آخر تحديث:20:33(بيروت)
الجمعة 16/04/2021
share

سماع إلكتروني في رمضان الحَجر

آية الراوي | الجمعة 16/04/2021
شارك المقال :
سماع إلكتروني في رمضان الحَجر المنشد الحلبي الشهير، صبري مدلل
بدأ البرنامج بطريقة شبه مرتجلة في فايسبوك، خلال "الحَجْر الأول". ثلاثون ليلة من ليالي شهر رمضان، يجتمع خلالها محبّو الموسيقى الروحانية والشرقية، للاستماع إلى جلسات أبو غابي، المغنّي الفلسطيني السوري المقيم في فرنسا،  تحت عنوان "يطَأ الأرواح". واليطأ، كلمة تسُتعمل بالعامية بمعنى العليّة أو الغرفة الصغيرة أو المكان البعيد، وربما تتحدر من كلمة "موطئ"، المساحة الصالحة للسكون أو المبيت أو الصلاة أو الراحة. وينضوي هذا البرنامج في مسيرة الفنان ضمن بحثه في تاريخ الإنشاد وأساليبه في بلاد الشام ومصر.

أتذكر هذه المساحة الافتراضية التي كنا نلتئم حولها بآذاننا، هرباً من ضوضاء نتفليكس والمسلسلات الرمضانية ورتابة الحَجْر، لنستمع إلى موسيقى الشيوخ والمطربين والمطربات، مصحوبة بدندنة أبو غابي، وأحياناً بصوته مرافقاً بعبارات اعتدناها واستسغناها مثل صرخة "يا ساتر"، تيّمناً بمحمد عبد الوهاب عندما كان يعلّق استحساناً على ابتهالات الشيخ محمد عمران الإعجازية. يتم بث الموسيقى، ويتخللّها بعض الشرح حول الحقبة التاريخية أو المنطقة أو المدرسة الموسيقية أو سيرة المطرب أو المنشد، وقد تكون لائحة الأغاني خاصة بمنطقة جغرافية معيّنة أو أسلوب إنشادي، أو تكون جلسة مكرّسة للمنشدات والمطربات النساء على سبيل المثال. أسماء عهدناها وأُخرى جديدة. يجتمع "السمّيعة" على شاشة الهاتف أو الحاسوب، وتبدأ الجلسة بالسلامات والطلبات. يتبادلون التعليقات و"القلوب"، حسب إيقاع الموسيقى وحالة الطرب والتناغم على أغنية أو مقطع أو جملة: ليس ممكناً إرضاء كل الأذواق، لكن لا يمرّ يوم إلا وتنتهي الجلسة مع شعور بالسكينة أو الاندهاش أو اكتشاف جديد أو حتى طُرفة أو دعابة.

قد يقع الاختيار على منشدي حلب الكبار، حسن الحفار وصبري مدلل وغيرهما، فنستمع إلى الموشحات والقدود وأناشيد التكايا الصوفية، وقد نذهب إلى مصر فتخالنا في حي الحسين نستمع إلى ابتهالات النقشبندي ونصر الدين طوبار، تختمها جلسة للشيخة المصرية الكفيفة صباح غريب، لينتهي الجميع منتشياً بصوتها الحاد والرقيق في آن، وهي تنشد وتعيد إنشاد بردة البوصيري. اليوم المزاج آسيوي بامتياز، وقد يستهجن البعض بسبب اختلاف اللغة، لأن جمهور الجلسات عربي في الغالب، بينما يطرب البعض الآخر لجمال الموسيقى والمقامات، فنستمع إلى تلاوة الإيراني محمد رضا شجريان أو الأذربيجاني عليم قاسيموف، من باكستان موسيقى "القوالي" وأغاني الغزل، أو معزوفات قديمة تركية قد يكون مؤلّفها أحد السلاطين العثمانيين. اليوم، شمال افريقيا وأغاني الطرق الصوفية المغربية والتونسية. وأكثر من مرة تتكرَّر الأغاني، حسب رغبة المتابعين أو اختيار صاحب البودكاست، لكن هذا هو المطلوب، التشبّع بالموسيقى والدخول في طبقاتها وعوالمها، وإلا اقتصر هذا النشاط على مجرد ترفيه عابر.

أصبحت هذه الجلسات متنفّساً وفسحة "سماع الكتروني"، يسبقها انتظار ويتبعها رضى،  تحاكي في القرن الماضي، ليلة الخميس، عندما كانت أم كلثوم تغني في الإذاعة فتصمت المدينة وتستمع، أو في طفولتنا شعور الأنُس الذي كان يلفّنا مع فوازير شريهان أو ليالي الحلمية، وفي بعض الأحيان يكون حالنا حال الدراويش في الزوايا عندما تصبح الموسيقى درباً إلى الإله ومصفاةً للروح ووسيلة للتنفيس بمعنى catharsis. ليس كل المستمعين صياماً ولا مؤمنين، إنما تجمعهم طقوس السماع التي تتخطّى الإطار الديني لتكون مصدر تفكّر وتذكّر أو نشوة وفرح - أو تأمل وانعكاف. مساحة رقمية للتخفيف من وطأة الحجر الطويل، فما بالك إذا كان العامل الجامع هو الموسيقى.

ستُبَثّ حلقات جديدة من "يطأ الأرواح" خلال شهر رمضان، كل ليلة عبر صفحة المغني، وربما يجتمع الـ"يُطّاء" القدامى لينضمّ إليهم آخرون، فيستعيدون شيئاً من الزمن الجميل، وإن كان ذلك افتراضياً، فتطرب الأرواح عندما تطأ صومعتها الموسيقية، فيما تقفل مدن الحَجْر أبوابها في وجوه المسافرين والسُعاة والعشّاق.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

آية الراوي

آية الراوي

كاتبة لبنانية مقيمة في إسبانيا

مقالات أخرى للكاتب