آخر تحديث:19:49(بيروت)
الجمعة 30/04/2021
share

مملكة ليوم واحد

إيناس عزي | الجمعة 30/04/2021
شارك المقال :
مملكة ليوم واحد (غيتي)
أَغلقت الباب الخشبي وراءها ونَزلت السلالم. كانت سعيدة، متفائلة، مشبعة بآمال عالية، ومُتحررة من سنوات انتظار لهذه الفرصة. إعلان الروضة، المُلصق حديثاً في مدخل المبنى داعياً إلى التسجيل فيها: "روضة السعادة لإعداد القادة"، لم يُخفف أبداً من عزيمتها. بِحذاءٍ رياضي خفيف وبنطلون جينز وقميص أبيض وقلب ينبض متسارعاً، دخلت صفها، مملكتها الجديدة.

في الصف، كَبُرت وصَغرت مع الأطفال، تقلصت مع حزنهم وتمددت مع فرحهم. التلميذة الصغيرة التي ما زالت تسكنها كانت تريد التحرر، الخلاص، وإعادة التكوين...
انطلق التلاميذ بعد سماع الجرس مُسرعين، يُمزقون أكياس النايلون المحشوة بالبسكويت الرخيص وبلقمات اللبن والزعتر، يقايضون خيارة أوجزرة بحبتين من كيس شيبس فاسد يحصلون عليه بعد انتظار طويل أمام نافذة البوفية الصغيرة.

مشت معهم، أوقفت الحروب الصغيرة بعصا سحرية، راقبتهم بصمت وحنان بالغ. تحت شجرة الكينا الكبيرة، جلست مع بضعة تلاميذ، وتحولت إلى صديق كانوا يبحثون عنه بعيون دامعة وتائهة.

حرّك الهواء الدافئ، الذكريات، جاكيت الصوف الأخضر الذي حاكته يدان ماهرتان بعناية وحب، الجاكيت الذي نسيته يوماً معلقاً على هذه الشجرة نفسها منذ سنوات طويلة، أربعون مسطرة خشبية تلقتهما الكفان الصغيرتان يَومها عقاباً على رحلة بحث قامت بها من دون استئذان تلك المعلمة الضخمة الشرسة التي حولت أحلامها الصغيرة إلى كوابيس مخيفة. تذكرت دروس اللغة الإنكليزية التي تعلمت فيها لعبة البراية، وكلمتين فقط.

سَمعت صدى الزعيق الحاد لتلك المعلمة ذات الشرايين النافرة، وهي تدخل نوبة هستيريا قبل زيارة مسؤول من منظمة الطلائع أو مديرية التربية. تذكرت الليرات التي كان على التلاميذ التبرع بها لأشقائهم في السودان، بينما الكثيرون منهم يضغطون بكل قوة أسنانهم ويشدون بأيديهم اللقمات الباردة ليخرج منها دبس البندورة لزجاً ملوثاً أفواههم الصغيرة. كانت رائحة الخيار وطعم الموز حلماً كبيراً لهؤلاء المتبرعين الصغار.

لم تنتشلها من حفرة الذكريات تلك، سوى أصوات صغيرة بدأت تعلو وترتفع وأعادتها إلى الآن: "الشعب يريد الأستاذ فريد"، صرخ التلاميذ الصغار بملء حناجرهم، مَشوا في مسيرة صاخبة لا يسمعون شيئاً سوى أصواتهم، تَمنت لو تصرخ معهم لتشاركهم السعادة التي تشع من عيونهم الصغيرة. كان الصراخ أشبه بإعلان انتصار على عدو متجسد في اسمنت مسلح بلا روح، في شعارات مملة تافهة وكاذبة مرسومة على الجدران، إعلان انتصار على روائح المراحيض القاتلة، على أبوابها المُخلّعة ومائِها المهدور ليلاً.

انتصار على خوف يَسكن داخلهم، انتصار على معلمات لن يتوفقن يوماً عن ضرب الأطفال وشتمهم، لن يتوقفن عن تكريم الوشاة وتأنيب الأبرياء، انتصار على معلمات يتحالفن أمام المفتشين والأهالي لتغطية أي تقصير، ويتشاركن الكذب والرياء والنميمة، انتصار على دروس رسم وموسيقى ورياضة لا تُغير شيئاً في هذه الأرواح الصغيرة، على "أسماء" تفوز في مسابقات الطلائع قبل ذهاب المتسابقين الصغار، انتصار على مناهج تتغير كل سنة نحو الأسوأ، انتصار للغة الشعر التي لم تعد تعرف شاعراً سوى سليمان العيسى.

بين روح صغيرة منكسرة، وبين حلم لمّا يتحقق بعد، وقفت حائرة!!!
حاولت إبعاد الصغار عن العُصي المنهالة على أجسادهم الصغيرة اللينة، لكن التلاميذ الخطاة حوصروا واقتيدوا إلى غرفة المدير لمعاقبتهم خلف باب مغلق. تلاميذ من صفها عادوا بوجوه مُصفرة شاحبة، وبأصوات مبحوحة ومرتعشة، وبخيبة كبيرة بعدما خَطّوا توقيعهم الأول على تعهد بعدم الإخلال بالنظام وإثارة الفتن.

هل تقول لهم ما هي الخطيئة الكبرى التي اقترفوها، هل تخبرهم أنّ الكلمات السحرية التي نطقوها جعلت منهم كائنات مرئية، وأنّ الأستاذ فريد الذي آمن بهم وبالثورة وبالحياة، لن يعود للتدريس أبداً.

كيف ستشرح لهم أنّ هذا المكان لم يتغير كثيراً منذ عشرات السنين، وأن التغيير الوحيد الذي حدث كان استبدال صُور. كيف ستشرح لهم أن التلاميذ الجُدد يَتم فرزهم في الشعب، حسب أسماء الآباء، وأنّ أماكن تَلقي العلم هذه تُسمى بأسماء أشخاص تمت تصفيتهم في حرب طائفية اقتيدوا إليها مُرغمين، وأنّ هذا المكان أشبه بقوقعة من الصعب مُغادرتها، وأنّ لا قيمة للبشر هنا. وأنّهم جميعاً مَشروع مُحتَمل للخطف والقتل، للفقر والجوع والتسول، ولليأس والانتحار.

هل تخبرهم أنّه بإمكان أيٍّ كان أن يخطف ويقتل وأن يُتاجر بالمازوت والبنزين، بالمخدرات وبالسلاح وبالبشر أيضاً، وأنّ بإمكانه أن يُطلق الرصاص في أي وقت وأي مكان وعلى أي صدر! بإمكانه إلغاء الحُرش من الوجود، وحرق كيلومترات من الأراضي المزروعة بالقمح بلا وخزة ضمير أو خوف من أحد.

هل تقول لهم أن بائع البسطة هنا في هذا المكان، لم ولن يكون بوعزيزي أبداً.
تراجعت وتقدمت، تضاءلت وتضخمت، وقفت ثمّ مشت وأغلقت باب مملكتها، تحررت من كل الأشياء، أحست بانعدام الجاذبية وبالضوء أكثر سطوعاً، فتحت الأقفاص الصغيرة للهواء النقي وللسماء... وغادرت مملكتها بلا عودة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

إيناس عزي

إيناس عزي

مُدوِّنة سورية

مقالات أخرى للكاتب