آخر تحديث:14:38(بيروت)
الأربعاء 31/03/2021
share

الأسد طالباً جامعياً.. أحبّوه وانسوا جامعة أولادكم ومدارسهم المدمرة

وليد بركسية | الأربعاء 31/03/2021
شارك المقال :
الأسد طالباً جامعياً.. أحبّوه وانسوا جامعة أولادكم ومدارسهم المدمرة انتشرت صوره أيام كلية الطب بجامعة دمشق
لم تعد الدعاية التي يقدمها النظام السوري ترويجاً لرئيسه بشار الأسد، مبتكرة أو جديدة، مثلما كانت عليه قبل نحو عقدين من الزمن، عندما كانت الآلة الدعائية الرسمية تتفنن في تقديم الرئيس الجديد للبلاد حينها بصورة مختلفة عن والده حافظ، الذي حكم سوريا بقبضة حديدية منذ انقلابه العسكري الذي أوصله للسلطة العام 1970، وقدم نفسه على أنه الرجل الأبدي الذي لا يمرض ولا يموت ويستطيع بالقوة والصمود حكم البلاد وإسكات الشعب.

ولعل الصور الجديدة لبشار في كلية الطب بدمشق، والتي نشرت لأول مرة كجزء من الحملة الانتخابية التي يحرص النظام على تمريرها بسلاسة وعفوية، تظهر ذلك الفارق، حيث يستعرض بشار نفسه كجزء من البسطاء، لا كحاكم مستبد بهم. ويطالب الشعب السوري بالتالي بالمحبة والود، لا الخضوع كشرط للرضى، لكن تلك المحبة تشكل جسراً حتمياً نحو ذلك الخضوع الذي يحيل الخروج عنه إلى العقاب الذي لا داعي ربما للتذكير به، رسمياً، طالما أن أثره مازال واضحاً وملموساً في الحياة السورية، ليس فقط بسبب سياسة الأرض المحروقة التي أدت لقتل وتهجير نصف السوريين، بل أيضاً بسبب السياسات الانتقامية التي تختلق كل السوريين اقتصادياً ومعيشياً، كعقوبة على مطالبتهم بالحرية والديموقراطية قبل عشر سنوات.

وبالطبع، لم يقصد بشار، من نشر صورته وهو طالب في مدرّج الجامعة في حقبة الثمانينيات، مشاركة ذكرياته السعيدة أو أرشيفه العائلي "اللطيف" مع جمهور الموالين فقط، بل يعتبر نشر الصورة فرصة مثالية لاستعراض التواضع وادعاء الانتماء للشعب البسيط، مقدماً نفسه على أنه ليس ابن الديكتاتورية السلطوية التي أوصلته للرئاسة بالوراثة، بل مجرد فرد آخر من ملايين السوريين، الذين درسوا بجد وتقدموا في الحياة بشكل طبيعي نحو المكانة التي يستحقونها بجهودهم.

صور للرئيس بشار الأسد تُعرض للمرة الأولى خلال مسيرته الدراسية طالباً في كلية الطب البشري بجامعة دمشق . الاتحاد الوطني لطلبة سورية

Posted by ‎مراسلون سوريون _ Syrian Reporters‎ on Tuesday, March 30, 2021


ويتم تأطير ذلك على أنه "مشاركة عفوية" بالتزامن مع "يوم الطالب السوري"، بشكل مماثل تماماً للصورة التي نشرها الأسد العام 2017، لنفسه وهو يحضر لامتحانات الشهادة الثانوية في المناسبة نفسها، علماً أن هذا المدخل تكرر كثيراً في الدعاية الأسدية، بما في ذلك نشر صور البطاقة الامتحانية للأسد، وتقديم الدعاية نفسها لأولاده الثلاثة، حافظ وزين وكريم، أيضاً.

ولا يحاول الأسد محو سمعته كديكتاتور مستبد عبر هذه النوعية من الصور، لأنها لا يعترف أصلاً بوجود تلك السمعة، بل ترتبط الصورة بتاريخ بعثي طويل، يدغدغ به الأسد تلك الاشتراكية المزعومة في الدولة الأسدية التي أطلقها حافظ الأسد، ليس فقط عند استيلائه على السلطة وتحويل سوريا إلى الديكتاتورية العسكرية الشمولية، بل منذ أيام نشاطه الحزبي الطلابي حين "انتخب" رئيساً للمؤتمر الطلابي التأسيسي الأول في مدينة اللاذقية في 30 آذار 1950، وهو اليوم الذي حوله النظام السوري لاحقاً إلى يوم للطالب السوري، تماهياً مع فكرة خلود "القائد" وتأريخ كافة ما قام به "نضالياً"، وربط البلاد بطرق مباشرة وغير مباشرة بذلك التاريخ الأسدي حصراً والذي قد لا يكون بالضرورة معبراً عن كل السوريين.

ومن اللافت جداً اختيار صورة للأسد في جامعة دمشق خلال الثمانينيات، وليس خلال استكماله للدراسات العليا في لندن، العام 1992، بوصفه ابن عائلة نافذة وثرية. ويعتبر ذلك كلاسيكياً إلى حد كبير، لأن النظام منذ وقت طويل يبرع في لعبة استهداف جزء محدد من الجمهور برسائل مختلفة. ففي بداية استلامه السلطة مطلع الألفية، كانت صوره تعلق إلى جانب صور عائلة الأسد الأخرين في الشوارع والأماكن العامة وعلى زجاج السيارات والمدارس، كامتداد لطريقة والده في احتلال الفضاء العام، وفي المقابل كانت صوره مع زوجته أسماء، تظهر بشكل مختلف في الميديا العالمية، التي لا تصل للجمهور السوري، وتظهرهما بشكل أكثر انفتاحاً وإنسانية، وهي صورة لا تناسب فكرة القائد القوي المطلوبة داخلياً.

تغير ذلك جزئياً في سنوات لاحقة، حيث تعددت الصور التي "تساوي" العائلة الحاكمة بالشعب، بشكل يظهر محاولة النظام لإعادة تعريف المنظومة الإعلامية الرسمية، بصورتها الكلاسيكية، من دون الانقلاب عليها تماماً. ويعني ذلك أن الصور والأنباء عن أفراد تلك العائلة، ما زالت تأتي من مصدر واحد، لكنها باتت مختلفة عن الصور الجامدة القديمة. ولم يعد النظام يخجل من فكرة الضعف البشري التي تقلل الهيبة الرسمية، بل بات ذلك الضعف مدخلاً لتأكيد فكرة الأبدية التي بنى عليها النظام نفسه. وتبرز هنا حالات دعائية سابقة من إعلام إصابة أسماء الأسد بالسرطان العام 2018، إلى "الدوخة" التي أظهر بشار إصابته بها أمام الكاميرات في خطاب ألقاه أمام مجلس الشعب العام الماضي، وصولاً لتعاملهما مع فيروس كورونا مؤخراً.

ويحيل الحديث عن الدراسة، تلقائياً، إلى مقاربة مخيفة لنتائج حرب الأسد على الشعب السوري، حيث بات حوالي 2.4 مليون طفل خارج المدرسة، 40% منهم تقريباً من الفتيات. كما لم تعُد واحدة من كل ثلاث مدارس داخل سوريا صالحة للاستخدام لأنها تعرضت للدمار أو للضرر أو لأنها تُستخدم لأغراض عسكرية. أما الأطفال القادرون على الالتحاق بالمدارس، فإنهم يتعلمون في الغالب في صفوف دراسية مكتظة، وفي مبانٍ لا تحتوي على ما يكفي من المياه ومرافق الصرف الصحي والكهرباء والتدفئة أو التهوية، حسبما أفاد تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" مطلع العام الجاري.

وبالطبع تبقى تلك الأرقام محصورة في نطاق التعليم ما قبل الجامعي، لكنها تعطي مؤشراً عن أن ملايين السوريين لن يعرفوا أصلاً ما هي الجامعة بعد سنوات. ومع هذه الأرقام المروعة سيضمن الأسد خلق جيل ضائع في البلاد، لن يمتلك كثير من أطفاله عندما يكبرون في المستقبل القريب، رفاهية نشر صورة طبيعية لهم، وهم يدرسون بجد إلى جانب زملائهم. فيما تؤكد الأمم المتحدة وقوع حوالى 700 هجوم على منشآت التعليم وطواقم التعليم في سوريا منذ بدء التحقق من الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال. تم تأكيد 52 هجوماً العام الماضي.

ومع نشر الصورة عن طريق "الاتحاد الوطني لطلبة سوريا"، وهو المنظمة البعثية الخاصة بالطلاب الجامعيين، وليس معرفات رئاسة الجمهورية في مواقع التواصل، كما جرت العادة، فإن بشار هنا يحاول بشكل غير مباشر استذكار شعارات حزب البعث التاريخية التي كانت منحازة "للعمال والفلاحين وصغار الكسبة" وغيرها من التسميات التي يصف بها الفكر البعثي القاعدة الشعبية الريفية التي بنيت عليها دولة البعث قبل أن تصبح العام 2011 القاعدة الشعبية للثورة ضده، بعد فقدان تلك الطبقة كثيراً من الامتيازات والمكاسب التي كانت تنالها من الاشتراكية الاقتصادية، منذ أيام قوانين التأميم والإصلاح الزراعي وصولاً الخطط المالية القائمة على مركزية الدولة ومجانية الخدمات، وذلك مع تحول النظام السوري مطلع الألفية نحو اقتصاد السوق الاجتماعي والليبرالية الاقتصادية، وما تبعه من تقليص للخدمات في الأرياف التي باتت مناطق مهمشة فقيرة أكثر من أي وقت مضى.

وفيما تكرر الصفحات الموالية إعجابها بالأسد "العصامي" و"المجتهد" فإنها تتحدث أيضاً عن مجانية التعليم و"جودة" الجامعات وغيرها من الأكاذيب. وبالتالي قد تمتلك الصورة بعداً آخر يضاف إلى عقدة الأسد النفسية المتعلقة بحب الشعب له، والتي تحدث عنها خبراء عالميون لهم وزنهم، مثل جيرالد بوسس الذي تستعين به وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه" في تحليل الشخصيات الدكتاتورية.

ويعني ذلك أن الأسد يخاطب السوريين في الأرياف، وأفراد الطبقة الوسطى من الطائفة السنية في المدن تحديداً، من الذين قدم لهم نظام البعث على مر السنين خدمات وامتيازات، بشكل منفصل عن فكرته لحماية الأقليات من المستوى الاقتصادي نفسه كالمسيحيين، ضمن خطابه بعد الثورة، وكأنه يطالب في هذا التوقيت بردّ الجميل عبر "العودة لحضن الوطن" وبالوفاء وبالالتزام بعقد اجتماعي نقضه هو بنفسه من طرف واحد من دون الانتقال بالدولة "الجمهورية" في سوريا إلى المستقبل المشرق، كما كان يدعي في أعوامه الأولى كرئيس ورث السلطة عن أبيه، ولم يصل إليها بدراسته أو انخراطه في الشأن السياسي العام.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها