آخر تحديث:14:12(بيروت)
الأربعاء 19/05/2021
share

في المقارنة الظالمة بين بيلا حديد وأفيخاي أدرعي

جهاد بزي | الأربعاء 19/05/2021
شارك المقال :
في المقارنة الظالمة بين بيلا حديد وأفيخاي أدرعي
هذا مقال ساخر من أفيخاي ودولته، فيا ليت ينظر إلى سطوره بعين العطف.
لصديقتي زينة مقولة ذهبت مثلاً: "الشكل أهم من المضمون". وفي الشكل، إذ نقارن بيلا حديد بأفيخاي أدرعي، فكما نقارن زهر اللوز بفاتورة مطعم. لا شيء من الأولى في الثاني. حرفياً لا شيء.

الأولى، اكتملت أوصافها (بعد الله): امرأة. شابة. خلابّة الجمال. فلسطينية. فخورة بأصلها الفلسطيني. والثاني، نجده حيثما اتفق: رجل، إسرائيلي، يعيش أزمة منتصف عمره. عادي الملامح والبنية الجسدية. موظف بروباغندا مفضوحة، مجهول الأصل. سنتخلى عن الأولى والثاني الآن، ونخاطبهما بأسمائهما.

بيلا لديها ما تخاف عليه. نجمة على مستوى الكوكب. لديها 42.5 مليون متابع في "أنستغرام". صورتها الواحدة تنال بين مليون ونصف، ومليوني إعجاب. التعليقات تتراوح بين "هل تحاولين إجباري على البكاء؟" و"أنا مستعد للتبخر من أجلك" (الأخير أنا اخترعته. لا أتبناه، لكني لا أشكك في وجوده).

بيلا ليست بحاجة إلى السياسة في عالمها الوردي المزدحم بكل رفاهية الماركات التي لا تحب الصراع. العالم الخفيف للمجوهرات والسيارات واليخوت والفنادق بنجومها السبعة. العالم الجميل الذي نراه "ماكسيموم" في الإعلانات، فلا يقاربنا نحن العاديين، ولا نقاربه. لكنها، بيلا حديد الفلسطينية، اختارت. لم تتردد للحظة في أن تختار الوضوح. هذه أرضها، وهذه قضيتها. لم تلجأ إلى ميوعة الممثلة الإسرائيلية غال غادوت، في حب الإنسانية بشكل عام، ودولتها بشكل خاص. بيلا لم تقل، كالمرشحات لملكة جمال ما، أنها تريد أن تطلق ما استطاعت من حمائم بيضاء في سماء العالم.

قبل هذا، لم تنشر صورة وجهها وقد غطى سماء القدس ومسجدها وبيوتها وناسها ولم يبق ولم يذر، كما فعلت "نجمات" لبنانيات وسوريات. لا. بيلا اتخذت موقفاً حاسماً في السياسة أولاً وأخيراً. قالت قضيتها بوضوح. ذكّرت بشجرة عائلتها الفلسطينية، بجذورها. استعادت شرح القضية كما هي، الاستيطان وطرد السكان الأصليين من بيوتهم وبلادهم، والفصل العنصري وظلم القوة، ثم نزلت وتظاهرت مع المتظاهرين في نيويورك بثياب المتظاهرات، بالجينز والكوفية (لا بأس إذا كان ثمن الجينز خيالياً، هذه، في آخر النهار، بيلا حديد).

لم تدّعِ، وهذا هو الأساس، كما لم تجبُن. لم تخف من خسارة أحد، لا وكالة إعلانات ولا جمهوري حبيبي. تقول وتفعل ما تؤمن به. وتأثيرها، في هذا العالم من السوشيال ميديا مهول، وحقيقي وضروري كي يصل الصوت الفلسطيني إلى أعلاه: فلسطين جميلة ببناتها.

من الجلي أن سياق النص يأخذني لأن أكتب: حياك الله يا بيلا يا ابنة الحديد. وهذه لحظة ملائمة تماماً للانتقال إلى أفيخاي.

سبحان الذي خلقه ما أثقل دمه. أعني، هذه الدولة المتفوقة في سلاحها وهمجيتها، تسقط دائماً حين تصل إلى البروباغندا. قبل السوشال ميديا، كانت طائراتها ترمي على العرب منشورات مضحكة برسوم سيئة ولغة عربية مخجلة. وحين تطورت، خرجت علينا بأفيخاي.

حسناً، لديه نحو 400 ألف متابع في "تويتر"، منهم أنا لضرورات ليست ضرورية، ومثلي كثر. شبه أبله، يمضي أيامه في ترداد عبارات جوفاء كالببغاء. يخرج علينا بنجمتين على كل كتف ليفحمنا بعبارات من القرآن، أو لجنود محبين للسلام، أو لتحوير كلمات مُقدستنا فيروز ليسقطها على دولته. أو ليصغر لأوامر قيادته ببث بيانات جيشه. يتذاكى علينا باللعبة نفسها مذ خرج إلى الضوء: ليست إسرائيل من تفعل بكم هذا، هي قياداتكم. مقنع للأمانة. لأن واجبه، بينما الأبنية تنهار على أطفالها، أن ينقذنا.

قلبه علينا أفيخاي. دائماً قلبه علينا، حتى نكاد نقول له من الحب ما قتل يا آفي (على الأرجح أن هذه كنية تدليله بالعبري). من الحب ما قتل يا آفي. من الحب ما قتل يا إسرائيل. كفّي أنت وأفيخاي، عن كل هذا الحب. يكفينا.

أفيخاي نموذج للعدو القذر بطبيعته. نموذج لكل ما عانيناه. الوجه المبتسم، الودود، اللطيف لمصاص دمائنا. المهرج القاتل الذي يمازحنا بينما يذبحنا، لا نملك أن نقول له اعتقنا يا أفيخاي. اعتقنا من مزاحك ومن جديتك. اعتقنا يا مضحكنا. اعتقنا يا قاتلنا.

أفيخاي قميء. لا وصف ألطف يستحقه. هو وجه المجرم كما هو، وإن كان بلا أنياب بارزة كما في رسوم دراكولا المتحركة. نحن لا نرى غير وجهه ودوي الطائرات. لا نرى وجوه الطيارين لكننا نرى وجهه. لا نرى من يلقمون المدافع لكننا نرى وجهه. لا نرى وجه بنيامين نتنياهو ومن سبقه، لكننا نرى وجهه. وهو وجه كريه مهما تخفّى خلف ابتسامته، ومهما سوّق ودّه ولطفه، بعكس وجه بيلا.

مضجراً صار هذا النص حين ذهب إلى أفيخاي، لأنه شخص ممل وممجوج وبلا نكهة ولا طعم ولا رائحة. هذا شخص صُنع كيفما اتفق. غير أن المقارنة بينه وبين الفلسطينية بيلا حديد، كانت مقصودة. أي مقارنة بين امرأة ورجل ستكون ظالمة بحق الرجل. والمقارنة بين بيلا وأفيخاي تظلم أفيخاي حتماً. فهي مقارنة عن سابق تصور وتصميم. مقارنة لئيمة بين زهر الكرز وفاتورة الكهرباء. وكما قالت صديقتي زينة: الشكل أهم من المضمون.

في حالتنا هذه، بيلا تفوز على أفيخاي، شكلاً ومضموناً. كذلك تفوز فلسطين على إسرائيل. كذلك تفوز فلسطين الطيبة الحلوة على بشاعة إسرائيل.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها