آخر تحديث:16:55(بيروت)
الخميس 22/04/2021
share

الكتابة كفعل تأقلم

نغم ترحيني | الخميس 22/04/2021
شارك المقال :
الكتابة كفعل تأقلم (غيتي)
البارحة مساءً وأنا أكلّم باسل في الهاتف، استطعت للمرّة الأولى منذ خروجي من لبنان أن أضع ما أعانيه في عبارة مختصرة ومباشرة. أخبرته أنّ التأقلم خارج الوطن ليس سهلًا كما اعتقدت. كانت المرّة الأولى التي أقول فيها شيئًا عن التأقلم، بهذا الوضوح، منذ انتقلتُ للسكن في تركيا قبل قرابة عامٍ ونيف من الآن. لا أعرف مَن قال أنّه يكفي أن تمرّ أربعة فصولٍ على الإنسان كي ينسى حبًّا عاشه، أو مكانًا سكن إليه، أو نظامًا، رغم فساده، عرف كيف ينجو فيه ويستمرّ. وأنا أكتب الآن، أحصي أربعة فصولٍ مرّت بي بالفعل، وأنا في الخارج، حتّى أنّ بعضها تكرّر مرّتين، وأنا ما زلت أصاب بنوبات من الماضي، ليست حنينًا ولا ندمًا، بل نوباتٍ فقْدٍ لنظام حياةٍ لم أتحضّر يومًا أن يتغيّر كليًّا.

استعادة الكتابة
أردتُ أن يكون هذا النصّ عن فعل الكتابة. فأنا عدتُ للكتابة مؤخّرًا بعدما كانت بطني قد ابتلعت كلّ كلماتي منذ أكثر من سنتين. هذا النصّ الثالث لي منذ أن أخبرتني صديقةً لي أنّها تقوم بتمرينٍ يوميّ تكتبُ فيه عن شيءٍ ما تكون قد لاحظته في حواسها خلال يومها، أيّ شيء. كذلك قالت لي شيئًا عن أنّ هذا الأمر ساعدها كثيرًا في اكتشاف علاقاتٍ جديدة بين أفكارها الكامنة وملاحظاتها الحسيّة، واقترحت عليّ أن أجرّب هذا الأمر بنفسي لعلّه يخرج الكلمات من رأسي بدلاً من أن أخبّئها في جوفي. أحببتُ الفكرة؛ حواسي لن تخذلني، وما سأفعله ليس أكثر من تمرينٍ بسيطٍ سيساعدني على استعادة الكتابة يومًا بعد يومٍ. لم لا؟ بدأتُ المحاولة. كتبتُ عن القطط في منزلنا وعن ملمس فروها وهي غارقة في حضني، وعن بيتنا الذي أحبّه أكثر حين تعبق غرفه برائحة البخّور، وعن قطارات الأنفاق في اسطنبول وكيف ما زالت تشعرني بالحماس وكأنّها المرّة الأولى التي أسمع فيها قرقعة عجلات القطار المنزلق على سكّة الحديد.

لم تدم المحاولة كثيرًا، وتعثّرت الكتابة من جديد. هذه المرّة لم يكن السبب عناد كلماتي في الظهور، بل تدفّقها وتزاحمها لأخذ مكانٍ لها في النصّ. وأنا بدوري ارتبكْتُ، وأصابني دوار المصطلحات، وامتنعتُ عن البوح مجدّدًا. أعتقد أنّ للأمر علاقة بمحاولة تنظيم نفسي في الغربة. هذه الحواس الخمس تعمل، وتلتقط كثيرًا من العلامات، وتُعمل في داخلي أفكارًا ومشاعر، وتدقّ أبواب ذكريات مضت، وتستعيد مواقف متفرّقة من الطفولة أو المراهقة أحيانًا، ومن سنوات الجامعة والعمل والصحبة أحيانًا أخرى. ليست كلّها حزينة، وليست كلّها سعيدة، وليست كلّها بالأهميّة نفسها… إلا أنّها كلها جديدة من حيث توقيت ظهورها، والمعاني التي تحملها.

أكتب، أو ينفجر البكاء
كتبت في الفقرة الثانية أعلاه، كيف أنّ بطني ابتلعت كلماتي خلال السنتين الأخيرتين، لكنّي كنت محتارة فعلاً بين استخدام كلمة "بطني" أو كلمة "معدتي". لو أنّني ما زلت في لبنان، كنت استخدمت كلمة "معدتي" على الأغلب؛ فهي أكثر ما أردتُ ألا يلاحظ الناس كيف تعمل حينها، وكيف تستقبل مثلاً الطعام المشبع بالنكهات القويّة عند انتصاف ليل بيروت، وأنا ملتفّةٌ على نفسي فوق سريرٍ في غرفةٍ صغيرة استأجرتها بمبلغ يقارب نصف راتبي الشهريّ آنذاك. وتعني كلمة "معدة" اصطلاحًا، مقرّ الطعام والشراب، بعيدًا من عيون الناس، وهذا ما كان ليبدو مناسبًا تمامًا وأنا منشغلة بأمورٍ لا تنتهي في لبنان. أمّا وأني أعيش الآن في تركيا، أبدو منشغلةً أكثر بي -جسدي ضمنًا- وكأنّني انتبهتُ أخيرًا إلى أنّني أجرّ معي جسدًا، وحان الوقت كي أراه؛ حينها فقط رأيتُ أنّ لي بطنًا ساعدني على هضم ما مررتُ به من نجاحات وانهزاماتٍ في لبنان، وكبر كثيرًا، لكنّني لم أرَه إلا عندما تغيّرت وظيفته. لم يعد مغارتي حين أريد أرتاح، بل أصبح يطالبني بأن يرتاح قليلًا هو الآخر.

انتبهتُ البارحة فقط أنّ ما أمرّ به منذ سنة ونصف السنة، يندرج تحت عنوان التأقلم. همممم؛ ليس سهلًا أن أتأقلم إذًا. وما حصل أنّ مساحةً في رأسي بدأت تُظهر توقًا كي أنظّمها، وأنا لا أعرف التنظيم إلا عبر فعلين اثنين: الأكل والكتابة. بطني لا يتحمّل أن يكبر أكثر، ويطلب مني بإلحاحٍ أن أخفّف عنه ما استطعت. تبقى الكتابة أداتي الوحيدة، ومن خلالها فقط أكتشف حاجتي لكلماتٍ جديدة أحكي عبرها عن أيّام تبدو خطّاً مستقيماً بثباتها، لكنّها في الحقيقة تطوي اهتزازات مستمرّة من الغضب، والقلق، والخوف، والوجع والكثير من الدموع التي تثيرها أصغر الأشياء التي تمرّ بي في غربتي.

وهذا سؤال جديد!.. هل كلّ غربة عن الوطن تشبه غربتي؟ أضحك من نفسي وأنا أتكلّم بهذه الطريقة، فأنا لا أفكّر بالعودة حتمًا. لا أعلم، لكن هذا ما يبدو عليه الأمر الآن. إذا لم يكن الحنين هو ما يربكني في غربتي، ماذا يكون إذًا هذا الذي يحدث لي ويشعرني أنّني أريد أن أنفجر باكيةً كلّما فكّرت بحاضرٍ لم أعتد عليه بعد، وبمستقبلٍ لا أعلم عن ملامحه شيئاً؟ لا أعلم كم فصلًا عليّ أن أنتظر مروره بي كي أبني انتظامًا جديدًا في حياتي، وإلى حينه ليس أمامي إلّا أن أعتمد على حواسي كي أكتب أكثر، وأساعدني كي أفهم أكثر. أمّا باسل فسيبقى قارئي الأوّل، وعرّاب سكينتي في بلاد الغربة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها