آخر تحديث:15:59(بيروت)
الجمعة 23/04/2021
share

شرط الترشح للانتخابات.. أن تكون بشار الأسد!

وليد بركسية | الجمعة 23/04/2021
شارك المقال :
شرط الترشح للانتخابات.. أن تكون بشار الأسد!
ليس من السهل على الإطلاق أن يكون المرء موالياً لنظام متوحش مثل نظام الأسد في سوريا، فالراحة والعصرية التي يروج لها الخطاب الرسمي عن الحياة في البلاد تتنافى مع الشروط القاسية التي يختبرها الموالون يومياً للاستمرار أحياء من جهة، وتبرير موقفهم السياسي أمام أنفسهم من جهة ثانية، وتبدأ من الإذلال الاقتصادي اليومي في طوابير الانتظار لتحصيل الحاجات الأساسية اليومية من الخبز إلى البنزين والكهرباء، وصولاً للخدمة العسكرية الإلزامية التي تبدأ ولا تنتهي، وليس انتهاء بأن التعبير عن ذلك الولاء ليس كافياً بحد ذاته لنيل الرضا الذي تم تحويله طوال عقود إلى مكرمة استثنائية يجب أن يعمل الموالي بجد لنيلها.


يتكثف ذلك الشعور بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية الصورية التي تجري في البلاد الشهر المقبل. حيث يظهر الموالون الأسديون تشنجاً ضد الأشخاص الذين قدموا طلبات ترشيح لمنافسة رئيسهم "المحبوب" بشار الأسد في الانتخابات الرئاسية المقبلة، رغم أن أولئك المرشحين لا يتحدون "الأب القائد للدولة والمجتمع" بقدر ما يروجون له في مواقع التواصل الاجتماعي ويشكلون ربما جزءاً من الحملة الدعائية الخاصة به، عبر منشورات تشير إلى حكمته وقيادته أو التقاط صور شخصية تظهره في الخلفية بشكل أو بآخر.


ومن الممكن بالطبع الضحك على تلك المشاهد السوريالية التي لا تحصل إلا في سوريا الأسد، وربما كوريا الشمالية. إلا أن موقف بعض الموالين الذي يتخطى تأييد الأسد نفسه نحو مهاجمة منافسيه الوهميين، لأسباب مثل تجاوزهم الخطوط الحمر وامتلاكهم الجرأة لترشيح أنفسهم رغم وجود رئيس عظيم حمى البلاد، وبدلاً من تقديم فروض الطاعة فقط، مثلما يقومون هم، يبقى مثيراً للاهتمام في ظل كافة المشاكل الاقتصادية والخدمية التي تعيشها البلاد منذ سنوات بفعل السياسات الرسمية أولاً، ويساعد ربما في تفسير حفاظهم على إصرارهم العجيب على فصل الأسد عن بقية النظام، بوصفه الحل السحري وليس المشكلة الحقيقية لكل ما يجري في البلاد.

ولا يتعلق الأمر هنا بنوع من تقديس الأسد كشخص، أو بحالة عامة من العبودية مثلما تتحدث تعليقات كثيرة حول نقاش موقف موالي النظام ضمن غرفهم الخاصة بالانتخابات الرئاسية في "كلوب هاوس"، بل يحيل إلى فكرة انتظار مكافأة من نوع ما على ذلك الموقف الداعم للنظام براديكالية لا يطلبها النظام نفسه ربما. وليس من الغريب بالتالي قراءة عبارات مثل "شرط الترشح إلى رئاسة الجمهورية هو أن تكون بشار الأسد" مع قليل من القلوب الزهرية والحمراء في "تويتر" و"فايسبوك".

من الآخر يعني.

Posted by Khalil Alhaj Saleh on Wednesday, April 21, 2021



هذا البحث عن الرضا قد يكون سلوكاً بافلوفياً طوره النظام لدى تلك الطبقة من الموالين طوال سنوات من سيطرته على البلاد وتحكمه بمقدار الثروة ومعايير والفقر والغنى. ولسنوات، كان الحصول على الوظائف والترقيات في الدوائر الحكومية، مثلاً، يعتمد على تلك العلاقة التي توصف أحياناً بالتملق، وكان التندر عليها سائداً في الدراما المحلية التي كرست ربما ذلك السلوك بشكل أو بآخر. وبعيداً من فكرة العمل الحكومي، مازال إطلاق مشاريع خاصة يتطلب إثبات الولاء وعقد شراكات مع نافذين محليين أو مسؤولين كبار وتحصيل الموافقات الأمنية اللازمة للعمل. وضمن هذه البيئة يتجاوز الأفراد ربما الشعور بالإذلال أو التبعية، نحو القبول بفكرة الرضى بالواقع مثلما هو، خصوصاً مع عدم توافر مساحة كبيرة للمقارنة الشخصية مع تجارب أخرى لدول تحترم نفسها ولا تعامل مواطنيها بمنطق العصابات.

يفسر ذلك ربما حالة الهجوم الدائم على أي مشكلة مهما كانت صغيرة في الدول الغربية، من قبل الموالين بوصفهم أفراداً، لا أعضاء في مؤسسات رسمية. فلا يصبح القصد من تعميم مقولات أن النظام الديموقراطي والليبرالي يعاني من مشاكل عميقة، تلميع صورة الحياة في سوريا الأسد أمام الجمهور المحلي فقط، بل تقديم مقارنات تهون من هول الإذلال اليومي في البلاد بشكل أقرب إلى ميكانيزما دفاعية تصور المشاكل التي تحدث في سوريا على أنها أمر طبيعي قابل للحصول في كل مكان، فيما يتم تجاهل مدى قابلية تلك المشاكل للحدوث، بين كونها جزءاً من الحمض النووي للنظام السياسي في سوريا أو طفرة تحصل من حين إلى آخر في مجتمعات متقدمة تعاني بالطبع من مشاكل لعدم وجود يوتوبيا بالمطلق.

كان ذلك شديد الوضوح في الرسائل التي بعثها الموالون للأسد من أجل التعبير عن "محبتهم" و"وولائهم" وعلاقتهم "الأبدية" معه. الإعلامية غالية الطباع كانت واحدة ممن نشروا مقطع فيديو تحدثت فيه إلى الأسد مباشرة، معتبرة أن الأزمات المعيشية وطوابير الخبز والبنزين وانقطاع الكهرباء والفقر والجوع والبؤس، هي أسباب وقوفها إلى جانب الأسد اليوم ودائماً. وإن كانت قراءة هذه المنشورات تحيل إلى متلازمة ستوكهولم ربما، فإنها أيضاً تظهر إيمان الموالين بأن الأسد يسهر على راحتهم ولا ينام الليالي من أجلهم، ليس فقط لمجابهة المؤامرة الكونية، بل لقراءة رسائلهم الشخصية الداعمة له والاستجابة لها بعد الانتخابات.

المفارقة هنا تأتي من أن تلك الرسائل تأتي من أصوات عارضت إرسال رسائل للأسد قبل عامين فقط من قبل مواطنين سوريين يعانون من ظروف اقتصادية ومعيشية خانقة، توجهوا للسوشيال ميديا حينها من أجل مخاطبة الأسد للتدخل من أجل محاربة الفساد. وإن كان ذلك الوهم مقبولاً من ناحية نظرية وفق المنطق الموالي لأنه يفترض البطولة والنبل لدى الأسد، فإنه كان تعدياً على مقام الرئاسة واستدعى حملة تشبيح ضد كل من رفع صوته وخاطب الأسد المشغول بقضايا أهم من قراءة المنشورات في مواقع التواصل أو الاستجابة للواقع الخدمي الذي توجد حكومة إدارية لتسيير شؤونه.



وعليه، يصبح كل ما يخرج عن ذلك المنطق البافلوفي مثيراً للقلق على المستوى النفسي/الشخصي، ربما، لدى أولئك الأسديين، لأنه يمس جذور العقيدة التي تقوم عليها حياتهم المضطربة أصلاً، ووفقها لا تكون النجاة/الاستمرار على قيد الحياة حقاً من حقوق الإنسان مثلما يفترض، بل "مكرمة" ينالونها نتيجة مواقفهم السياسية. وبالتالي، فإن وجود أشخاص يرشحون أنفسهم للانتخابات الرئاسية يشكل أمراً لا يمكن استيعابه خصوصاً أنه يأتي من أفراد موالين، لا معارضين يمكن وصمهم بصفات العمالة والخيانة.

ولا غرابة بالتالي في شعور الأسديين بالسخط والعجب، لأن وجود تلك النماذج من حولهم، يشكل تذكيراً شخصياً بانعدام الأمان الذي يعيشه أولئك الأفراد ويحاولون إنكار وجوده بالطريقة الوحيدة التي يعرفونها وتربوا عليها منذ نعومة أظفارهم، خصوصاً أن خيار المجابهة محفوف بالمخاطر بدليل ما قام به النظام طوال عشر سنوات من أجل قمع الثورة الشعبية ضده والتي لم تكن تطالب في أيامها الأولى سوى بقليل من الإصلاح السياسي فقط.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها