آخر تحديث:14:11(بيروت)
السبت 20/03/2021
share

عن صناديق لتعليب النساء: هشام حداد نموذجاً

نغم ترحيني | السبت 20/03/2021
شارك المقال :
عن صناديق لتعليب النساء: هشام حداد نموذجاً
أجد نفسي في أغلب الأحيان في رهانٍ مع الوقت كي أتبيّن أنّ أحدهم سيعبّر بطريقة كلاسيكيّة عن تمييزه ضدّ النساء، مستندًا إلى رصيده الجماهيريّ في المجال العامّ. تتقلّص يوميًّا لائحة الشخصيات العامّة التي أتابعها في الصحافة، أو الفنّ، أو الأدب والكثير من المجالات الأخرى تبعاً لمواقف روّادها، من قضايا النساء بشكلٍ خاصّ، وقضايا حقوق الإنسان بشكلٍ عام. يتبادر إلى ذهني أحيانًا أنّنا نخطئ جميعًا في تقدير المواقف، أو استخدام مصطلحاتٍ معيّنة دون أخرى، لكن أن أردّ كلّ ما يقال أو يكتب إلى سذاجةٍ يمكن تبريرها، لا يبدو ممكنًا في كلّ وقتٍ، لا سيّما حين يدخل الكلام في فعل الإعادة لخطابٍ يتكرّر بأشكالٍ مختلفةٍ لكنّه ينتِجُ في نهاية المطاف الدلالات نفسها.

أحبّذ دومًا قضاء الوقت في المنزل حين أعود إلى لبنان في أوقات متفرّقة من السنة؛ وهي الفترة التي أضطرّ فيها آسفةً إلى مشاهدة محطّات التلفزة المحليّة كضوضاءٍ تلازم خلفيّة سهراتنا العائليّة، ومن الممكن أن يستحوذ على اهتمامنا المباشر في أوقاتٍ نادرة، حيث لا صوت حينها يعلو على الصوت الذي يبثّه التلفاز. ومثل هذا الوقت النادر، تكرّر مؤخّرًا في برنامج "لهون وبس"، الذي يقدّمه هشام حدّاد حين استضاف لين الحايك (17 سنة)، الفائزة بالمركز الأوّل ضمن برنامج المسابقات "ذا فويس كيدز" وكان عمرها حينذاك 12 سنة. بعد عرض مقتطفٍ عن لحظة إعلان فوزها، منذ حوالى الخمس سنوات، يسأل هشام ضيفته: "هل كنتِ تحبّين شكلك؟"، لترتبك لين قليلًا إزاء سؤالٍ غير متوقّع، وتفكّر للحظاتِ ثم تجيب بالنفي، مشيرةً إلى حاجبيها على أنّهما السبب في ذلك. لم يتردّد هشام لحظةً قبل أن يطلق تعليقًا وجده مضحكًا للغاية: "حواجب؟ آه فكرتن شوارب [قهقهة] أنا فكرت عندك شوارب فوق عيونك!". وتلقّت لين هذا التعليق بابتسامةٍ أيضًا.

لن أقول أنّ المشكلة تكمن منذ البداية في السؤال نفسه – وهذا رأيي فعلًا – لأنّ المشكلة الأكبر هي في الحقّ الذي يعطيه هشام لنفسه – مثل غيره كثر – كي يصنّف الكلمات بين ثنائيّة "ذكر-أنثى"، وما هو المسموح أن يندرج تحت هذا التصنيف في قالبٍ اجتماعيّ مقبولٍ، أو أن يصبح مادّة كوميديّة إنْ لم يكن كذلك. لا أريد أن أدرج اسمي في خانة "مفسدات البهجة" التي تقف عابسةً في وجه كلّ نكتة أو تعليق أو ضحكةٍ يطلقها أحدهم ولا تنطبق على معاييري الشخصيّة في طريقة التعبير. لكنّ الوقوف ضدّ تكريس صورة نمطيّة لصورة الأنثى، ليس معيارًا شخصيّا، بل يعبّر عن رفض ثقافة مجتمعيّة يتأصّل فيها التفوّق الذكوريّ كموقفٍ ثابتٍ يعيد إنتاج نفسه بأسلوبٍ فظّ أحيانًا يسهل رصده، أو بأسلوبٍ أنيقٍ يضيع بين أضواء برنامج تلفزيونيّ وجماهيريّة لا تقبل النقد.

ليست المرّة الأولى ولن تكون الأخيرة أن يكون الإعلام مساحةً ممتدّة لتداول أفكارٍ تختزل النساء في أشكالٍ وأدوارٍ محدّدة مسبقًا. وهشام حدّاد مثال من بين أمثلة كثيرة، إذ ليس التعليق الذي غرّده عبر "تويتر"، ردًّا على اتهام د.ساندرين عطاالله له بأنّه يستخدم المحتوى الذي تقدّمه عن الثقافة الجنسيّة كمادّة سخرية لجذب الجمهور، سوى شاهد آخر على خطابٍ متحيّزٍ ضدّ النساء. غرّد حينها هشام: "خلص د.، كنا عم ندافع عنك… عم نبيع جمهور على حسابك؟ انت مش د.فيل، روقي علينا… لذيذة ومهضومة بس ما تزيديها… بصحتك". في هذا التعليق تعليبٌ مباشر لحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة. إذ لا يكفي أن تكون متخصّصة أكاديميًّا في مجالٍ ما، بل يجب عليها لزامًا أن يبقى حضورها "لذيذًا ومهضومًا"، غير مُتعبٍ أو مثيرٍ للمشاكل، كي يكون كلامها مسموعًا. كذلك الأمر بالنسبة إلى دفاعها عن المحتوى الذي تقدّمه واستخدامه خارج سياقه العلميّ-التثقيفيّ. إذ أنّها، حسبما قاله هشام، لا تمتلك هذا الحقّ من تلقاء نفسها. فحين نرى "نحن" أنّه يجب الدفاع عنك سوف ندافع، أمّا حين تدافعين عن نفسك، فسنطلب منكِ بوضوحٍ: "ما تزيديها". عادةً ما تكون اللغة التي نستخدمها للتعبير عن لسان حالنا، ذات سلطة علينا وعلى الآخرين. فاللغة ليست مجرّد وعاءٍ يعبّر عن أفكارنا بطريقة قد تصيب أحيانًا أو تخيب أحيانًا أخرى، بل هي أداة سياسيّة غير حياديّة تعبّر عن موقفٍ نتحمّل مسؤوليّة التعبير عنه في كلّ الأوقات.

وهنا، لا أقف فقط عند المصطلحات نفسها، بل أيضًا عند استخدام الضمائر التي تحشد الشعبيّة لطرفٍ، وتسعى إلى عزل الطرف الآخر. فضمير المتكلّم بصيغة الجمع، يظهر حين يتكلّم هشام عن موقفه: "كنا عم ندافع عنك […] روقي علينا"، أمّا ضمير المخاطَب بصيغة المفرد فيظهر حين يخاطب د.ساندرين: "انت مش د.فيل، روقي […] ما تزيديها". وكأنّ المشكلة تكمن بيننا نحن، الذين نمتلك الحقّ كلّ الحقّ في ما نفعل، وبينكِ أنتِ شخصيًّا يا مَن لم تقبلي دفاعنا عنكِ على طريقتنا. إذاً المشكلة ليست فينا جميعًا، بل فيكِ أنتِ وحدك. ليس جديدًا أن تحمل اللغة ثنائيّة "الأنا-الآخر"، لكنّ الجديد هو في تكرار الخطاب نفسه، والذي يسعى إلى عزل الآخر الذي لا نتفق معه، ووضعه دائمًا في الجانب السلبيّ من المعادلة، بينما أكون "أنا" جزءاً من مجموعة متناغمة، وجميعنا يقف في الطرف الإيجابيّ من المعادلة نفسها.

هنا تبرز سلطة اللغة، وتبرز معها مواقفنا السياسيّة من الآخر المختلف. فكيف إذا كان الآخر يقف في الجانب الآخر من ثنائيّة "ذكر-أنثى"؟ سنكون، في هذه الحالة، أمام مثالٍ جديد يضاف إلى أمثلة لا تعدّ ولا تحصى، عن تحيّزٍ متأصّل في فلسفة الكثير من الحضارات والشعوب ضدّ المرأة ككيانٍ مستقلّ غير تابعٍ للرجل في تحديد ما إذا كان وجودها مؤاتيًا للمعايير، فتكون صندوقًا آمنًا. وإن خالفت هذه المعايير، يحرص كثيرون على تذكيرها بحدود هذا الصندوق.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها