آخر تحديث:17:53(بيروت)
السبت 01/05/2021
share

كيف أفلت "الطاووس" من مقصلة "أهل إسكندرية"؟

ناصر كامل | السبت 01/05/2021
شارك المقال :
كيف أفلت "الطاووس" من مقصلة "أهل إسكندرية"؟ ملصق مسلسل الطاووس
خلال بضعة أيام، جرت وقائع عديدة، بين إعلان "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر"، التحقيق مع المسؤولين عن إنتاج مسلسل "الطاووس"، وحفظه الشكاوى المقدمة ضد المسلسل، وهي في مجملها كاشفة لمدى تعقد العلاقة بين السلطة والإعلام والفن، والصراع المستعر بين أجهزة أمنية مختلفة على السلطة المطلقة في الهيمنة على مخيلة المصريين وذائقتهم.
والوقائع الحالية متصلة بوقائع السنوات العشر الماضية، اتصالاً وثيقاً، حيث يستدعي التحقيق مع "الطاووس" من الذاكرة القريبة، ملفات متعددة، أبرزها ربما ما حصل لمسلسل "أهل إسكندرية"، الذي أنتجته العام 2014 "مدينة الإنتاج الإعلامي"، حيث تمتلك الدولة النسبة الحاكمة من أسهمها، وكان جاهزاً للعرض وتم منعه آنذاك.

وربما كانت استقالة وزير الدولة للإعلام، أسامة هيكل، الأسبوع الماضي، سبباً إضافياً في استعادة تلك الأزمة، لأن هيكل، بصفته رئيس الجهة المنتجة لـ"أهل اسكندرية"، كان الأكثر فجاجة في تبرير أسباب المنع. وبعد عامين من تعقيد أزمة المسلسل، حسم الأمر قائلاً: "المسلسل لن يعرض، وسيتم إهلاكه"، مؤكداً أن القرار اتخذته لجنة مشاهدة مشكلة من وزارة الداخلية "لأن فيه مساساً بالأمن القومي المصري"، مهوناً من الخسارة المادية البالغة نحو 22 مليون جنيه مصري، جازماً أنه يكفي، لمنع المسلسل، أن يكون هناك شك في ولاء مؤلفه، بلال فضل، وبعض ممثليه مثل باسمة وعمرو واكد.

فجاجة هيكل القديمة، لا تقارن بتدني لغة بيان التحقيق مع صناع "الطاووس"، فبينما كانت الأصوات المدافعة عن المسلسل تتعالى، تقدم هيكل باستقالته من الوزارة، وقُبلت استقالته، ليفتر "الصراع" قليلاً بين أجهزة الدولة المصرية الأمنية حول الكيفية التي يجب أن تتعامل بها الدولة مع الإعلام والفن والثقافة، والذي تركز، خلال الأشهر القليلة الماضية، حول هيكل نفسه، ودور وزراته، فيما أعاد مغردون نشر مقطع مصور يقول فيه: "تحدثت مع الرئيس (السيسي) أكثر من مرة عن أن المنع والصوت الواحد أصبح مستحيلاً".


وفي ذروة هذه الأجواء، نشر المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة تقريراً خبرياً عن ندوة عقدتها إدارة المخابرات الحربية والإستطلاع، تحت عنوان "دور الوعي المجتمعي في تحقيق الأمن القومي وأمن وسلامة القوات المسلحة"، وأشار مديرها إلى أن "فعاليات الندوة تأتي في ظل تسارع المتغيرات الإجتماعية داخل المجتمع والتحديات التى تؤثر في استقراره وتماسكه"، مشيراً إلى "الجهود المبذولة والتعاون المستمر بين القوات المسلحة وجميع الأجهزة المعنية لزيادة الوعي المجتمعي لما له من أهمية في تحقيق الأمن القومي المصري".

ومن أبرز التحديات التي ناقشتها الندوة، بحسب التقرير المصور: "استحواذ الإعلام الخاص، خلال الأعوام بين 2010 و2014- على المجال الإعلامي وتناوله للقضايا الجدلية والمسكوت عنها واختراق المحرمات السائدة في إعلام الدولة، كما اتسم الإعلام الفضائي الخاص بالكثير من السلبيات، منها إختراق المعايير المهنية، وممارسة السب والقذف والتشهير وترويج النماذج السلبية في الفكر والسلوك وتكريس التعصب ودراما الإسفاف والابتذال".

وعليه، اعتبرت ندوة المخابرات الحربية أن هناك خللاً كبيراً ينبع أساساً من وجود إعلام "خاص"، يتناول القضايا الجدلية والمسكوت عنها، علماً أن أبرز المتحدثين في الندوة، وهم "نخبة من الباحثين والمتخصصين في العلوم السياسية والاجتماعية"، حددوا أن قضايا التحرش والاغتصاب، على رأس ما لا يجب تناوله إعلامياً وفنياً. والحاصل أن تقرير الندوة كشف أن جلساتها الثلاث سعت لوضع "استراتيجية لتنمية الوعي المجتمعي".


وهكذا ستكون مفهومة ركاكة أسلوب بيان "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام"، وحديثه في ما يتعلق بالتحقيق مع "الطاووس"، عن "ضرورة إعلاء القيم وعدم المساس بالأسر المصرية أو الحط من شأنها، أو إظهارها في صورة تسيء إليها"، وأن دوره الرئيس هو "تنقية الأجواء، والابتعاد عن أية صورة تشوه صورة الأسرة المصرية".

والسؤال هنا هو: هل تصلح المقاربة، والمقارنة بين مصير "أهل إسكندرية" ومصير "الطاووس"؟. فالأول الذي تدور أحداثه في الأشهر التي تسبق، مباشرة، ثورة 25 يناير، يحاول عرض بعض ملامح الفساد في الدولة المصرية، بدءاً من وزارة الداخلية، وبالتحديد جهاز الشرطة، ومروراً بوزارة الإعلام، وقطاع رجال الأعمال وعالم "البزنس"، وكان مصيره "الإهلاك"، بينما أفلت الثاني من المقصلة رغم أنه يتناول قضايا التحرش والاغتصاب والعنف ضد المرأة.

وظلّ مسلسل "أهل إسكندرية" محلاً للصراع داخل أجهزة الدولة لأكثر من ثلاث سنوات حتى لقى مصيره، في حين أن أمر "الطاووس" حُسم سريعاً، حيث واجه موجة هجوم خافتة، منذ الإعلان التشويقي، بزعم أن الدعاية استغلت ما عرف إعلامياً بقضية "فتاة فيرمونت"، التي مازالت محلاً للتحقيق وكانت ضحيتها ابنة الفنانة المصرية نهى العمروسي، التي تتهم عدداً من الشباب، من أبناء رجال الأعمال، باغتصابها جماعياً، في ذلك الفندق الشهير، وبالفعل أصدرت المدعية بياناً عبر مستشارها القانوني، طالبت فيه النائب العام وكل الجهات المختصة في مصر بوقف عرض المسلسل.

وفي تصريحات أسامة هيكل حول "أهل إسكندرية" انصب الهجوم على الكاتب بلال فضل، عبر اتهامه بأنه "استوحى أحداثه فترة حكم الإخوان لخدمة هذه الجماعة على حساب الدولة المصرية"، وكشف أن الأمور المالية حسمت بوضع ميزانية إنتاج المسلسل في خانة الخسائر ضمن موازنة العام 2017. لكنه كشف عن محاولات، خلال هذه الفترة الممتدة ثلاث سنوات، لإجراء "تعديلات كثيرة تم تنفيذها على مشاهد المسلسل لكنها لم تعالج الإطار العام له، وهناك بعض المشاهد إذا تم حذفها يحدث إخلال بالنسق الدرامي للعمل وبالتالي يصبح مفككاً ليس له أي معنى أو مضمون".

وربما تم إنقاذ مسلسل "الطاووس" من المقصلة لأن أزمته كانت على الهواء مباشرة، فلا إمكانية لمحاولة التعديل والحذف، لكن الأهم أن الأمر لم يكن متعلقاً بالمكون الصلب للدولة، بل كان، بحسب تعبير المخابرات الحربية، مجرد "لعب في الوعي المجتمعي، والقيم".


هل يمكن تصور طبيعة التنافس، الاحتكاك، التباين بين وجهات نظر الأجهزة الأمنية المصرية، حتى لا نقول "الصراع" حول كيفية إدارة ملف حرية الرأي والتعبير والإبداع؟.

يصعب كثيراً رصد مواقف قاطعة، فالأمر ربما مجرد تنافس شخصي وأهواء اجتماعية، لكن رغم شح المعلومات المؤكدة، يمكن تصور وجود اضطراب متواصل، وقد يتنامي، لأن هموم تلك الأجهزة امتدت إلى ما لا يجب أن تشغل نفسها به، وطاولت ما يصونه الدستور الذي يُقسِم كلٌّ من أفرادها على صونه.

والمؤكد أيضاً أن الفن والثقافة ضحية أولية مباشرة لمثل هذه الأجواء، فهل هناك مأساة أكثر من أن يكون الحديث عن مسلسل ما، منصباً على مقتضيات الأمن القومي فحسب، ولا تبقى هناك طاقة ولا مجال للحديث عن الأفكار والقصة والحوار والتصوير والإخراج والتمثيل، وباقي العناصر الفنية؟!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها