ماشية".

وفي أوقات الشدة النفسية التي كانت تدفعنا الى العزلة، وبالمناسبة هذا الشعور معدٍ، كانت وسيلتنا المثلى للتمويه عن أنفسنا هي بالذهاب الى السوبرماركت لممارسة فعل الاستهلاك الأعمى الكفيل بتخدير مشاعر الاغتراب وانعدام الجدوى، وان بشكل مؤقت. لم تكن تنتابنا الرغبة لممارسة أي نشاط أكثر رقياً من الناحية الاجتماعية أو النفسية. ففي هرم ماسلو لتراتبية الحاجات الإنسانية، كنا عالقين في المستوى الأدنى، أي مستوى اشباع الحاجة للطعام. وفي مراحل فرويد للتطور النفسي، كنا عالقين في مرحلة الاشباع الفموي الأكثر بدائية. 

اليوم، نجد أنفسنا خارج هذا الهرم كلياً، وخارج كل سياقات الاشباع، باستثناء واحد ربما هو راتب "الفريش دولار".. لمن استطاع اليه سبيلاً. ولعل المشهد الأكثر تعبيراً عن العنف الاقتصادي الذي يحياه اللبنانيون ممن لا يملكون مصدراً للدولارات الطازجة، هو عند "الكاشيير"، حيث تصطف العربات الهزيلة وشبه الفارغة الا من بعض ضروريات الصمود، الى جانب عربات متخمة بشتى أصناف الكماليات. 

أتخيل كل هذه المشاهد وأنا لا أزال واقفةً أمام باب السوبرماركت. أرى حياتنا وقد تم اختزالها الى اشكالها وصراعاتها الأكثر بدائية، فيعتريني الخوف. أشعر في تلك اللحظة أني بحاجة لمن يمسك بيدي ويقودني في أروقة هذا المكان المتوحش.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها