آخر تحديث:01:28(بيروت)
الخميس 25/02/2021
share

أهل طرابلس أحسَنوا استخدام الوقت

زكي محفوض | الخميس 25/02/2021
شارك المقال :
أهل طرابلس أحسَنوا استخدام الوقت
توقف الوقت إذ وجد دربه المستقيمة مكتظةً بحُفر سحيقة وخاف أن يهوي في إحداها فيغيب ونفنى جميعاً. فقعد واستقرّ.


"حلّوها،" قال لأهل الأرض، "المستقبل لم يعدْ يردُّ على رؤاكم فتعطّل سيري". "وماذا عن الزمان والأزل والأبد، ألا يفعلون فعلك؟" سألناه. فقال: "مشّوني أولاً، لأن وجود ذلك الثلاثي رهنٌ بتكتكة ثوانيَّ ومضيِّ ساعاتي". وسكت.

وفي طرابلس، كان يتحدّث أمام عائلة يحاول أفرادها إدخال طفلتهم إلى مستشفى النيني. ولأن الوقت توقّف عن يمين المدخل وهُم من جهته، توقّفت كل حركة عند مدخل المستشفى، تطبيقاً للنظرية العلمية "لا وقتَ إذًا لا حياة" التي ضاع واضعها بين العالم الفرنسي لافوازييه والفيلسوف الألماني شوبنهاور.

أشفق الوقت على تلك العائلة. ولكي يسهّل دخولهم، سار قليلاً واجتاز المدخل بأمتار نحو اليسار، ثم قعد مجدداً. فدبّت الحياة في مدخل النيني واستطاعوا الدخول مع غيرهم من المتلهّفين إلى الاطمئنان على صحة ذويهم. إلاّ أنهم عادوا وخرجوا بعدما رفضت الإدارة استقبال الطفلة بحجة عدم توفّر المبلغ المطلوب في مجموع جيوبهم وجزادينهم. فماتت.

أُحرج الوقت لأنه لا يستطيع الرجوع إلى الوراء لعلّه ينقذ البنت الصغيرة. طبيعته أن يتقدّم إلى الأمام، لكنه عاجز الآن حتى عن قضاء حاجته الطبيعية.

"معلّمي!.. دكتور خالد عن إذنك،" توجّه الشاب محمد شندب بصوت مسموع إلى الدكتور خالد زيادة أستاذ العلوم الاجتماعية الذي صودف مروره من هناك، لاستكمال جزء أخير من كتابه "رحلة الدارس في تاريخ طرابلس". "ماذا تريد يا محمد؟" سأله الدكتور خالد. في طرابلس، الجميع يعرفون بعضهم وأحوال بعضهم، باستثناء أغنيائها وزعمائها الآتين مباشرة من دهاليز هرم الفرعون منقرع. هؤلاء تكون أنوفهم مرفوعة وآذانهم ناصتة إلى رنين الأرباح لقطفها وخرخرة الدماء في العروق لمصّها.

رد محمّد: "معلّمي، إذا كان الوقت عالقاً هنا، لماذا لا نعود نحن إلى الموضي (الماضي) لنحدّد العقبة التي تعرقله وتجعل حياتنا جحيماً؟" فسأله بلا تردّد: "وكيف ذلك؟" هكذا من دون أي اعتبار لغرابة طرح الشاب واستحالة تنفيذ العودة في الزمن. ذلك أن الدكتور زيادة كدارس لتاريخ طرابلس وبحكم انتدابه سفيراً للبنان في مصر وجامعة الدول العربية، أخذ يقتنع بأن الحل في طرابلس بين يدي فقرائها. فقال في سريرته: "من يعتَشْ على فرط الحديد وجمع الخردوات في التبانة والجبل وبقية الحارات، يجدْ حلاًّ لهذه المعضلة،" وأضاف حاسماً أمره: "وأين الصواب في توقف الوقت أصلاً!" ثم توجّه إلى محمد: "تعال يا ابني قل لي كيف".

تقدّم الشاب نحوه، متجاوزاً عائلته الثكلى والجَمْع، ماسحاً دموعه على أخته الصغيرة، وقال له: "في المِهَنِيّة بمادة الكهرباء، تعلّمنا عملية عزل الأعطال التي تكشف المكان الفعلي للعطل؛ كأن لا تكون العلّة في اللمبة المنطفئة إنما في ترانزيستور ضمن الدائرة الإلكترونية". ومضى يشرح وكله قناعة وإيمان في أن ما يقوله يصحّ حلاًّ لمعضلة توقّف الوقت، لأن إثبات حلّه رياضياً ممكن: "المُخْرَجات نتيجة حتمية للمُدْخَلات".

كان الوقت يسترق السمع ويرفع رأسه إلى أعلى طالباً من سيّده كل التوفيق للشاب. وسُمع يقول "هناك من يشغّل عقله". فأهم شيء بالنسبة للوقت أن يسعى المرء باستمرار إلى إزالة العقبات مهما كانت الطريقة؛ فإما أن يجد المنكوب حلاًّ فعلياً ينتشله من نكبته، وإما أن ينسّيه مرور الوقت مصيبته. لكن نسيان المشكلة نفسه لم يعد ممكناً لأن الوقت بارِكٌ لا يتزحزح من مكانه. "وأين الصواب في ذلك!" عاد الدكتور زيادة ليتساءل ساخراً.

فقراء طرابلس هم هكذا يتعلّقون بكل ما يعرفونه ويتعلّمونه ويكتشفونه ويصادفونه لكي يتجاوزوا مشكلاتهم الطاحنة. ولم يكن ينقصهم إلاّ توقف الوقت، لكي تتفاقم مصائبهم ويستحيل عليهم حتى نسيانها.

توقف محمد أمام الدكتور وقال: "ألم تكتب في كتابك إن السَيْر في المدينة القديمة هو تجوال في التاريخ، وآثارها... انعكاس لاستمرار الماضي في الحاضر؟". "صحيح،" قال له الدكتور مضيفاً "وهي التركة التي خلّفتها الأجيال المتعاقبة للأجيال اللاحقة".

أطرق محمد رأسه حزيناً وقال: "واللهِ يا معلّمي، إنها تركة ثقيلة كثيراً علينا. وأقترح أن يتسلّم إبراهيم المسألة". تردّد قليلاً في اختيار إبراهيم بائع الخردوات، لكنّه ظلّ متمسّكاً بضرورة اتخاذ "تدابير جذرية في الحالات القاهرة". ثم توجّها بسيارة سمير مراد إلى زقاق سيدي عبد الواحد عند أطراف سوق الكندرجية. وهو زقاق معظمه مسقوف بالمساكن، كان يشكّل نقطة دفاع منذ عهد المماليك، "أم ما قبله؟ لم أعد أذكر،" قال الدكتور.

ما إن دخلوا منزل ابراهيم هناك، حتى عاجلهم الشاب الأسمراني، وقد علم بمرادهم عبر "واتسآب": "أهلا بالدكتور والشباب، ليس أمامك للذهاب إلى التاريخ، يا معلّمي يا آدمي، إلاّ شم التنر". تأتأ دارس التاريخ ولم ينطق بجملة مفهومة. "وهل كنت تظنّ أن لدينا آلة الزمن؟ لا داعي للخوف. أنا ومحمد سنرافقك. وأبو رشيد يعرف متى يوقظنا بالشفرة". وشمّر ابراهيم قميصه عن بطنه لتظهر شطوب الشفرة التي يستخدمها المتعاطون لوخز أجسادهم فيعودون إلى حالة الوعي، بعد كل رحلة تنر.

هال المشهد الدكتور زيادة وكاد ينسحب فقال له أبو رشيد، وهو ذوّاقة طرب أصيل ومسلطِن: "معلمي حبيبي، كل الشعوب والغزاة والحكام والحروب التي كتبتَ عنها في كتابك، ستراهم بأم العين: فينيقيون، معاوية، سلاجقة، مماليك، صليبيون، عثمانيون إلى آخِرِهِ... قد ما بدّك. وستعرف من أين أتينا نحن فقراء طرابلس وأبناءها. أما رحلة التنر فهي كرحلات هنود أميركا بمخدّراتهم إلى زيارة أجدادهم في التاريخ".

ضحك الدارس حتى سالت دموعه فَرَحاً بلقاء مواضيعِ كتابه وناسِها. وتطلّع حوله يريد أن يستلقي ليخوض التجربة. فقال له محمد: "لا داعي للاستلقاء. ابقَ مستريحاً على الكنبة كما أنت وتنشق هذه القماشة".

كان محمد وابراهيم سبقاه في الاستنشاق والاسترخاء، لمّا قرّب أنفه من القماشة وتنشّق قليلاً بتشجيع من أبي رشيد الذي كان يبتسم له ويطمئنه "لا تخف... أنا هنا".  تراخت الأجساد الثلاثة، كل على مقعده، وتلاقت النفوس في التاريخ. وبعد رحلة في غيبوبة دامت حوالى نصف ساعة، عاد محمد وإبراهيم، إذ شطبهما أبو رشيد شطباً طفيفاً، ليتراجع مرتعباً إلى الوراء. "ما هذه؟".

وقبل الإجابة، انتبه إبراهيم إلى أن الدكتور مازال غائباً، ففتح الموسى ذات الست طقّات وشكّ رأس النصل ببطنه فاستيقظ قائلاً: "ليتكم تركتوني هناك". فأجابه محمد: "باقي لنا شغل كتير معلّمي". ثم تطلّعا نحو أبو رشيد ووجداه يرتعد من الخوف أمام إبراهيم.

ضحك المغامرون الثلاثة، وقال له محمد: "هذه رأس خومبابا حارس الأرز وأطرافه. "خومبابا الوحش حارس الأرز الذي ذبحه أنكيدو وجلجامش؟ وصلتم إلى ذلك الزمان؟" أجابه إبراهيم: "نعم، ولا تنسَ أن المكان قريب فوق بشرّي". ثم ابتسم وأضاف: "وهذا بفضل معلمي الدكتور الذي اتفقت مع محمد على أن نسمّيه "قائد محور الأرز".

هدأ روع أبي رشيد وسأل عمّا سيفعلون بها. فأجابه محمد: "اكتشف معلمي، بعد التمحيص في حقبات تاريخ طرابلس منذ أقامها الكنعانيون مدينةً، أنها تعاني علّتين: الأولى هي ميناء المدينة وقد شكّلت مطمعاً لكل الغزاة. والثانية هي الوقت الذي لم يرحم ناسها، فما إن كان يهنأ لهم عيش مع غازٍ جديد حتى يأتي غازٍ آخر. فأخذ عدد قاطني الدهاليز والسراديب يزداد في شكل كبير للدفاع عن المدينة التي أخذتْ تكتظّ بالفقراء الذين لا أحد يلتفت إلى أحوالهم إلاّ عند خوض المعارك".

فقال المعلم قائد محور الأرز: "أمامنا الآن حلّان: الأول هو تفجير المرفأ وردمه، وهذا مستحيل؛ خصوصا أن لا أحد يقطع مورد رزقه بيده. والثاني أن نعمل على تطفيش الوقت، لأني وجدتُ أن توقفه غنج ودلع من جانبه. وما عليه هو إلاّ أن يسير وكل يتدبّر أمره معه، كالعادة".

تنحنح إبراهيم وقال: "عن إذنك معلمي دعني أكمل عنّك... ولأن أول الوقت موجود لدى جلجامش، صعدنا إليه. وبلا طول سيرة، جلبنا رأس الوحش لنرعب به الوقت القاعد عند مدخل مستشفى النيني، علّه يعاود جريانه".

حاول الدكتور ثني الشابين عن تطبيق هذه الخطة وحمل رأس خومبابا والهجوم على الوقت، لئلاّ يسِمُهُم اللبنانيون والعرب والعالم بالداعشية. فضحك إبراهيم ومحمد وأبو رشيد وأم إبراهيم وأم رشيد أخت إبراهيم الكبرى وأخوه طارق، وصهيب وسوسن وريم وأم سميعين وتيما وأبو عدي ونهلا وعبد الفتّاح وأم سيمي وحسّان عدلا وربى ومرام كويك ومصطفى ئشئش، ضحكوا حتى الثمالة.

ثم انفرد محمد قائلاً: "معلمي، داعش تفصيل بسيط في حياتنا. ونحن لا نمتلك ترف نفض هذا الصيت عن أنفسنا. تبدّلت هوياتنا مع كل غازٍ للمدينة من دون أن ندري. أصلاً، لم يعطِنا أي من هؤلاء الذين تعاقبوا علينا الوقت الكافي أو أي فرصة لكي ننتمي إلى أي منهم: عرب، فرنجة، مماليك، عثمانيون، فرنسيون، السلطة اللبنانية، الأحزاب، التوحيد، النظام السوري… بقا داعش! دي تبقى مين دي؟"

يقال أن خطة تطفيش الوقت نجحت. فما إن رأى رأس خومبابا وأطرافه هاجمةً عليه زاعقةً زعيقاً مخيفاً، حتى أقلع من مكانه كالصاروخ، منتشلاً معه سكان الكوكب من ضياعهم. ويقال أيضاً أن الوقت سبق طرابلس لكنها لم تأسف على ذلك. فقد ارتاحت أخيراً، وأصبحت حياتها هانئة وإيقاعها ناعماً. لا يأتي إليها إلاّ الذين نسوها.

ويقال أيضاً أن الجملة التي تودّع مدينة الميناء بها زوّارها "لا تنساني عُدْ إليّ قريباً،" حل محلّها قول للفيلسوف الألماني شوبنهاور "يفكر الناس العاديون فقط في قضاء الوقت، بينما يفكّر العظماء في استخدامه". وأهل طرابلس أحسنوا استخدام الوقت.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها