آخر تحديث:20:44(بيروت)
الجمعة 09/04/2021
share

كيف تكون مصاباً بالتوحد

قاسم مرواني | الجمعة 09/04/2021
شارك المقال :
كيف تكون مصاباً بالتوحد
في أحد المقاهي، تجلس فتاة شابة إلى الطاولة وحيدة تنجز عملها وعلى الطاولة المقابلة لها، يجلس شاب لوحده يحتسي قهوته وينظر إليها، يحدق بها بعينين متسعتين فيظهر كأنه متفاجئ، تبدو طريقته بالتحديق بها مريبة، تشعر بالارتباك، ينتبه الشاب متأخراً، لقد قرأ الكثير وراقب الكثير من أقرانه ليتعلم كيف يتصرف في مواقف مشابهة، يعلم أن عليه الابتسام، يتصنع ابتسامة مبالغ فيها بعض الشيء.

تصاب الفتاة بالذعر، تغلق جهاز اللابتوب، تجمع أوراقها وتغادر على عجل وبينما تسير مسرعة، تنظر إلى الخلف لتتأكد أن الشاب، غريب الأطوار، القاتل المتسلسل كما بدأت ترسمه مخيلتها، لا يلاحقها.

لقد قابلت للتو مصاباً بالتوحد وهو، كمعظم المتوحدين، إن لم نقل جميعهم، لا يجيد التعبير عبر حركات جسده أو تعابير وجهه، من نظرات وابتسامات، ليوصل رسالة إلى الفتاة أنه بكل بساطة يستلطفها. هو الآن مصاب بخيبة أمل، يشعر بوحدة شديدة وسيمضي وقتاً طويلاً قبل أن يجرؤ على تكرار محاولته.

في المساء، يدعوه صديقه الوحيد لقضاء السهرة برفقة أصدقاء له سيقوم بتقديمهم إليه. يتردد في البداية، لكن، على عكس ما يظنه معظم الناس، لديه تلك الرغبة القوية للاختلاط بالآخرين ومعرفتهم ونيل الاعتراف منهم.

في العادة لا يهتم بمظهره، أو بالأحرى لا يعرف كيف يهتم الناس بمظهرهم. بالنسبة له مظهره جيد، يقص شعره قصيراً كي لا يضطر لتسريحه، يختار ثياباً عادية كي لا يضطر لتنسيقها. لكنه الآن هو ذاهب إلى السهرة، يود أن ينال إعجاب إحداهن، سيقضي ساعات ربما أمام المرآة محاولاً تنسيق ثيابه وسيعجز عن ذلك. هناك صعوبة في أن يعرف كيف سيراه الآخرون أو أن يرى نفسه بعيونهم، أو ما الذي يعجبهم، سينتهي به الأمر بجينز أزرق وقميص أحمر.

يختار كرسياً ملاصقاً لكرسي صديقه، هكذا يشعر بالأمان، يلتزم الصمت معظم الوقت مكتفياً بمراقبة ملامح وجوههم والتعابير التي ترتسم عليها عند التفاعل مع الحديث، إلا أن الرغبة في التواصل تدفعه للمحاولة غبر إلقاء نكتة، يقول للفتاة الجالسة بقربه أنها  نسيت إزالة بعض الشعر فوق شفتها، يحاول الجميع تغيير الموضوع، يتظاهرون أنهم لم يسمعوه.

لقد أدرك للتو أنه ارتكب خطأً، لم يقصد أن يحرج الفتاة، هو يقول الأشياء ويتلقاها بطريقة مختلفة عن الآخرين، بصراحة تصل إلى  حدّ السذاجة. سيتحدثون بعد السهرة عن ذلك الشاب الخجول، الانطوائي، الغريب الأطوار وربما الوقح. يرتفع صوت الموسيقى، يبدأ الناس بالرقص، يشعر بالراحة إذ أن الآخرين سينسون الموقف الذي وضعهم فيه للتو.

صوت الموسيقى العالي يسبب له الازعاج، كذلك الأنوار الساطعة. لديه الكثير ليركز عليه. وعقله يقرأ الموسيقى بطريقة مختلفة عن الآخرين، يستمع إلى كل آلة موسيقية تعزف في الفرقة، يحاول فصل الآلات عن بعضها. هناك غيتار، درامز، ساكسوفون، تشيللو.. يشعر بإرهاق يدفعه كل عشر دقائق إلى الخروج وأخذ استراحة صغيرة. يعود ويجلس على كرسيه وحيداً يراقب الراقصين منبهراً بقدرتهم على التواصل عبر أجسادهم ونظرات عيونهم وابتساماتهم وحركات أيديهم.

تقترب منه الفتاة التي سخر من الشعر فوق شفتها وتحاول جره إلى الرقص، سيرفض، مع أنه راغب بشدة، إلا أنه خائف ومتردد، تصرّ الفتاة فينهض عن كرسيه ويرقص. يشعر بالسعادة. تدور في رأسه فكرة أن هذه السعادة مؤقتة وأن هذه اللحظة الجميلة لا بد ستنتهي قريباً، هذه اللاعدالة تصيبه بالكرب، يحاول النسيان والتركيز على الرقص.

تقول الفتاة: أنت تحرك يديك بطريقة غريبة". كانت تمزح، إلا أنها مزحة كافية لتجعله يتوقف، بفعل حساسيته المفرطة، ويعود للجلوس على كرسيه. سيمضي وقت طويل قبل أن يحاول الرقص مجدداً.

صباح اليوم التالي ينطلق إلى عمله، يسير في الطريق نفسه كل يوم، يتبع روتيناً يومياً يبدو صارماً، يحرص على أن لا يحدث أي تغيير، يصل إلى الشركة، يضع أغراضه على مكتبه ثم يتجه إلى المطبخ، يحضر فنجان قهوة، يشربه، يعود إلى مكتبه، يقول صباح الخير باقتضاب، لم يكن يقولها سابقاً لكنه تعلم إلقاء التحية. قضى في هذه الشركة ثلاثة أشهر حتى الآن ولم يتسن له الوقت الكافي بعد للاعتياد، لا زال يشعر بالغربة.

يجلس خلف شاشة حاسوبه طوال الوقت، لا يكلّم أحداً، مركزاً على عمله وهو يبدع به بطريقة غريبة، مستغلاً قدرته الفائقة على التركيز وإحاطته بالتفاصيل الصغيرة. إبداعه يشفع له النظرات المريبة التي يوزعها على زملائه طوال الوقت، من خلف شاشة حاسوبه، وتصيبهم بالذعر. يحاولون كسر الجليد معه وفهم غريب الأطوار بينهم، يقول زميله مخاطباً ليلى الفتاة الجالسة إلى جانبه:

-    ليلى، كيف تجدين الجلوس بالقرب من عامر؟

-    جميل، لا يزعجني ويفعل كل ما أطلبه منه.

-    أرى أنكما تليقان ببعضكما، لم لا تخرجان سوياً؟

-    أتمنى، لكن أعتقد أن عامر مرتبط.

هذا كان مجرد مزاح يجري طوال الوقت في كل الشركات، لكن ليس بالنسبة له، فهو يرى الآن أن ليلى تود حقاً الخروج معه وأن زميله يوافقها الرأي، وسيحاول أن يصحح لها مباشرة "لا لست مرتبطاً". سيمضي وقتاً ليس بقليل، حتى يكتشف أنها كانت مجرد مزحة.

المشكلة هي أنه لم يكتسب مهارات التواصل في صغره، وهو الآن في بدايات العشرينات من عمره، في محاولات مستميتة للتأقلم مع المجتمع، محاولات مبنية على التقليد، يراقب الآخرين، يسجل تصرفاتهم وردات فعلهم ثم يحاول تقليدها، بطريقة رديئة ومصطنعة في معظم الأحيان. بينما يتنزه برفقة صديقه، يلتقيان بشخص لا يعرفه، يقترب منه صديقه ويقول: "كيف حالك؟ عرفت أنك كنت مريضاً، كيف أصبحت؟" ثم يتابع أسئلته مستفسراً عن المرض وماذا قال الأطباء وحالته الآن متمنياً له الشفاء.

لقد سجل كل ذلك، من الآن فصاعداً حين يلتقي بشخص مريض سيتبع الأسلوب نفسه وسيستعمل إلى حد كبير العبارات نفسها، ليس أنه لا يتعاطف مع الآخرين، بل لديه قدر كبير من التعاطف إلا أنه لا يجيد التعبير عن هذا التعاطف ولا عن أي شعور آخر، كما يجد أن سؤال الناس عن مرضهم وتمني الشفاء العاجل لهم لن يغير شيئاً من الواقع.

سجل على مدى أعوام أساليب تعبير يقلد بها الآخرين. أحياناً سيختلط عليه الأمر، حين لا يسعه الوقت للتفكير واستحضار الجملة المناسبة، كأن يقول لرجل تزوج حديثاً، الحمدلله على سلامتك.

ليس كل المتوحدين متشابهين، بل هناك طيف من التوحد تختلف درجاته وأعراضه من متوحد إلى آخر وعلى عكس ما يعتقده الناس، يدور في داخل كل منهم عالم كامل وثري، مليء بالأفكار والمشاعر والأحاسيس والحساسية المفرطة، شعور بالوحدة الشديدة، يرون العالم بطريقة مختلفة كلياً، يلتقطون ما يسهو عنه الآخرون ويسهون عما يلتقطه غيرهم، يشعرون أن الحياة غير عادلة، خصوصاً مع الحيوانات، إلا أن كل ذلك يبقى عالقاً في داخلهم، عاجزين عن التعبير عنه.

خلال رحلته الشاقة لإيجاد وسيلته الخاصة بالتعبير والتواصل، تعلم الرسم، يلحّ عليه صديقه بين حين وآخر أن  يقيم معرضاً لرسوماته، إلا أنه يكتفي بتصويرها ونشرها على مواقع التواصل، من يراها، يعتقد أنها تخص شخصاً آخر، لا يمكن لهذا الشاب الانطوائي، الغريب الأطوار، البارد، أن يرسم بهذه الطريقة المفعمة بالمشاعر والأحاسيس. يقول الطبيب هانس أسبرجر عن ذلك: "للنجاح في العلوم أو الفن، فإن القليل من التوحد أمر ضروري"، يوافقه الدكتور تمبل غراندين بالقول: "من دون المتوحدين، لكان البشر لا زالوا يعيشون في الكهوف".

أجمل ما حدث معه كان وصول رسالة من الفتاة التي سخر منها في السهرة، تبدي إعجابها برسوماته وتدعوه إلى فنجان قهوة. أشد ما يسعده هو إقامة رابط أو تواصل مع أحدهم، يجد حينها متلقّ لأفكاره ومشاعره، يتعلق بها حدّ الموت.

المشكلة أن استراتيجية التقليد التي يتبعها عادة لا تنجح في العلاقات. لقد رأى صديقه كيف يتعامل مع رجل مريض، رأى زميله كيف يمزح مع زميلته، لكنه لم يسبق أن رأى أحداً يدلل حبيبته في السرير أو يمارس معها الجنس، سيمضي بعض الوقت، قبل أن يسعدا سوياً، إلا أنه في النهاية، بفعل ذكائه الحاد وقدرته على التأقلم، ينجح، سيشعر بالسعادة وبالحب الذي سيتعلم كيف يعبر لحبيبته عنه، لن يكون ذلك سهلاً لكنه سينجح.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها