آخر تحديث:18:05(بيروت)
السبت 03/04/2021
share

زياد "بيرانديللو" شكرونسكي: شخصيات في الكواليس تنتظر حياةً

زكي محفوض | السبت 03/04/2021
شارك المقال :
زياد "بيرانديللو" شكرونسكي: شخصيات في الكواليس تنتظر حياةً
أنيس الحجل. جيسي كوسا. أوديت مشورب. مطانيوس فرج الله. شانتال مغبغب. جود معربس... وكثيرة غيرها هي أسماء لشخصيات جامدة أطلقها الفنان زياد شكرون، ولا يزال عبر صفحته في فايسبوك. شخصيات يصنعها بتطبيق لتغيير الملامح والتحريك. اشتهر من بينها "ابو ابراهيم" (شخصية متحركة)، تناولتها مواقع صحافية، منها "المدن"، للحديث عن ذلك الأب الحنون الذي يغالب مشاكل الحياة بطيبته.

وما يميّز صفحة زياد شكرونسكي عن صفحات آخرين هو قلّة إلتفاته إلى الماضي، من خلال استمراره بممارسة تصرّفات أو إصدار مواقف تشير إلى حاضر ما، أو إلى أمور ستحصل قريباً، بصرف النظر عن التاريخ الذي يقرأها فيه زائر الصفحة. الماضي عنده يبدو استراحة مستَحقّة مع الاصحاب ليس إلاّ.



والأمثلة على افتعاله أحداثَ حاضرِهِ كثيرة، منها: "لن أُلبّي دعوة نظيري الرّوسي على مَأدُبة الغداء في دارتِهِ في موسكو…" و"لم أُجرِ أي عمليّات تجميليّة لأنفي والنائب نبيل دو فريج صديق عزيز!" و"في استديوهات روتانا لتسجيل عملي الجديد: أنا ليبانيز"، و"نجوى بحبّك وناطر حمامة الفينيق معك،" ثم "دَقّولي من كازينو فوّار انطلياس هلأ... لن أغنّي فشروا!" وغير ذلك الكثير ويومياً.

وحديثاً، أخذ شكرون يتصوّر المستقبل مع سلسلة "كائنات لبنان الجديد" وهي مكوّنة من شخصيات مشغولة ربما بالتطبيق ذاته، ممسوخة الوجوه تشبه الى حد كبير مخلوقات أفلام الخيال العلمي، أو كأنها تجسيد لعبارة "اللبناني مخّه معقوف" التي أطلقها زياد الرحباني في مسرحية "فيلم أميركي طويل".

إذاً، لا يبارح زياد شكرون هذا "الآن" الذي يحاول الاندفاع منه إلى غدٍ ما، حيث تنتظره كائنات عبثية مستقبلية يترك لنا أيضاً أن نتخيّل عوالمها. فنشعر كأنه سيارة سباق تحاول الإقلاع قبل إشارة الانطلاق. وفي المناسبة، هو بذلك يفتح لنا ثقوب أمل نتلصص عبرها على احتمالات الآتي من الأيام.



تساؤلات كثيرة تقفز من مخيلتنا غير "هل سنكون بخير"؛ أسئلة فعلية، مثل "هل سنلتقي السيدة أوديت مشورب ذات يوم من آب/أغسطس 2026 بغاليري Antiquités؟" و"لماذا نقصد محل أنتيكا في شهر آب من كل سنة، هل من مناسبة؟"، أو "أين يطبع دواوينه الشاعر والروائي أنيس الحجل؟" في القاهرة أو بغداد؟ هل ما زال يسرّح نظره في أرداف شانتال مغبغب، سيدة الأعمال، وهي تمر أمام مقهى إلهامه، فيرفع أنفه في الهواء ليرتشف أريجها Gipsy Water؟ أو توقّعات البصّارة سماهر الدحداح مع شربل شليطا في برنامج "تارو"...

ولعلّ أوديت وزميلاتها الشخصيات صاحبة الأسماء العادية، هي ما يردع زياد عن تهوّره للذهاب إلى مستقبل غير موجود. شخصيات تكتسب قوة حضور وهي لا تزال مجرّد صور ورسوم. والدليل على هذا الحضور القوي، تعليقات زوار الصفحة، فما إن يطرح زياد شخصية معيّنة، مثل جود معربس، حتى تنهال التعليقات التي تنمّ عن رغبة شديدة لدى المعلّقين في "إحياء الشخصية". ويشرع كل منهم في وضع سيناريو لها. ملاحظة: الحق أن جود معربس لم يسمّه زياد. أنا، كاتب هذه السطور، اقترحت الاسم في التعليقات وحصدت عليه أكبر عدد من الإعجابات، فاعتمدتُه، في ما تبدو خيانة "نكراء" لشكرونسكي.

إذاً، ما الذي يعزز حضور تلك الشخصيات ويفاقم رغبة الزوّار بملاحقتها وطلب المزيد منها. إنه، ويا للمفاجأة، قسطنطين ستانيسلافسكي. كل الحق عليه، لأنه كتب مؤلفات حول فن التمثيل وإعداد الممثل وتحضير الدور، وغير ذلك. واعتُبرت كتبه هِدايَةً للممثلين والممثلات، وللكبار منهم والكبيرات: مارلون براندو، سيدني بواتييه، مارلين مونرو، روبرت دي نيرو، ستيلا أدلر، أنجلينا جولي… ووظيفة هؤلاء وأمثالهم/ن انتزاع الشخصية من بين السطور وبعثها حيّة. وهذا ما يفعله زياد شكرون بتلك الشخصيات، مهما كان اسمها وجنسها. كما هو، حليقاً أم ملتحياً، يقف أمام عدسة تلفون أو كاميرا. يتلاعب بتفاصيل الوجه، بوضعية الجسد ثم يضيف الملابس والأكسسوار، ومن ثم يوحي بسلوك الشخصية وحالتها النفسية ومواقفها. ويثبّت كل ذلك إذا راقت له المحاولة، وإلاّ فيعيد الكَرّة.

وهذا ما يفعله الممثل الذي يتبع منهج ستانيسلافسكي عندما يتمرّن على الدور شكلاً أمام المرآة: يتفرّج على نفسه وأدائه مرات ومرات. وفي المضمون، يقترح صاحب المنهج على الممثل أن يضيف سجلاً للشخصية، أصلها، حالتها الاجتماعية، حالتها الصحية، عملها، ويتخيّلَ المكان الذي تنطلق منه لتصل إلى المكان المحدد في المشهد. وأما زياد فيعلن مضمون شخصيته بمجرّد أن يسمّيَها ويكشف عملها: أنيس الحجل شاعر وروائي، أوديت مشوّرب صاحبة محل أنتيكا، سماهر الدحداح بصّارة وقارئة تارو… وفي أغلب الأحيان، يترك الاقتراحات لمخيّلة المتفرّج، محاكياً تأثير المشهد الإيمائي الصامت الذي يشحذ الذهن.

إضافة إلى كل ذلك، يكون زياد حاضراً في قلب الشخصية، عيناها عيناه ينظر بهما إلينا بجرأة ولا تتغيران مع تغيّر الهيئة. وهو ما يجعل الشخصية مستعدّة لكي "تحيا" على يد ممثل يمارس وظيفته. الفرق الوحيد أن زياد لا ينتزعها من بين السطور، إنما يستولدها من بنات أفكاره.

إذاً، يضع زياد شكرون شخصياته تلك في كواليس مسرح ما، في انتظار حياة تليق بها. وثمة فرق كبير بينها وبين شخصيات الكاتب الإيطالي لويجي بيرانديللو في مسرحيته "ست شخصيات تبحث عن مؤلّف". شخصيات الأخير ظهرت على الخشبة تبحث عن مؤلف يكمل تدوين حكاياتها. وعندما اكتملت ومثّلها ممثّلون، اصطدمت باختلاف الواقعية الممسرحة عن واقعيتها المدوّنة، ما دعا تلك الشخصيات إلى رفض الواقعية الأولى لأنها لا تمثّلها. أما شخصيات شكرون، فمتى تنفّست، ستعمل هي على تلقين ممثليها كيف يمثلونها، لأنها كاملة وجاهزة. إنها تنتظر فقط الفرصة لاعتلاء خشبة الحياة.

أخيراً، ثمة شخصية (هي رسم لوجه زياد ثنائي الأبعاد) لا يلفت النظر كثيراً، مع تعليق "صرت 2D خلص". فهل تكون هذه الشخصية إيذاناً بسلسلة جديدة من الشخصيات المسطّحة، كما ورد في أحد التعليقات عليها؟ أم أنها ستشكّل فاصلاً بين الوجود والغياب، على حد ما ورد في تعليق آخر "2d or not 2d"، وهذه العبارة الذكية هي تقسيم كلامي على عبارة "نكون أو لا نكون" التي قالها هاملت شكسبير، متسائلاً عن قيمة الحياة وجدوى البقاء على قيدها؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها