آخر تحديث:18:52(بيروت)
الإثنين 22/02/2021
share

وائل رمضان في ندمِه ونشوته: مَن هُم الحميْر؟

عدنان نعوف | الإثنين 22/02/2021
شارك المقال :
وائل رمضان في ندمِه ونشوته: مَن هُم الحميْر؟
في واحدٍ من أكثر المشاهد السينمائية رعباً، يتذوق "باول كريندلر" في فيلم Hannibal  قطعةً مِن دماغه اقتطعها منه "هانيبال ليكتر" وأطعمه إياها، بعدما خدّره بجرعة مورفين، وشَقّ رأسه جراحياً، وراح يتحكم بسلوكه غير الواعي.
ليس من السهل إيجاد حالة مماثلة في الواقع، ولو من باب المحاكاة، لإنسانٍ يتلذذ بلحم جسده. لكن عندما يتعلق الأمر بانفعالات يختلط فيها دَور الضحية بالانتقام، فقد نصادف ما يحاكي المشهد رمزياً، خصوصاً في معارك سوريين في ما بينهم، وما تتضمنه من أساليب تشفّي غريبة. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما جاء في سياق التفاعل مع منشور في فايسبوك، كتبَ فيه الفنان السوري الموالي وائل رمضان: "من عشر سنين كنا نقول: شو هالحمير اللي راحوا بالبحر ولووو.. طلعنا نحنا الحمير ومكترين". وما هي إلا ساعات قليلة حتى اختفى المنشور من صفحته، دون أن يمنع ذلك تداوله، والتسابق للرد عليه.  

والحال أن أسلوب رمضان هنا لا يحتاج شرحاً وتوصيفاً لجهةِ محاولة إهانة الملايين وجلد الذات في الوقت نفسه، غير أنّ ما صدرَ عنه جاء بالنتيجة منسجماً مع صورته وخصائصه التي رسمها على مرّ السنوات باعتباره مثالاً لـ"المُوالي النموذجي" المتباهي بمبالغات لا سقف أو حضيض لها، فهو القائل في تصريح له العام الماضي: "أنا مو مع النظام السوري، أنا النظام السوري ذاته"!

وأمام لغته "الاستحمارية"، إذا صحّ التعبير، كان من الطبيعي أن تثور ثائرة السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي وتحديداً المهاجرين منهم، لكن الملفت أن مضامين التعليقات لم تقتصر على تناول شخص رمضان، بل ذهبَ الكثير منها إلى الشماتة بمَنْ بقيوا في سوريا على اختلاف خياراتهم وظروفهم.


وتنطلق هذه الشماتة عادةً مِن سياق قَدري يحكُم وعي قسم كبير من جمهور "الثورة السورية" ويقوم على فكرة "شفاء الصدور" كبديل عاطفي يعوّض الفشل والهزيمة، ويقود للإحساس بتحقق "العدالة الإلهية" عبر مشاهدة معاناة "الموالين الظالمين"، والدعاء عليهم بأن يصبح "الهواء أيضاً بالبطاقة الذكية".

ويمكن القول أن محتوى تعليقات عديدة كان بمثابة فضيحة، إذا ما اخذنا بالاعتبار أنّ منصات مثل "فايسبوك" و"تويتر" أصبحت مرآة ووثيقة تقيس سلوك الأفراد والجماعات، أو على الأقل تعطي تصوراً عن مزاج عام، كما هو الحال في أشكال التعبير الانتقامي المكرّرة من قبل سوريّين وسواهم.

ورغم أن الانخراط السوري في معارك افتراضية ذات طابع أهلي أو سياسي أو طائفي أصبح معتاداً، فإن المعركة هذه المرة كشفت جوانب مظلمة أكثر، نظراً لطبيعة الموضوع ألا وهو "الهجرة". ومع أن تصريحات ومنشورات الفنانين الموالين للنظام تتكرّر حول هذه النقطة، فإن رمضان بما كتبه فعلَ الأسوأ حين فتحَ الجرحَ على أقصى اتساعه، ورشّ داخله مِلحاً. 

والجرح هنا لا يشبه سواه، فهو الوحيد غير القابل للالتئام لأنه مرتبط بـ"النشوة والألم" الممتدَين زمنياً، وبحقيقة اللجوء عند السورييين كفرصة مكتسبة للبعض وضائعة للبعض الآخر، بما قد يجعلها سبباً لنَدمٍ أبدي على الخيار الخطأ (البقاء وتفضيل سوريا أو دول جوارها على أوروبا، لأسباب اجتماعية أو دينية).

وطالما أن للموضوع كل هذه الحساسية، فلا يعود عندها العنف اللفظي تجاه النفس أو "الآخر" مفاجئاً. وبالنسبة للشامتين بمَنْ فاته قطار الهجرة، فقد انطلقوا- كما المتوقع- من كونهم هم "الثوار الذين سنحت لهم فرصة لتذكير الرماديين والمؤيدين بخطيئتهم". وهذا أسوأ ما في مشهد الرد على رمضان، لأن اعتماد هذا المنطق كقاعدة لجميع النقاشات كرّس كذبةً مفادها أنّ "مَن هاجروا معارضون، ومن بقيوا موالون"! 

وحينَ نقول "كذبة" فإن ذلك لا ينفي حقيقة أن اللاجئين بمعظمهم هربوا من أذى النظام السوري، وأنّ جزءاً منهم سبقَ وشارك في الاحتجاجات أو العمليات العسكرية ضده. لكنّ جوهر "الوَهم" فعلياً هو استمرار استخدام مسمّيات سياسية لوصف مواطنين أو لاجئين لا علاقة لهم بالسياسة مُمارسةً، أو أحزاباً، أو ربما حتى متابعةً لنشرات الأخبار. 

ومن ناحية ثانية، فمِنَ المخجل والمُملّ إصرار مُهاجر على وصم المُقيمين في مناطق النظام بـ"الموالاة" كلما شعرَ بحاجته لـ"تقدير ذاته المناضلة"، مُستخدماً مِسطرة "مؤيدين ومعارضين" لقياس كل شيءٍ اقتصادي واجتماعي وإثني وعِرقي وقَبَلِي.

في هذا الجانب سيُقال طبعاً أنّ السوريين ليسوا استثناءً، فالمصريون مثلاً يستعرضون انقساماتهم بين مؤيد للسيسي ومعارضٍ له. غير أنّ المقارنة لا تصحّ لأنّ الحالة السوريّة أصبحت تفتقد لـ"حدٍّ أدنى" في كلّ نواحيها. وإن كان يمكن وصف شعوبٍ في الشرق الأوسط بـ"القنابل الموقوتة سريعة الاشتعال والانفجار تأييداً لهويّة أو دفاعاً ضدّ عدوّ"، فإنّ السوريين هم "القنبلة التي يستطيع أياً كان إشعالها" كما يبدو.

لا شكّ أنّ الواقعية تقتضي الاعتراف بأن ما حصل في سوريا أسوأ من حربٍ أهلية، وهو ما لا يحبذه الانطباعيون المولعون بسرديّة "الثورة النقية المُتخيلة"، أو المقتنعون بوَهمِ "المؤامرة الكونية" في الضفة المقابلة. وعليه، فإن هُجوم سُوريٍّ على سوريّ آخر سيكون مفهوماً بما أن سوريا باتت بالنسبة له هي "دولة إدلب"، أو "دولة الحسكة" أو "دولة اللاذقية"، أو ربما يتصاغر الوطن ليكون عائلةً وحسب.

وبالوصول إلى مرحلة كهذه فإنّ أكثر ما يمثل حكاية "البلد الذي كان في الماضي" هو مشهد تقاذف أبنائه الصفات التعميمية المُهينة، واستمتاع بعضهم بذلك، وكأننا أمام القطّ المُتلذِذ بدمِهِ وهو يَلعق المَبرد، أو أمام "باول كريندلر" المُخدّر يأكلُ بشهيّةٍ قطعةً مأخوذةً مِن جسده.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها